|
دعاني
الزميل العزيز، الأستاذ
عادل محمود، الكاتب
والصحفي في جريدة "العرب
اليوم" الأردنيَّة،
المشاركة في محاورة رئيس
مركز المعطيات
الاستراتيجيَّة، والأستاذ
في كليَّة الفلسفة بجامعة
دمشق، الدكتور عماد فوزي
الشعيبي، ضمن صفحة "ضيف
تحت المجهر". فأرسلت
مساهمتي شاكراً الدعوى
والضيف معاً، وهذا نصَّها
الحرفي: (الأستاذ الدكتور
الشعيبي: قبل أربعة
أعوام، كنتَ تدافع عن
مسلك القبضة الأمنيَّة
التي حصدت بوحشيَّة أرواح
أكثر من 25 كردي سوري
"وفق التقديرات
الرسميَّة" في شمال
سورية، بداعي الحفاظ على
هيبة الدولة... فمتى كانت
هيبة الدولة تُبتنى على
أشلاء أبنائها؟. وماذا
تقول عن مقتل ثلاثة شباب
سوريين برصاص الأمن، ليلة
عيد النوروز مؤخَّراً؟.
هل حفاظاً عن هيبة الدولة
أيضاً؟. متى ستنتقل سورية
من الدولة الأمنيَّة إلى
الدولة الآمنة؟. تتحدثون
كثيراً عن المحافظين
الجدد وبشاعتهم، وهذا
كلام حقّ، فإلى متى
ستدفعون بالمجتمعات
العربيَّة إلى خيار
الاستبداد القومي
والوطني، كيما تنجرَّ
للفوضى الخلاَّقة؟. بعد
أربعة عقود ونصف، ألم
يتحوَّل النظام الطارئ في
سورية إلى نظام آبد؟ ألم
تتحوَّل الأحكام
العرفيَّة وسلطة الأمن،
وثقافة العصا لمن عصا، هي
بوصلة الحياة السياسيَّة
في سورية؟. في 8/3/2008،
احتفل السوريون بمرور
أربعة عقود على حالة
الطوارئ والأحكام
العرفيَّة، هل يعي
الأستاذ الشعيبي مدى
التلف والعطب والعطالة
الحاصلة في المجتمع
السوري الذي ابتلعته
الدولة، والدولة التي
ابتلعها الحزب، والحزب
الذي ابتلعته الطائفة...،
إلى أن بات السوريُّ
يتأمَّل وطنه وكيف صار
بقايا مجتمع وأنقاض
دولة؟. حين يستسهل
ويسترخص رجل الأمن قتل
المواطن الكرديّ السوريّ
بدم بارد، وحين يبقى
الأكراد المجردين من
الجنسيَّة خلف شظايا
الوعود، وحين تخلو
المنطقة الشماليَّة، وهي
قلب الاقتصاد السوري،
"نفط، حبوب، قطن،
زيتون..." من مشاريع
تنموية حقيقيَّة، تُوقف
سيل الهجرة من هناك نحو
المدن الداخليَّة، بحثاً
عن الخبز، وحين يبقى
الكرديُّ محروماً من
جمعية اجتماعيَّة أسوة
بالشريك العربي والسرياني
والشركسي... في الوطن،
وحين تبقى اللغة
الكرديَّة ممنوعة، وغير
مسموحٍ بها طبعاً ونشراً،
وحين تُغيَّر أسماء القرى
الكرديَّة إلى عربيَّة،
وحين يستمرُّ انفتاح
السجون على نزلاء جدد،
غالبيتهم أكراد، وحين
يكون الكرديُّ السوريُّ
مشروع قتيل أو جريح أو
معتقل... وحين...
وحين...الخ، حينئذ، ماذا
يكون قد تبَّقى من الوطن
في وجدان المواطن؟. ماذا
يعني لك وجود عارف دليلة
مريضاً سجيناً؟. ماذا
يعني لك وجود ميشال كيلو،
أنور وأكرم البنّي...، في
السجون القوميَّة
والوطنيَّة؟. هل هو ضربٌ
من الممانعة والمقاومة
للمشروع الأمريكي؟. كيف
لمدينة تنعم بمغانم حالة
الطوارئ والأحكام
العرفيَّة، أن تكون عاصمة
للثقافة؟. حين يكون لسان
حالنا، نحن السوريون،
الفساد والاستبداد، أيُّ
ممانعة ومقاومة يمكننا
التحدُّث عنها؟. هل
بمجتمعات مشلولة، وبوعي
قطيعي، وبلغة خشبيَّة،
وتنظير حلزوني، يمكننا
مقارعة العدو، وصرعه،
وتحرير الأرض المحتلَّة؟.
قوَّة إسرائيل هي في
ضعفنا. وضعفناً هو في
انتفاء الحريَّة، وانتفاء
الحريَّة منشأه
الاستبداد. وعليه،
فالخطوة الأولى نحو
التحرير تبدأ منَّا،
بالديمقراطيَّة. . وفاقد
الشيء لا يعطه يا أستاذي
العزيز).
وجاءني الردُّ بإيجاز
واقتضاب شديدين، ينمُّ عن
مداورة والتفاف وتنصُّل،
أورده هنا، حرفيَّاً، دون
حذفٍ أو حتى تصحيح:
(هوشنك أوشي وعبد الله
مشختي أعتقد أن الحوار
حول هذه القضايا يجب أن
يكون بين أهل البيت
السوري نفسه وبمسؤولية
عالية وبدون التقوّل على
أحد يدا عن ثقافة (النص
نص) أو (قالو له) ونسب
مقولات له لم يقلها أحد ،
بعد أو تناول القضايا من
زاوية واحدة فالحقيقة هي
التي نقيضها حقيقة أيضا
كما يقول أوسكار وايلد).
ظنَّ الأستاذ الفاضل،
بأنَّ السائل وكاتب تلك
وهذه السطور، ليس من أهل
البيت، بل غريباً، عديم
المسؤوليَّة، تطفَّل على
قضايا سوريَّة، التي
ينبغي أن تكون "نبشها"
ومناقشتها حصراً وحكراً
على أهليها، على اعتبارهم
أدرى بشعابها وتشعباتها،
وغيرُ السوريّ، إمَّاً
جاهل بها، أو مفتري على
حقائقها، ويريدُ أو
يبيّتُ سوءاً بسورية.
وأمَّا عن الجهل
بسوريَّة السائل، فهذا
مؤشِّر خطير على أن
الأستاذ القدير، ورئيس
مركز المعطيات
الاستراتيجيَّة، لا يقرأ
الصحف العربيَّة،
"الحياة، المستقبل"
نموذجاً، وإلا، لكان لمح
عبارة "كاتب كردي سوري"،
قد ذيَّلت عشرات المقالات
المنشورة فيها، وحملت
توقيع هوشنك أوسي!. وحتى
لو كان السائل ليس
بسوريّ، فمن حقِّه الخوض
في قضايا ومشاكل سوريَّة.
فلماذا يسمح الشعيبي
الخوض في الشأن اللبناني
والفلسطيني والعراقي...،
ولم نجد أحداً في هذه
البلدان يقول له: قف
عندك؛ هذا شأن داخلي،
حرام على غير مواطني هذا
البلد الخوض فيه!؟. ولعل
من نافل القول: إن منع
الغريب من طرق أو تناول
أو التساؤل حول مشاكل
سورية، لا يحصِّنها، ولا
يقِ الحقيقة، ويجعلها
بمنأى عن المسِّ
والتحوير، بل يتركها
حبيسة إطارٍ محدَّد، ظنَّ
واضعوه، إنه عصيٌّ عن
الكسر أو الاختراق. هكذا
تتوهَّم السلطة السوريَّة
ونخبها الأشاوس.
والسائلُ، لم يقوِّل
المساءلَ، ما لم يقله،
كما سعى الشعيبي التلميح
له. فمقابلاته وتحليلاته
عن انتفاضة 12 آذار
الكرديَّة في سورية سنة
2004، لا زالت موجودة في
أرشيف القنوات العربيَّة،
حين كانت يعزو الإفراط في
التعاطي الأمني مع
الأكراد السوريين في تلك
الأحداث، بداعي "الحفاظ
على هيبة الدولة". فهذه
قَولته، التي حاول
التهرُّب منها. وما أسهلّ
التهرَّب من الحقيقة
بنفيها، أو الهرب منها.
قد يكون لوضعي رزمةً
ثقيلةً من الأسئلة
الوطنيَّة والحساسة
والملحَّة على طاولة
الشعيبي، إرباكاً
وإحراجاً لمقامه الكريم،
وأتفهَّم أن لديه سقفاً
متاحاً للكلام، حرامٌ
عليه تجاوزه، مخافة
المساءلة "الوطنيَّة
والقوميَّة". لكن، من
يتحدَّث عن الحقيقة،
يفترض أن يكون قد هيَّأ
نفسه لتجرُّعِ مرارتها،
وأحياناً، سُمَّها. وحين
استنجد أستاذنا بمقولة
أوسكار وايلد: "الحقيقة
هي التي نقيضها حقيقة
أيضاً"، هذا
إقرارٌ صريح بأن ما
طرحتُهُ، كان حقيقة، من
جهة، وما تطرحه السلطة
ونخبها، (ومنها الشعيبي)،
هي أيضاً حقيقة، من جهة
أخرى. إذن، نحن في سورية،
أمام حقيقتين: الأولى، ما
يقوله المعارضون للراهن
السوري المتدهور والمنزلق
من سيّءٍ لأسوأ، على
الصعد كافة. والثانيَّة،
ما تقوله السلطة ونخبها
عن الراهن السوري، بأنه
يسير قُدماً، من حسنٍ
لأحسن.
حين تقول لهم: يا أخوان،
ترياقنا هو
الديموقراطيَّة، يجبنوك:
أنظر ماذا فعلت
الديموقراطيَّة في لبنان
والعراق. حين تحدَّثهم عن
جدوى استمرار حالة
الطوارئ والأحكام
العرفيَّة والمحاكم
الاستثنائيَّة، والاعتقال
السياسي...، تأتيك السلطة
ببراهينها وقرائنها عن
"ضرورة وأهميَّة"
الاستمرار في هذا الخراب
الداخلي، المسمَّى بحالة
الطوارئ والأحكام
العرفيَّة، قائلةً:
"صوناً للوطن، من الهجمات
الخارجيَّة. نحن في حالة
حرب وصراع مع الكيان
الصهيوني، ولم ننجز بعد
تحرير الأرض
المحتلَّة...الخ". وحين
يصرخ المواطن: الفساد قد
ابتلع البلد يا سادة.
تردُّ نخب السلطة: الفساد
موجود في الغرب أيضاً، في
أوروبا وأمريكا، وأرقى
الديموقراطيات. وتتجاهل،
إن الفاسد والمفسد هناك،
يحاسب، لكن في سورية
"يُعاتب"!. وحين تخبرهم
عن ضرورة طيَّ ملفِّ
الاعتقال السياسي وتبييض
السجون في سورية، يخبرونك
عن فظائع غوانتانامو وأبو
غريب!. وحين تقول لهم:
طيب، أوفوا بوعودكم
بإعادة الجنسيَّة للأكراد
المجرَّدين منها على
خلفية إحصاء 5/10/1962،
وفكُّوا أسر الحقوق
الثقافيَّة الكرديَّة في
سورية، أسوة بحقوق
السريان والأرمن
والشركس...، يخبرونك عن
مخاطر الانفصال الكردي
السوري، والنزعات
المبيَّتة عندهم، وعن
"إسرائيل ثانيَّة في شمال
العراق"، و"إسرائيل ثالثة
في كردستان تركيا، ورابعة
في كردستان إيران،
وعاشرة، يبيّتها الأكراد
في جزر القمر!. وهكذا
دواليك، في تتالي فصول
تواجه الحقيقيتين
المذكورتين في المضمار
السوري.
على ضوء ما سلف، لن يكون
من المبالغة القول: إن
التعبير المكثَّف الأصدق
عن الراهن السوري، بكلِّ
تجليَّاته واعتلاجاته، هو
حقيقة الخراب. ويتدثَّر
سدنة هذا الخراب من نخب
السلطة، المستفيدين من
استمراره، بالإشارة إلى
ما يجري في العراق ولبنان
وفلسطين، من شللٍ سياسي
ودستوري، وفلتان وترويع
وتقتيل وإرهاب...، وإن
الخراب في سورية لم يرتقِ
إلى تلك المراتب. لذا،
فليضحكُ السوريُّ في
عُبِّه، قائلاً: "أنا
سوري، آه يا نيَّالي"!.
ولتوثيق وتصديق وترسيخ
هذا الفهم في الوعي
الجمعي السوري، تلجأ هذه
النخب إلى تخريب الحقيقة،
باستنهاض اللغة
التعبويَّة الشعبويَّة
العصبويَّة إيَّاها، وحقن
المجتمع الموبوء أصلاً،
بحمولاتٍ أثقل من ذهنيَّة
المؤامرة، حتى لو اشتط
بهم الزعم لتخوين بعضٍ من
أبناء هذا الوطن، أفراداً
وجماعات، وحتى أقليَّات!.
ومن شذَّ عن هذه القاعدة
القوميَّة والوطنيَّة،
وحاول الإشارة لهذا
الدمار النفسي والمعرفي
والاجتماعي والاقتصادي
والثقافي، بفعل الفساد
والاستبداد، فإنه مدسوس
خائن، يهدف للنيل من صفاء
الأمَّة، ويوهن عزيمتها،
ويسعى لاقتطاع جزء من
تراب الوطن، وإلحاقه ببلد
أجنبي...، إلى آخره، من
هذه التهم الجاهزة
الناجزة. وتالياً، تشترك
حقيقة الخراب وخراب
الحقيقة في سلب كرامة
وحريَّة وهويَّة المواطن
السوري، باسم الوطن
والوطنيَّة. دون أن ننسى
سعي
جهابذة حقيقة الخراب
وخراب الحقيقة، سبله حتى
حقُّه في الصراخ والألم
من شدَّة القهر والذلِّ
والمهانة تحت ضربات
الفساد والاستبداد القومي
والوطني.
والحال هذه، الخشية
الكبرى، أن ينزلق الراهن
السوري بالمواطن صوب
إعادة صياغة كلمات أغنيته
التي طالما رددها عبر
الأجيال: "سورية يا
حبيبتي.. أعدتِ لي
كرامتي.. أعدتي لي
حريتي.. أعدتِ لي هويتي"،
لتكون: "سورية يا
حبيبتي.. سلبتني كرامتي..
سلبتني حريتي.. سلبتني
هويتي".
ـــــــــــــــــــ
|