|
المواثيق والعهود
الدولية، تضمن حق الشعب
الكوردي في تقرير مصيره،
ضمن كيان سياسي مستقل.
لكن، معطيات الحال الشرق
أوسطية، وتعقيدات القضية
الكوردية الموزَّعة على
أربعة دول، تشترك أنظمة
ثلاثة منها، في معاداة
حقوقهم الأساسية، فما
بالكم القومية، ناهيكم عن
حجم العلاقات والتحالفات
الدولية مع هذه الأنظمة،
تحيلنا لنتيجة مفادها:
صعوبة تحقيق الدولة
الكوردية. واستمر الكورد
في نضالهم الحثيث لأجل
تحقيق هذا الحلم في
العراق وإيران وتركيا،
ليس وسط صمت العالم
وتجاهلهم لمعاناتهم وحسب،
بل مع الدعم الدولي لهذه
الأنظمة. إلى أن أتت حرب
الخليج الثانية، وتعرُّض
المعادلة الإقليمية
لاهتزاز كبير، أمَّن
لأكراد العراق نوعاً من
الحكم الذاتي، ضمن منطقة
"الملاذ الآمن" التي ضمنت
لهم حماية دولية من
النظام العراقي السابق،
وصولاً للحرب الأمريكية
على العراق في 2003، التي
زادت من حجم المكاسب
الكوردية. وجاء الخطأ
الاستراتيجي التركي في
منع استخدام الأراضي
التركية كجبهة شمالية
للحرب على العراق،
ليتعرِّض الحلف الأمريكي
_ التركي لصدع خطير، ما
أدَّى لرفع أسهم الكورد
في البورصة السياسية
الأمريكية، قياساً
بالانخفاض الشديد للأسهم
التركية. ما خلق نوع من
الحصانة الأمريكية لأكراد
العراق في مواجهة الضغوط
والتهديدات التركية.
استطاع أكراد العراق
استثمار الوضع المحلي
والإقليمي والدولي الناتج
عن الحرب على العراق
لحدوده القصوى، عبر تضمين
الفيدرالية في الإقليم
الكوردي دستورياً، فضلاً
عن الحضور الكوردي النشط
والفاعل في الحكومة
المركزية، وسلطات الدولة،
والمشاركة في سن الكثير
من القوانين التي تضمن حق
الكورد في السلطة والثروة
العراقيتين. ولم يبقَ
أمامهم سوى تطبيق المادة
140 من الدستور العراقي
القاضية بإعادة تطبيع
مدينة كركوك، والعودة بها
لما قبل حملات التعريب
التي مارسها النظام
السابق عليها، وصولاً
لضمَّها لإقليم كوردستان.
ومعلوم بأن مسألة ضم هذه
المدينة لمنطقة الحكم
الذاتي، إبان مفاوضات
الأكراد مع النظام
العراقي السابق، كانت
العقدة الكؤود الحائلة
دون الوصول لاتفاق بين
الطرفين، مطلع السبعينات
على زمن القائد الكوردي
الملا مصطفى بارزاني،
وصولاً لمفاوضات 1991 بين
النظام العراقي والجبهة
الكوردستانية وقتها.
ووسط الممانعة الداخلية
العربية العراقية لتطبيق
هذه المادة، والمطالبة
بتأجيلها، بالإضافة إلى
تزايد التهديدات التركية
العلنية بهذا الصدد،
والمعاداة الإيرانية
والسورية غير العلنية لضم
كركوك للإقليم الكوردي،
فضلاً عن التقارير
والتحليلات الاستراتيجية
المحايدة الداعية لتليين
الموقف الكوردي، بغية
تجنيب المدينة والمنطقة
عواقب وخيمة، ومنها، ما
كتبه
نائب مدير برنامج الشرق
الأوسط وشمال أفريقيا في
مجموعة الأزمات الدولية،
ومقرُّها بروكسيل،
جوست هيتلرمان، في جريدة
الحياة اللندنية يوم
22/5/2007، تحت عنوان:"
كركوك والأكراد أمام خيار
صعب"، ذاكراً:" أمام
الأكراد خياران: إن
أرادوا الاستقلال السياسي
فعليهم المجاهرة
برغبتهم...في هذه الحالة،
لن يسمح لهم العراقيون من
غير الأكراد والدول
المجاورة بإلحاق كركوك
بمنطقتهم. أما إذا قبل
الأكراد الحل الفيديرالي،
فيتعين عليهم التعايش
والتوصل إلى تسويات ربما
يكون بعضها مؤلماً. وفي
هذه الحال سيتوجب عليهم
تقاسم كركوك مع غيرهم،
وتوزيع المناصب الإدارية
والنفوذ. عندها، سيحق
للأكراد المطالبة بضمانات
أمنية دولية حرصاً على
عدم تكرار مآسي الماضي"،
وسط ما سلف ذكره،
تستميت القيادة الكوردية
في كوردستان العراق،
ومعها النخب السياسية
والثقافية الكوردية في كل
مكان، في التركيز على
ضرورة عدم التخلي عن
تطبيق المادة 140،
واعتبار ذلك "خيانة"،
وإطلاق تهديدات بالانسحاب
من العملية السياسية
العراقية، في حال تأجيل
أو تعطيل هذه المادة.
والسؤال المطروح هنا: على
ماذا يعوِّل الأكراد في
هذا التحدِّي الكبير،
بخاصة مع تزايد تهديدات
الدول الإقليمية، وفي
مقدِّمها تركيا..؟!.
وبعيداً عن الكلام
الإنشائي، إن كان التعويل
على الدستور، وأن أكثر من
80 بالمئة من العراقيين
صوَّتوا عليه، فهذا لن
يردأ كوردستان العراق من
المخاطر المحدقة بها. وإن
كان التعويل على
الأمريكيين، فهذا التعويل
هشّ، لجملة من الأسباب:
1.
لن يضحي الأمريكي بمصالحه
مع الأتراك ودول الخليج
الرافضة لأي كيان كوردي،
والداعمة للتيار السني
الرافض أصلاً للفيدرالية،
فما بالكم ضم كركوك
للكيان الكوردي، نزولاً
عند رغبة الأكراد.
2.
محاولة الأمريكيين تخفيف
العبء عن مشروعهم في
العراق، الذي يتلقَّى
ضربات قاصمة من قبل الدول
الإقليمية، عبر عدم إثارة
هذه الدول، فيما يتعلق
بدعم الطموح الكوردي إلى
ما لا نهاية.
3.
التوجه الأمريكي غير
المعلن للالتزام بتوصيات
تقرير "بيكر _ هامليتون"،
عبر زيارة نانسي بيلوسي
لدمشق، والمفاوضات
الأمريكية _ الإيرانية في
العراق، وما خفي كان
أعظم. فزيارة بيلوسي لم
تكن شخصية أو بداعي
السياحة، بل تنطوي على
دلالات مهمة، كما أن بدء
المفاوضات الأمريكية _
الإيرانية، هي نقلة نوعية
في تاريخ العلاقة بين
"العدوين"، ينبغي للساسة
الكورد، التمعُّن في
قراءتها، وما قد تفرزه
مستقبلاً، ناهيكم عن أن
العلاقة التركية _
الأمريكية لن تبقى على
فتورها. فالأتراك بدأوا
يحاولون استرضاء
الأمريكيين، عبر التلويح
في "إمكانية مشاركة الجيش
التركي في الحرب على
الإرهاب في أفغانستان، في
حال لو التزم الأمريكيون
بسمؤولياتهم في العراق"،
وهذا ما صرَّح به مؤخراً
رئيس الحكومة التركية رجب
طيب أردوغان، في إشارة
منه، للجم الطموح الكوردي
عراقياً، والسماح للجيش
التركي لاجتياح كوردستان
العراق.
على ضوء ما تقدَّم، إن
الإصرار على تطبيق المادة
140 من الدستور، قد يدخل
كوردستان في شبكة معقَّدة
من المخاطر، قد تودي بهذه
التجربة، ويعود النضال
الكوردي في العراق للمربع
الأول. ويمكن هنا تطبيق
الشق المتعلق بإعادة
المرحلَّين الكورد إلى
ديارهم، وإيجاد حل توافقي
مؤقت لهذه المسألة، وترك
الباقي للمستقبل، الذي
بالتأكيد سينفتح على
تحقيقه. لأن واقع الحال
في تركيا، لن يبقى هكذا
معادياً للحقوق الكوردية،
تحت ضغط الاستحقاق
الأوروبي، فلا مناص أمام
هذا البلد إلا "الحل
الفيدرالي"، كما أشار
إليه الرئيس التركي
الأسبق، وقائد الانقلاب
العسكري سنة 1980 كنعان
إيفرين. كما أن الأمور في
سوريا، لن تبقى حالها،
ولا بدَّ من انفراج
سياسي، حتى يبقى النظام
محافظاً على تركيبته.
ونفس الأمر، ينطبق على
إيران. وتالياً، إن
التصلُّب في الموقف
الكوردي في تطبيق المادة
140 كاملة، قد ينسف ما
حققه الكورد من مكاسب.
وعليه، تبقى المطالبة بضم
كركوك للإقليم الكوردي
قائمة، مع توخِّي المرونة
السياسية، في انتظار
الظرف السياسي الإقليمي
المتفهِّم للحقوق
الكوردية. فلا ضير أن
يبدي الكورد مرونة، وفق
مبدأ "خطوة للوراء،
خطوتين للأمام"، ريثما
تنضج الظروف، وهي ليست
ببعيدة. فالظرف السياسي
الذي أتاح للكورد رفع سقف
مطالبهم من الحكم الذاتي
للفيدرالية، هو نفسه الذي
سيهيّئ المناخ لضم
"الجزء" لـ"الكل"، كي لا
يخسر الكورد "الكل"، عبر
السعي الخاطئ للحصول على
"الجزء".
|