|
" بيكر - هاملتون " إنتصار للشرّ ، إنقلاب
على الدستور
وخنجر في خاصرة الديمقراطية على حساب
الشعب الكوردي !!
حسو نرمو
يوماً بعد آخر تتصاعد موجة العنف وتزداد
مشاعر الغضب تجاه الولايات المتحدة
الامريكية ورفض سياساتها في مناطق مختلفة
من العالم . تتجلى مظاهر الرفض تلك بدءاً
في موقف حلفائها الاوربيين " خاصة فرنسا
والمانيا التي تعتبر أكبر قوتين عسكرية
واقتصادية في أوروبا " الرافض للهيمنة
الامريكية للتفرد بالقرارات الدولية
ورفضها الانصياع للضغوط الامريكية في
معالجة القضايا الدولية الشائكة . المظهر
الآخر يكمن في النجاحات التي تحققها قوى
اليسار والقوى المناهضة لأمريكا وسياساتها
وكان آخرها فوز الرئيس الفنزويلي شافيز
بأنتخابات بلاده بنسبة 58% من أصوات
الناخبين . وتبرز تلك المظاهر بشكل أوضح
وأعنف في منطقة الشرق الاوسط والدول
الاسلامية نتيجة موقف أمريكا من الصراع
العربي الاسرائيلي وسياسة الكيل بمكاييل
ومعايير مزدوجة تجاه الكثير من الملفات
والقضايا الساخنة ومنها القضية الكوردية ،
ممّا أفرز تنامي دور القوى والحركات
الأصولية والأحزاب الدينية مقابل تراجع
وإنحسار القوى الليبرالية والعلمانية في
المنطقة بشكل عام وتزايد العمليات
الإرهابية التي تقوم بها منظمة القاعدة في
الدول المعروفة بولاءاتها للسياسات
الامريكية مثل مصر والسعودية وباكستان "
التي تمتلك أسلحة نووية " مما يعرّض تلك
الأنظمة لرجّات وإهتزازات في بنيتها قد
تعرض تلك الأنظمة للإنهيارمستقبلاً وتمهّد
لوصول قوى الإسلام السياسي المعادية
لأمريكا ، لدسة الحكم في هذه المنطقة
مستقبلاً كما حصل في إيران والسودان
وفلسطين والصومال .
منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 شنت الولايات
المتحدة حربين ، إحداهما ضد نظام الطالبان
في أفغانستان والاخرى ضد نظام صدام
المقبور وكان العالم كله يتكهن بأن مسلسل
تلك الحروب سيتواصل لتمتد رقعتها بما يشمل
كل من إيران وسوريا . لكن الحسم العسكري
السريع الذي حققته أمريكا في البلدين
والذي زاد من أسهم الرئيس بوش ورفعت من
شعبيته بعد إنتهاء كل حرب جعلت إدارة
الرئيس بوش تتصرف بصفة الحاكم المطلق عبر
الحاكم المدني بول بريمر وقراره بحل أجهزة
الجيش والشرطة ومن بعده عبرسفرائها
نيغروبونتي وخليلزاد دون الأخذ بنصائح
حلفائها من القوى السياسية الفاعلة على
الساحة العراقية مما حول إنتصاراتها
العسكرية الى مأزق ومستنقع كان السبب
الرئيسي في فقدان الرئيس بوش شعبيته التي
وصلت الى أدنى مستوى منذ تسنمه لمهامه
الرئاسية وبالتالي فقدان الجمهوريين
لسيطرتهم على مجلسي النواب والشيوخ لصالح
الديمقراطيين في الانتخابات النصفية التي
جرت في تشرين الثاني المنصرم جعلت تلك
الادارة تبحث عن سبيل للخروج من المأزق
والمستنقع الذي وقعت فيه بأقل الخسائر وإن
كان على حساب نشر الديمقراطية وحقوق
الانسان ومحاربة الارهاب الذي أخذتها
أمريكا كشعارات لشن حروبها تلك مما أ
فقدتها مصداقيتها وأضعفت كثيرآ من موقف
حلفائها في المنطقة .
في مؤتمر لندن 14- 16 كانون الاول 2002 أي
قبل سقوط نظام الصنم المقبور بأشهر، طالبت
القوى السياسية الاساسية في المعارضة
العراقية بتشكيل حكومة مؤقتة وهو ما رفضه
مندوب الرئيس بوش لدى المؤتمر السفير
الحالي خليلزاد . بعد دخول القوات
الامريكية الى ساحة الفردوس في 9 - 4 -
2003 وفي أيار مايو أصدر الحاكم المدني
السفير بول بريمر قراره الجائر بحل أجهزة
الجيش والشرطة وقوات الحدود ممّا ترك
البلد في حالة فوضى عارمة وفتحت حدوده لكل
من هب ودب من القوى الإرهابية وعناصر
النظام السابق الذين إلتجئوا لدول الجوار
ولأجهزة مخابرات تلك الدول لتعيث في أرض
العراق فساداً ولتأجج نار الفتنة الطائفية
والحرب الاهلية بين المكونات العراقية
ممّا جعلت من مهمة إحلال الأمن في هذا
البلد مهمة صعبة جداً إن لم تكن مستحيلة
وجعل العراق ساحة لتصفية حسابات هذه الدول
، من خلال دعم ميليشيات في كلتا الجبهتين
السنية والشيعية ، مع أمريكا وبالتالي
جعلت هذه القوات تتكبد بخسارة تلو الأخرى
وأصبح العراق مستنقعاً لهذه القوات ممّا
جعلت تلك الادارة تفكر مليّاً بإيجاد مخرج
لتواجدها العسكري تحفظ به ماء وجهها كقوة
عظمى مع المحافظة على مصالحها
الاستراتيجية في العراق والمنطقة .
تقرير " بيكر - هاملتون " جاء ليعكس
المأزق الذي تعيشه الادارة الامريكية في
معالجة الاوضاع الأمنية المتردية في
العراق وتجعل الجهود " المعلنة " لتلك
الدولة في تحقيق الأمن والإستقرار المنشود
في هذا البلد في أدراج الرياح بعد أن أصبح
البلد في حالة حرب أهلية غير معلنة مع
تزايد الخسائر في صفوف القوات الامريكية
التي وصلت الى 2938 ألفان وتسعمائة
وثمانية وثلاثون قتيل وأكثر من ثلاثين ألف
جريح وفق البيانات الامريكية نفسها مما
جعل أكثر من مسؤول أمريكي يصرح بأن بلادهم
ليس على إستعداد لتقديم المزيد من
التضحيات من دون أن تأتي بنتائج ملموسة
خصوصاً بعد أن أصبح مستقبل تلك القوات
الورقة الأكثر تأثيراً في توجيه إتجاهات
الناخب الامريكي الذي تجلت بوضوح في
الانتخابات النصفية الاخيرة .
رغم كون تقرير " بيكر - هاملتون " توصيات
والادارة غير ملزمة بتنفيذها إلا أن هذا
لا يلغي من أهمية التقرير خصوصاً انه يشكل
الرؤية والارضية المشتركة التي يتفق عليها
كلا الحزبين لمستقبل السياسة الأمريكية في
العراق والمنطقة وبالتأكيد ستتعامل إدارة
بوش مكرهة أو طواعية مع التقرير لكن ليس
كرزمة واحدة وهذا ما أكد عليه وأشارت
اليها تصريحات المسؤولين في البيت الابيض
والتي أكدت على وجوب إجراء تغيرات على
السياسة الامريكية في المنطقة وظهرت بجلاء
أولى بوادر تلك التغيرات بعد أن تم إقصاء
رامسفيلد من البنتاغون بعد الانتخابات
النصفية كنتيجة للسياسة الامريكية في
العراق .
ويمكن بإيجاز أخذ الملاحظات التالية على
تقرير بيكر - هاملتون :
1 - التقرير يعطي دور لكل من إيران وسوريا
، اللتان تعتبران من الدول التي تقف على
رأس قائمة الدول الراعية للإرهاب والحركات
الإرهابية ومحوري الشرّ حسب وجهة النظر
الامريكية ، وهو ما رفضته أمريكا على طول
الخط ويبدوا أن هناك توجه جدي بهذا
الإتجاه بعد زيارة الرئيس الطالباني
الأخيرة الى طهران ولقائه مع الرئيس أحمدي
نجاد ثم زيارة وزير الخارجية السوري وليد
المعلّم الى العراق والإعلان عن إعادة
العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين
. وهذا الاقرار بدور الدولتين بحد ذاته
إنتصار لهذا المحور وفشل واضح للسياسة
الامريكية .
2 - يدعو التقرير الى إعطاء دور أكبر
للقوى التي عارضت العملية السياسية وهذه
النقطة سوف تزيد الأوضاع الأمنية تدهوراً
وسوف تزداد أعمال العنف من قبل هذه
المجموعات الإرهابية للحصول على المزيد من
الإمتيازات . وكما ورد في النقطة 27 - "
تتطلب المصالحة الوطنية إعادة البعثيين
والقوميين العرب إلى الحياة الوطنية، مع
رموز نظام صدام حسين. على الولايات
المتحدة أن تشجع عودة العراقيين المؤهلين
من السنة أو الشيعة أو القوميين أو
البعثيين السابقين أو الأكراد إلى الحكومة
". إضافة لما ورد في التوصية 34 - " يجب
أن يكون مستقبل وجود القوات الأميركية على
بساط البحث في جهود المصالحة الوطنية.
وزيادة إمكان مشاركة قادة التمرد
والميليشيات، وبالتالي زيادة احتمالات
نجاح هذه الجهود.
العنف لن ينتهي ما لم يبدأ الحوار،
والحوار يجب ان يشمل من يسيطرون على
السلطة. وعلى الولايات المتحدة أن تحاول
التحدث مباشرة مع آية الله العظمى علي
السيستاني، والتحدث مباشرة مع مقتدى الصدر
وقادة الميليشيات وزعماء المتمردين. الامم
المتحدة يمكن ان تساعد في تسهيل الاتصالات
". وهذه التوصية هي الاخرى تعد نصرآ
للبعثيين والتكفيريين وأمثالهم .
3 - يمكن إعتبار التقرير إنقلاباً على
الدستور حيث يدعوا التقرير صراحة الى
إجراء تعديلات دستورية دون التطرق الى
الاليات المحددة فيه دون أي مراعاة لمشاعر
80% من الشعوب العراقية التي صوتت بنعم
عليه في 15 - 10 - 2005 . حيث ورد في
النقطة 26 " مراجعة الدستور العراقي أمر
اساسي لتحقيق المصالحة الوطنية ويجب ان
يتم ذلك في شكل عاجل. والامم المتحدة
لديها خبرة في هذا المجال، ويجب أن تلعب
دوراً في هذه العملية ".
4- مخالفة للمادة 110 من الدستور
والمتعلقة بالثروة النفطية نص تقرير بيكر-
هاملتون كما جاء في النقطة 28 - " تقاسم
العائدات النفطية. يجب أن تعود عائدات
النفط إلى الحكومة المركزية ويتم اقتسامها
على أساس عدد السكان ".
5- يدعوا التقرير الى تأجيل تطبيق المادة
140 المتعلقة بحل قضية كركوك والمناطق
الأخرى المتنازع عليها كما نص عليها
الدستور العراقي في نهاية 2007 . ويدعوا
التقرير الى تدويل قضية كركوك ومساعدة
الحكومة العراقية في إيجاد حل مقبول لها .
حيث تنص التوصية رقم 30 - في ضوء الوضع
الخطر في كركوك، هناك ضرورة للتحكيم
الدولي لتجنب العنف الطائفي. كركوك يمكن
ان تكون برميل بارود. وإجراء استفتاء حول
مصير كركوك قبل نهاية عام 2007، كما يقضي
الدستور العراقي، سيكون انفجاراً، لذا يجب
تأخيره. وهذه مسألة يجب أن تدرج على جدول
أعمال «المجموعة الدولية لدعم العراق» في
اطار عملها الدبلوماسي .
إضافة الى الدعوة الى حكومة مركزية قوية
ونقاط كثيرة أخرى لا يتسع المجال هنا
للتطرق اليها.
من المفارقات العجيبة والغريبة في التقرير
أنه لم يشير الى ركنين اساسيين من أركان
النظام والدستور الجديد في العراق ألا
وهما الديمقراطية والفيدرالية . والأغرب
والأعجب من ذلك أن لا بيكر ولا لجنته لم
يزوروا كوردستان ولم يطلعوا على حالة
الامن والاستقرار والازدهارالذي يشهده
الاقليم قياسآ بباقي مناطق العراق وحتى
قياسآ ببعض دول المنطقة لذا لم تتم أي
إشارة الى خصوصية أقليم كوردستان كما أوضح
بيكر في إتصاله الهاتفي مع الرئيس
البارزاني قبل تقديم تقريره الى الرئيس
بوش بل أراد بيكر العودة بالشعب الكوردي
الى المربع الذي يريده هو كما فعل سلفه
كيسنجر مهندس إتفاقية الجزائر في آذار-
1975 ، لهذا سادت الأوساط الرسمية
والشعبية الكوردية حالة من القلق وعدم
الرضا والرفض عبر عنه الرئيس البارزاني في
بيان صدر من رئاسة الاقليم أعلن رفضه
للتقرير وإنضمّ اليه الرئيس الطالباني
الذي وصف التقرير بأنه غير منصف وغير عادل
وأعلنت كل القوى الكوردية ومعظم القوى
الكوردستانية تأييدها وتضامنها مع قرار
الرفض .
الامر الذي يبعث على المرارة من التقرير
بان أحد معديه هو السيد بيكر الذي زار
بنفسه في نيسان 1991 مخيمي دشتان وجلي
للاجئين الكورد في تركيا وشاهد بنفسه تلك
المأساة الكوردية التي هزت الضمير العالمي
بما فيهم السيد بيكر الذي أرسل رسالة الى
الرئيس بوش الاب وكانت تلك سببآ في صدور
القرار الدولي 688 القاضي بتشكيل المنطقة
الآمنة شمال خط العرض 36 لتكون بداية
ونواة لكي يهنأ وينعم الكورد بالامن
والاستقرار والازدهار في ظل تجربة
ديمقراطية وليدة والكورد مستعدين للدفاع
عنها بأي ثمن كان ولن يقبلوا بتهميشهم في
الترتيبات الجديدة للمنطقة ولن يقبلوا أن
يكونوا كبش الفداء لأخطاء الاخرين .
حسب تقرير بيكر- هاملتون " الوضع في كركوك
يمكن ان تكون برميل بارود. وإجراء استفتاء
حول مصير كركوك قبل نهاية عام 2007، كما
يقضي الدستور العراقي ، سيكون انفجارا ً،
لذا يجب تأخيره " . نعم الصفة التي
أطلقتموها على الوضع في كركوك ، تنطبق
تمامآ على تقريركم يا سادة الذي يعتبر
فعلآ برميل بارود سينفجر ليكون الانفجار
الثاني بل الزلزال الذي سيضع المنطقة
برمتها على فوهة بركان بمجرد شروع الادارة
في تطبيقه خاصة الفقرات التي اشرنا اليها
بعد الزلزال الذي أحدثه معلمكم كيسنجر بعد
إتفاقية الجزائر التي كانت السبب في نشوب
أطول حرب في التاريخ الحديث التي ستمتد
تداعياتها لأجيال وأجيال بعد أن راح
ضحيتها مليوني شخص من خيرة أبناء البلدين
والتي توقفت إثر القرار الدولي 598 في 8 -
8 - 1988 .
إذا أرادت الادارة الامريكية بحزبيها
الجمهوري والديمقراطي أن تحافظ على
مصداقيتها في بناء عراق مستقر وآمن ، يجب
أن تعيد النظر في الكثير من الجوانب
الواردة في تقرير " بيكر - هاملتون "
ليكون العراق الجديد بوابة لتحقيق الامن
والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط وإلا
فان إنفجارآ جديدآ ينتظر المنطقة إذا أخذت
التوصيات التي أشرنا اليها والتي وردت في
تقرير " بيكر - هاملتون " طريقها الى حيز
التنفيذ .
تقرير " بيكر - هاملتون " برمته يشكل
مكافئة ونصرآ كبيرآ لمحور الشرّ والارهاب
وإنقلابآ على الدستور العراقي وخنجرآ في
خاصرة الديمقراطية على حساب الكورد كما
حصل في الجزائر .
بعد أن إستقبل الرئيس بوش البارزاني في
البيت الابيض بصفته رئيسآ لأقليم كوردستان
إستقبال الرؤساء وشكره على دور الكورد في
التحالف الدولي ضد نظام صدام حسين ودورهم
كجزء من التحالف الدولي ضد الارهاب ، لذا
فأن السؤال الذي يطرح نفسه هو بعد صدور
تقرير بيكر - هاملتون هو هل أن إدارة
الرئيس بوش ستأخذ بتلك التوصيات وتهمل
إرادة الشعب الكوردي كما حصل عند قيام
الدولة العراقية في 1921 ليعيد التاريخ
نفسه كما حصل في لوزان 1923 ؟ !
hasso_narmo@yahoo.de
14 -12 2006
|