|

"إن عدم القدرة على تحويل
مجرى الصراع إلى صالح قوى
التفرّد . و عدم القدرة
على رؤية مسار آخر يوقف
الانحطاط و الهزيمة , و
هيمنة الشخصنة , و الخوف
من مواجهة هذه القوى كل
ذلك جعل التعبير التبشيري
الأدبي الفني هو السائد,
فيه نتحدث عن الانتصارات
و البطولات المطلوبة ,
و نصنع هذه البطولات
لفظيا ً, و بالشعر نعوّض
كل ما ينقصنا , و ما
نحتاج إليه من حب و بطولة
و كرامة و كرم, و نشتم كل
ما لا نريده و لا يتناسب
معنا...و لذلك , تعد
موضوعات الفخر و الهجاء و
المديح و الرثاء , من أهم
الموضوعات التي لا بد لكل
شاعر أن يطرقها "
رائق النقري "المنطق
الحيوي : عقل العقل ج1 –
ص306
و لكن ما علاقة هذا
الكلام
بمناسبة الحديث عن مجموعة
شعرية تنتمي إلى نسق
الشعر الحديث بنمط "
قصيدة النثر" , هذه
القصيدة المتمردة على
أغراض الشعر التقليدي من
فخر و هجاء و مديح و
رثاء؟!
لنبدأ من العنوان : إنها
الريح
فهذا العنوان قابل لتأويل
تبشيري و إيحائي , فالريح
كإحدى قوى الطبيعة
الفاعلة و القادرة على
التخريب و الانتقام و
التغيير
فهي مفردة ذات دلالة
حركية واضحة /عكس سكونية
و قد وردت في صيغة " إنها
الريح" أي إشارة إلى
الريح – و ربما الريح
بعينها و ليست الريح
الغائبة
و إذا كانت اللغة هي
الملاذ الأخير للإنسان
المهزوم, و المثقل بأعباء
الواقع فقد ازدادت وظيفة
الملاذ الآمن إلى ما يشبه
الوطن الرمزي في تجربة
الشعراء الحداثيين, حيث
ينفثون صدى خيبتهم و
يلقون خروج همومهم
المثقلة بالوجع و الفقر و
التشرذم و الاستلاب و
الهامشية
يلقونها على ظهر القصيدة,
لتغدوا القصيدة ساعي بريد
, وربما بمثابة أم حنون و
قصيدة الكوجري استحقت لقب
الأم الحبيبة الملاذ
الوطن الرمزي
لاحظ:
- "من حق الجبل/ أن يكون
جبلا ً/ يا أمي/ ثمة ما
يرعب الريح أيضا ً"ص9
- " و يا أمي قولي للقطا
أن يؤوب إليها"ص10
- " أقول ربما لأهب قلقي
لتلك الريح" ص10
- " هكذا أخبرتني
القصيدة/ ما نكثت بوعدها
يوما "ص19
- " هذا النص غوايتنا/
منذ أن قلنا للقصائد/
سيلي على نداوة عشبنا"ص20
- " هناك كائن رخو/ ناعس/
ينتظر وقتا ً/ ليفتك به/
و ليبلع النص الذي
يشبهني.." ص12-12
و للتدليل على ما ذهبنا
إليه من الحضور التبشيري
في النص الشعري أمام عدم
القدرة على تغيير مجرى,
و صيرورة الواقع أسوق
قصيدة " أغنيات لسيدة
الريح"
" الريح تصفر/ لعشاقها
الكثر/ للغيم/ للقمح/ و
الشجر/ يودع آخر حب/ من
ثمر/ ونضرة راكدة.
الثوب الأحمر/ ينتشي من
زفرة الشهيد/ و أنا
الشهيد../ الجبل يرقص
بالنار
و الزغرودة الشمال../
الشمال يغنّي للدم
الوارف/ و الطلقات
الأصابع/ تغري بياض الثلج
/ الفقير/ و أنا وحيدا ً/
وحيدا ًأغني/ و قلبي قلعة
/ في وجه الطاغية / و
...
أنا وحيدا/ أرقص على
نزيف دمي/ ووحيدا ً/
أموت../ و دمعي يسقي
زهرات
بحجم قلب أمي/ في هذه
الحديقة الرائعة :
ح ل ب ج ة " ص73-74
لا أعتقد بأننا سنجد أي
صعوبة في فهم الرسالة ,
القصيدة, اللغة في
وظيفتها التبشيرية , و
الحلم بمستقبل قومي و عبر
فهم محدد للهوية, أو ما
اصطلح عليه في الأدبيات
الايديلوجية " المخاض
الثوري" حيث تكون مفردات
: الشهيد – الدم – حلبجة-
الطلقات – بلاد الشمال
شاخصات في الطريق إلى
الولادة؟!
يمكن النظر إلى مجموعة
الشاعر عمر كوجري " إنها
الريح" كرسالة تتوسل
بالجمالي لتمرير خطاب
ايديلوجي
لن أقف عند ماهية الخطاب
الايديلوجي المقدم في هذه
المجموعة مع احترامي
الشديد للخصوصيات
الثقافية و طرائق التشكل
الاجتماعية و احترامي
للمطالب الحقوقية
المتعلقة بذلك
ما أود قوله : في هذه
المجموعة , القصيدة ليست
سوى امتداد مباشر للشاعر
و ليست بالكائن المنفصل
/المتصل /المتعالق مع
الشاعر المؤلف
و أعتقد – و هذا رأي
شخصي- أن هذا ناتج عن
إسقاط مناظير متعددة
أسقطها الشاعر عمر كوجري
في تعامله مع القصيدة و
ليس أقلها الاقتصاد
اللغوي؟
المجموعة" إنها الريح"
بوح جميل عن هواجس شخصية
– قومية – يومية – عاطفية
– نفسية يتركها الشاعر
على رسلها في لحظة شعرية
تقتنص الشعر , و تقبض على
كيمياء القصيدة و فتنة
الجمال , و إن كانت تقترب
منها في أحايين غير قليلة
: لاحظ:
- "حين/ كفت وردة أن
تكون / وحيدة / استعانت
بقلبي " ص54
- " هو ذا الحارس / خوذة
متهرئة على رأس مهترئ/ يد
باردة على زناد أخرس/
يرفع عينيه يعدّ نجوم
النهار " ص65
- " منذ أن نتف المطر
ريشي/ و أنا أسأل ثقيل
القدمين من / الطين عن
بيت من ستكون أمّ لافا"
ص79
- " هذه لافا / تمنحنا
أنا / و أمها/ من عصير
الأمل كأسا ً/ و تمضي إلى
بيدر الطفولة كل يوم "
ص86
• يقدم الشاعر طه خليل
مجموعة إنها الريح و على
الغلاف الخارجي على الشكل
التالي:
" عمر كوجري ..يرعى
قصائده
كما يرعى الكوجريون
أغنامهم من قبل
يتركها لترتع و تنتشر
حينا ً
و حينا يلمها
هو شاعر يكتب باللغة
العربية
كأهلها , و إن كانت
قصائده هي
قطعانه الأقرب إليه"
أتفهم تشبيه الشاعر
بالراعي , و أن الشعر فن
رعوي , و أن القصائد تشبه
الغيمات و تنتشر فيلملمها
الشاعر, و لكن القول " هو
شاعر يكتب باللغة العربية
كأهلها " فبداهة هو يكتب
باللغة العربية و لا
يحتاج ذلك لبرهان, و أما
كأهلها , فهناك نقطتين :
الأولى : يمنح مقدم
المجموعة قيمة ايجابية
لقصائد الشاعر كوجري فهي
كقصائد الشعراء العرب!
الثانية : هو ليس من
أهلها و لكنه كأهلها ,و
ثمة فرق كبير بين من, و
كاف التشبيه
ما يفهم منه قلق الهوية و
الإحساس بالدونية لدى
مقدم المجموعة ,و مؤلف
المجموعة
إن المصالح المرتبطة بهذا
التقديم هي مصالح عزلة
صراعية
و المخاطب بها هو المتلقي
الكردي الذي يقرأ و يكتب
العربية, و هي كما أشرت
مصالح عزلة , لاحظ هذه
العبارة " و إن كانت
قصائده هي قطعانه الأقرب
إليه"
و هي كذلك مصالح صراعية :
لاحظ " يكتب بالعربية
كأهلها " إن كلمة
الكوجريون و هي وفق ما
أفادني به الشاعر تعني
القبائل الكردية البدوية
الراحلة , و نسبة الشاعر
إليها هو تعبير خاص
بالأثنية الكردية , بدليل
أنه اضطرني للاتصال به و
الاستفسار عنه
و في النهاية أختم مقالتي
بهذه الصورة الجميلة
للشاعر
" ما أروع الكلام حين
يطير
من فمها
كحمام كوجري" ص11
و لكن للأسف لم تحافظ
تجربة الشاعر على ذات
المستوى بين دفتي
المجموعة؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
شاعر من سوريا
عن مجلة أدبيات
|