|
منذ نصف قرن، والحراك
السياسي الكردي في سورية،
في شقاق وتناسل مخزٍ،
وتفقيص لأحزابٍ، بعضها،
لا يستوفي استحقاق إطلاق
اسم الحزب عليه، لجهة
انتفاء البنية التنظيمية،
وحضور الخواء الفكري
لديه. منذ نصف قرن، ولم
ينجز هذا الحراك وطنيَّاً
وقوميَّاً وثقافيَّاً، ما
ينبغي أن ينجزه معشر من
البشر المتآلفين حول فكرة
ما، متَّفقين على اعتبار
أنفسهم نخبةً تدافع عن
مصالح شعب أو طبقة أو
شريحة أو فئة اجتماعيَّة
أو دينيَّة أو أثنيَّة،
بذلت جهداً، أنتج تراكماً
سياسيَّاً او ثقافيَّاً
أو معرفيَّاً، يمكن
الإشارة إليه البنان،
وبه، يمكن تمريق مهازل
هذا الحراك، بشافعة
التراكم والزخم الثقافي
المفترض، الذي تركه. منذ
نصف قرن، ولم تطرح الحركة
الكرديَّة في سورية هذا
السؤال على نفسها: لماذا
نبتت كل الأسماء
الثقافيَّة الكرديَّة
السوريَّة الهامة، والتي
لها صيتها سوريَّاً
وعالميَّاً، خارج
مناخاتها؟.
بعد عودتي من احتفالات
نوروز، وكان بصحبتي بعض
الأصدقاء الأوروبيين،
وعرفاناً منِّي لدماء
شهداء نوروز، وإجلال لهذا
العيد القومي، الذي يعتبر
من أبرز معالم ودلالات
وبراهين وجودي ككرديّ،
وكشعب وكأمَّة وكثقافة
وكأحاسيس ومشاعر، قررت
الاتجاه نحو بعض التفكُّر
والتبصُّر فيما ذهب إلى
معشر الأحزاب الكرديَّة،
فوجدت أن أولى خطوات
الاقتصاص من القتلة، هو
محاسبة هذه الأحزاب
الخردة، فأطلقت ندائي
الذي حمل عنوان: "قاطعوا
الأحزاب الكرديَّة في
سورية". ولم يأتِ هذا
الموقف، منسجماً مع بعض
الأشخاص الحزبيين الأشاوس
الميامين، الغيارى على
الإجماع الكردي السوري،
وحقوق ومصالح شعبنا
الكردي في سورية، وأخصُّ
بالذكر: شخصاً، ينسب نفسه
لـ"النخبة المثقَّفة"،
ويزاول الكتابة
الصحفيَّة، وينتمي لـ"حزب
الوحدة الديمقراطي الكردي
في سورية / يكيتي".
كتب لي هذا الشخص، عبر
البريد الالكتروني: "كاكا
هوشنك المحترم... ما معنى
مقالتك في روزافا
نت...؟". فحين ردَّيت
عليه قائلاً: "متى أصبح
أهل منطقة (....) يتكلمون
بلهجة ولكنة أهل
السليمانية... مقالي واضح
ولا يقبل اللبس... ولن
اعيد وأشرح... وما قصدته
هو ما فهمته تماماً....
ومن حقَّك الترافع عن
حزبك، وإثبات أنني كنت
على خطأ فيما ذهبت
إليه.... مع التحية".
وحال وصول هذا الخطاب
إليه، لم يتملك الصحفي
"المحترف" نفسه، وأعلن
انفجاره عليَّ، بسيل من
الإهانات، أوردها
حرفيَّاً، ودون تصحيح:
"هوشنك/
انا اكبر من تقوم بتشرح
لي المقال
ولا احتاج ان تتفلسف
/لانك
شاطر
شعارات
وانا شخص موضوعي ولا اوزن
نفسي بموازاة القنابل
الصوتية/
ولا تظن عشر
مقالات في الحياة ولا
نعرف سر وكيفية النشر صرت
كاتبا محترما/
ولا النوافذ
/النهار
دائما خواتمه الليل...".
وحين ردَّيت عليه، واضعاً
أمامه المرأة كي يرى حجمه
الحقيقي، وأورام "الأنا"
المتكاثرة كالفطور على
نفسيَّته، وتذكيره، كيف
كان يتطفَّل على مكتب
مجلتنا "سورغول"، بكامل
تملُّقه وريفيته مثيراً
النكد والكآبة والسأم...،
وكيف أن الشباب في
المجلة، قدَّموا له العون
والمساعدة، حتى أكثر من
حزبه العتيد. فازداد
"المثقف الكرديُّ
الحزبيُّ" المخلص
ثوراناً، صابَّاً جامَّ
حممه عليَّ. حينئذ، قلت:
فعلاً، رحمَ الله من قال:
"اتّقِ شرَّ من أحسنت
إليه". كم يليق بهذا
المحامي البائس الترافع
عن هذه الحركة البائسة.
كما توقَّعت، بادر أحد
الأحزاب الموقعين على ذلك
البيان المشؤوم المشبوه
بالتراجع، وأبدى اعتذاراً
ضمنيَّاً على ما اقترفه،
بعد أن كان زعيمه، من
طهاة قرار "الحداد"،
والمدافعين عنه، حسب ما
وصلني من تسريبات قيادات
كرديَّة لي، أثناء
مساءلتهم. هذا الاعتذار،
كان سيكتسب درجة الشجاعة
والحسّ القومي والوطني
بفداحة الخطيئة المرتكبة
بحق كرد سورية وشهداء
نورور، وحق نوروز...الخ،
لو كان اعتذاراً صريحاً
جهوراً، يشفع له ارتداده
عن خطيئته، لكن، لم
يفعلها هذا الحزب،
المعروف عنه رادكاليته!.
في حين، اكتفت بعض
القيادات الأخرى، بمحاولة
تبرير هذا القرار لدى
قواعدها، بما معناه: إنه
تحفَّظ عليه، ولم يكن
راضياً، أو أبدى
تململاً...الخ، لكنه في
النهاية، ذيَّل بيان
"إطلاق الرصاص على شهداء
نوروز"، حسب وصف الاستاذ
العزيز بشَّار العيسى،
باسم حزبه، دون وازع من
ضمير، أو أن يرفَّ له
جفن.
المتمعِّن في نبرة خطاب
بيان الحركة الكرديَّة
ذاك، وهذا ما أوحيت إليه
في مقالتي: "قاطعوا
الحركة..."، يخلص لنتيجة
مؤدَّاها: إن دباجة
البيان كانت تصعيديَّة،
لجهة الاتهام المباشر
للسلطة السوريَّة، وأن
هذه الجريمة قتل عمد،
يراد بها كذا وكذا، وأنها
إرهاب، واستكمال لسلسة
المؤامرة...الخ، ما يشابه
دباجة بيانات حزبي يكيتي
وآزادي الكرديين في
سورية. والقارئ لنصِّ
البيان، يخيَّل له، أن
الموقِّعين عليه، سيقيمون
الدنيا، ولا يقعدونها،
شجباً واحتجاجاً على
القتلة ومن يقف وراءهم.
لكن، الخاتمة، والقرار،
كان "تقدمي" الهوى
والمزاج والأمر. يعني، إن
الحركة الكرديَّة، أجمعت
على الإدانة والنبرة
الحادة واللغة
التصعيديَّة، لكن، أن
يبقى الناس في بيوتهم.
اصرخوا، واشجبوا، ودينوا،
ونددوا، واستنكروا...،
لكن في بيوتكم، ولا تؤذوا
عيون القتلة، برؤيتهم
لكم، وأنتم تسيلون ألوفاً
نحو ميادين نوروز، وفاءاً
وعهداً على استكمال رقصة
زينة شباب مدينة العشق في
عيدهم القومي، الذي قضوا
في سلبيه. تلك الرقصة،
التي نحرت في قامشلو،
ونكَّلت أحزابنا
الكرديَّة بها، عبر
قرارها "الشجاع والحكيم
والمسؤول..." بالحداد على
الراقصين الشجعان.
فعلاً، يحقُّ لبعض
محازبي الحركة الكرديَّة،
إن يصنِّفوا هذا البيان
وقراراه، بالإنجاز
والمكتسب التاريخي، على
اعتباره "إجماع"، وياله
من إجماع!؟. أحدهم كتب
مدحاً في هذا القرار،
واصفاً إياه بـ"الحكيم"،
دون أن يشرح لنا وجه
الحكمة الكامنة فيه.
ولعله نسي إرفاق كلمة
"شجاع" بنعته للقرار، حتى
يستكمل الدباجة البعثية
التي طالما تصف قرار
النظام بـ"الحكيم
والشجاع"، في وصفه لقرار
الحركة الكرديَّة!.
في مقال كتبته يوم
11/3/2008، حول انتفاضة
قامشلو، حمل عنوان: "ماذا
تبقى من انتفاضة 12 آذار
الكرديَّة في سورية"،
انتهيت لنتيجة مفادها: إن
هذه الانتفاضة، كان ينبغي
أن تكون على الحركة
الكرديَّة المترهِّلة.
ولم يمضِ عشرة أيام، حتى
أثبت هذه الحركة الوقورة
المحترمة، ما ذهبت إليه،
بإصدار ذلك البيان. ليس
هذا وحسب، بل أن بعض
الأحزاب، وبغية وضع قرار
الحداد حيز التنفيذ، بدأت
بحملة واسعة من الاتصالات
والإرشادات والتوجيهات
عبر الهواتف الأرضيَّة
والنقَّالة، لإقناع الناس
بعدم الذهاب لميادين
الاحتفال. وشكَّل بعض
الأحزاب، دوريات على
الطرق المؤدِّية لتك
الميادين، تحاول إعادة
الناس إلى بيوتها، نيابة
عن الأمن السوري!. وبذا،
عرَّت هذه الأحزاب نفسها،
حين لجأت إلى الإجبار
والإلزام، وصولاً لتقليل
الكتل الجماهيريَّة
المحتفلة بنوروزها
وشهدائها. وفشلت في ذلك،
وتدفَّقت مئات الألوف لتك
الاحتفالات، وشيَّع عشرات
الألوف في قامشلو شهداءهم
الغوالي. وبدأ تذمُّر
وتململ هذه الأحزاب من
مظاهر التشييع، لجهة حمل
رايات حزب العمال
الكردستاني والاتحاد
الديمقراطي وصور أوجلان،
واتهام جماهير هذين
الحزبين باستثمار التشييع
لأغراض حزبيَّة. في حين،
كان بإمكان هذه الأحزاب
أيضاً حمل راياتها، وهي
رايات كرديَّة ولا شكّ.
لكن شاءوا أن تكون
الجنازة دون رايات، كي
"تضيع الطاسة"، ويبدو
الحشد العظيم منسوباً
لحزبٍ صغير، لا يمكن أن
يملأ أعضائه حفلة ركَّاب.
وخاب أملهم، ولم "تضيع
الطاسة"، وبانت هويَّة
المشيعين السياسيَّة بتلك
الصور والرايات.
في رفض غالبية قواعد
الأحزاب الكرديَّة قرار
الحداد، رسالة عصيان،
ينبغي أن تقرأها النخب
الثقافيَّة على أقل
تقدير. والشارع الكردي،
بدى أكثر شجاعة من نخبه
التي بدأت الكشف عن مظاهر
الرفض، بعد النوزور
بعدَّة أيام، بانتظار ما
قد يظهر من أطراف الحركة،
وما سيتمخَّض عنه هذا
الإجماع العتيد المنتظر.
لجأ البعض من أعضاء هذه
الأحزاب إلى الإنشاد
والإنشاء والشعر، ونأت
بنفسها عن المواقف
الجريئة التي قد تضع
حزبيتها أو مسؤوليَّتها
الحزبيَّة تحت طائلة
المحاسبة. في حين، تجاسر
نفر قليل جداً من
الحزبيين، تحت ضغط الشعور
بالمسؤوليَّة، للكتابة،
وانتقاد الأحزاب
الكرديَّة وقرارها، حتى
ولو كان متأخِّراً.
وأخصُّ بالذكر، الأستاذ
والصديق العزيز روني علي،
فيما كتبه، تحت عنوان:
"الحزب الكردي حينما
يقرر..". وللإنصاف، إن
هذا القلم، ورغم الاختلاف
في بعض النقاط معه، هو
أفضل من قرأت له في حزب
آزادي. حيث ختم الأستاذ
العزيز مقاله بالقول:
"فما علينا نحن الذين
ننحاز إلى جانب الصمت
والسكوت حيال ما تقدم
عليها الحركة، إلا أن
نتوجه إليها لنقول لها؛
قلوبنا معك، ولكن بخجل."
وهذه العبارة، قد تكون
عتبة لنقاشٍ، طال أمدُ
تجنِّبه وتحاشيه، وهو:
إلى متى يبقى المثقف
الكرديّ ساكتاً عن
العطالة والعطب والفشل
والترهُّل المعشِّشِ في
الجسم السياسي الكردي
السوري؟. لماذا يكون قلب
مثقفنا مع حركة، كلَّلت
مسيرة نصف قرن من مشوارها
بخطأ قاتل، وخطيئة قاتلة،
تبيح للقتلة معاود القتل،
وتجعل من الحداد مسلكاً
سياسيَّاً معتاداً عليه؟.
إن كان قلب مثقفنا الكردي
مع الحركة الكرديَّة، وهي
في أردأ أحوالها، فمع من
يقف عقله؟. على ماذا
يعوِّل المثقف الكردي،
حين يرى قواه السياسيَّة
تنجرف كالقطيع لمشيئة
شيخها الثمانينيّ، العريق
في فنِّ تمييع الحراك
الكردي السوري، بداعي
العقلنة والممكن...الخ؟.
متى سيرتقي المثقف لمستوى
التحدي الخطير الذي تمثله
عطالة الحركة الكرديَّة،
وتأثيرها السلبي على مجمل
تفاصيل القضيَّة
الكرديَّة في سورية؟. ما
هي حصَّة المثقف الكردي
في العجز والعطب السياسي
المزمن في الحركة
الكرديَّة؟. إلى متى
سيبقى المثقف الكردي
"منحازاً للصمت والسكوت"،
بتعبير روني علي؟، وإلا
يعني الانحياز للصمت
والسكوت، شراكة فاعلة
فيما جرى ويجري وسيجري من
تدهور وانحدار في الأداء
السياسي الكردي السوري؟.
والخشية، كل الخشية، إن
يكون منشأ التخاذل
السياسي الكردي في سورية،
هو التخاذل الثقافي في
قضية المساءلة والمحاسبة
التي يفترض أن يجريها
المثقف للحركة الكرديَّة،
على اعتبار الأول نبض
وضمير ووعي الشعب،
والثانيَّة، هي أداته، لا
العكس؟.
|