|
مُطلاًّ على سحيق الزَّمن
الدَّامس، مُحتفياً
بحواشي الصَّيفِ، آناءَ
نفضهِ نتفَ السَّحاب
عنها، ونثرهِ لأقاويل
التِّين والعنب في مهبِّ
الخريف الباكر، كُنتَ
تُشغلُ خيالَ الوقتِ
الشَّرسِ، بغزيرِ صمتِكَ
المندلقِ من غميقِ عُلاه،
صوبَ أخاديدِ السُّؤال..
الآنْ، ومداخلُ شتائكَ،
تُقصفُ بسعيرٍ قاتم، هل
تتراءى لكَ جحافلُ
الإسكندرِ المزدانةِ
ببهرجات الموت على
تخومِكَ، وأنتَ تسرُدُ
سيَرَ العابرينَ بِكَ،
على أحفادِ النَّار
اللائذينَ بكَ معبراً
لوطنٍ تناهبته الحدودُ
القاتلةُ؟.
ألا زالتْ هذه الوديانُ
الرَّعناءِ الغائلةِ،
تُثيرُ ذاكرةَ صليلِ
سيوفِ الأكاسرةِ
والقياصرةِ والسَّلاطينِ
والأمراء، في تطاحن
"الفتوح"، كلَّما نأيتَ
الفجرَ عن جيفة الصَّمتِ
المتآمر؟.
أيا قنديلُ؛ يا انعطافةَ
زاغروسَ على مكمنِ الأبد،
مُذْ خاتلهُ الغيبُ،
غارباً في أوجاع
الكُردِ..
نواصيكَ، نواصي الأغاني
التي تُنشدُ الموت،
وسفوحكَ، مدوَّناتُ
الطَّيرِ، ومشاجراتُ
الوردِ، ومدائحُ الحجر،
وهجائياتُ التُّرابِ
للتُّراب، ومخاصماتُ
الكلام، وأحاجي النَّحل،
وحشرجاتُ النسائم، وفخاخُ
الضَّوءِ، ومراثي الدَّم،
ومناسكُ الاعتراكِ،
وصولاتُ الأزل، فمنْ أينَ
آتيك... قلْ: من أينَ؟.
أمِنْ حيثُ غاردَكَ
الشَّرقُ النَّخَّاسُ،
حينَ هممتَ بالعزفِ
المنفردِ على آلامِ
قاطنيكَ منْ آل الويلاتِ
أقدارهم، الحروبِ
أعمارهم، الأوجاع
أسفارهم؟ أمْ مِنْ حيثُ
داهمكَ الليلُ الصَّقيعُ،
منهالاً على طبائعكَ
الكرديَّةَ، بما جادَ به
الزَّيفُ الغازي من سقيمِ
الوهمِ، وفظيعِ العزم
الآفك؟.
هل آتيكَ، كَمَنْ فاضت به
الأمكنةُ حزناً، فعافهُ
الوجودُ، وتناستهُ
الأزمنة؟، أم كرعشةِ
شهيدٍ اشتهاكَ لحداً
مطلاًّ على وطنٍ تتقاذفه
الألحان، وتهفُّ لهُ
القصائدُ المتقاطرةُ على
حتفها؟.
هل آتيكَ مجلجلاً بأشعار
"جكرخوين"، أمْ متدثِّراً
بقصائدِ "الجزيري"؟.
الليلُ غريمكَ، ما دامَ
ملاذاً لذئابِ الرَّماد.
الليلُ نديمُكَ، ما دامَ
ساترَ الأيائلِ والغزلان
عن قنصِ الحديد.
تلاميذُ المطر، منهمكونَ
في تلقينِ خصالِ الشَّجر
للبشر، ومنشغلونَ في
تفسيرِ رؤى الينابيعِ،
وفكِّ ألغازِ الأُنهر، كي
يقنعوا الشَّمسَ أنَّى
هذه الأرض، لتشتهي
الكُردَ أحراراً، وأحفادُ
المغول، منهمكونَ في
قصفهم لكَ؟.
تلاميذُ المطر، يخطُّونَ
على خيالِ الثَّلجِ ما
أملى عليهم دمهم، حالفين:
وجبالنا، ورافعها، إنَّا
سيلُ الزَّهرِ والهديلِ،
إنْ بُدِلْنا الوِدَّ،
وإنَّا فيضُ العصفِ
الأحمرِ، إنْ حُصِرْنا
بالدَّاكن الخانق.
هذي الجبال، وجوهنا،
هاماتنا، ذاكرتنا،
أسماؤنا، معابرنا إلينا،
أمسنا وغدنا، ونحن روحها،
وإنَّا لصهيلها وهديلها،
فما عساها فاعلةً تلك
الحِممُ الزَّقومُ التي
تقذفها أفواهكمُ
الدَّاعرة صوبنا، يا
عرايا الدَّجل ومطايا
الأباطيل؟.
إنَّا كروبُ الأمسِ
الغامق، والكنوزُ التي
تناسلتها المجازر، ماضونَ
في ردِّ المحوِ عن
أنفسنا، عازمونَ على
إنقاذكم من غِيّكم،
وغسلكم من أحقادكم، أمَّا
أنتم، فمُنقادونَ بالغدرِ
للغدر، تعلنونها خراباً
أواراً على رؤوسنا!؟.
ارهبوا ما استطعتم من
صغائرِ البشرِ، فمآلُ
الشَّرِّ ابتلاعُ صاحبه.
عيثوا خداعاً بارتداءِ
التُّقى جلابيباً وعمائم،
واقتناءَ المدنيَّةِ
ربطاتِ عنقٍ ومعاطف،
وطوفوا بفائحِ الموتِ على
أضرحةِ ضمائرِ هذا
الزَّمن الوحش الفاسق،
ومرِّغوا أعرافَ الإنسانِ
في سافلِ كُرهكم لنا،
وسوحوا فينا قتلاً، فنحن
باقون ها هنا، ما بقيتْ
جبالنا ها هنا.
هنا، الشُّروقُ الدَّفينُ
في سجايا المكانِ،
والغروبُ الغارقُ في
دماءِ الأغاني.
هنا، الخرافةُ تئنُّ من
فرط آلامِ الكُرد، وشاسعِ
جراحهم.
هنا، الحزنُ القدُّوسُ
يدوِّن سيَرَ الثَّوراتِ
العابرة، والثَّوراتِ
الحائرة، والثَّوراتِ
الحالمة، والثَّوراتِ
الغائمة، والثَّوراتِ
النَّاهضة، والثَّوراتِ
الرَّابضة، والثَّوراتِ
الدَّائمة.
هنا، صنيعُ ارتجالات
الآلهة، وقرائنها على
إنها آلهة.
هنا، متاحفُ الشُّهداء،
ومكاتبُ الجنّ، ومسارحُ
ومعابرُ الملائكة.
هنا، مَعْرَجُ النجوم
ومهبط النيازك.
هنا، تتحاورُ الأنهار
وتواريخها، يتحالف
الشَّكُّ واليقينُ،
وتتبارى الحقائقُ
والأباطيل، تتناسخُ
مواويل الورد، ويفورُ
غناءُ الطَّيرِ روائحاً
تقودُ الموتى إلى النَّدم
على أنهم موتى، فلن
تفلحوا في قتلِ هنا، ما
دمنا نسري فيه روحاً
وذاكرة تتَّقد، كلَّما
اشتدَّ قصفكم لنا.
أيا جبال قنديل...
يا ومضةَ العشقِ الآبدة،
كيف تاهت عنكَ عينُ
الأبد، وصِرْتَ ضالَّة
الحروب؟.
سقوطكَ سقوطُ الأزل.
هدهِدْ أحفادَ الشَّمس
والنَّارِ، فقد طالَ
السَّهرُ بأعمارهم
الرَّيَّانة الطّّريَّة،
وأبْعِدهم عن الأعينِ
التي تسيلُ عواءً ورصاص،
ليستيقظوا على كردستانهم
التي حُرِموا من رؤيتها
إلاَّ في الأغاني.
دمشق 24/12/2007.
|