|
وقتها،
ربما كان عمري 11 سنة،
كان أحد الأحزاب
الكرديَّة السوريَّة،
وتحديداً، "التقدمي
الكردي..."، يدعو أختي
لحضور ندوة بمناسبة عيد
المرأة. ولم يكن الحزب
المذكور، أو المكلَّفين
إبلاغ أختي بحضور الندوة،
يعلمون أنه ثمَّة أناساً
آخرين، من طينة سياسيَّة
أخرى، يترددون على
منزلنا. وحين علموا بذلك،
لم يخفوا انزعاجهم
وتوجَّسهم من ذلك، إذ
كانوا يحشروننا بين
عديدهم، ويظنونا من
محازبيهم. وبعدئذ،
توقَّفوا عن توجيه الدعوى
لحضور الندوات لأختي، وهي
أيضاً لم تعد تحبِّذ
حضورها. وجاء التوقف عن
توجيه الدعوى، كوننا صرنا
مثار شُبهة لديهم، وسقطنا
من عُرفِ الكردايتي، وفقَ
منطقهم الرزين والحكيم،
ومن الضروري، تجنُّب
إحضارنا لأيٍّ من
نشاطاتهم!. والآن فقط،
عرفتْ، إنهم حسننا فعلوا.
إذ جنَّبونا الاحتكاك
بهم، وتلويث طفولتنا
بخزعبلاتهم التي ما
انفكَّوا يرددونها لغاية
اللحظة، وربما سيرددونها،
حتى قيام السَّاعة.
منذ 50 سنة، ومعشر
الحركة الحزبيَّة في
سورية، تتحدث عن تحرر
المرأة، وتحتفل باليوم
العالمي للمرأة، وتدعو
بعض الشُّعراء، وأحياناً،
أنصاف وأرباع الشُّعراء
لإلقاء "إبداعاتهم"، التي
تتغَّنى بالمرأة وجمالها
ومفاتنها وغنجها...، وبعض
القصائد، كانت تدعوها
للنضال إلى جانب الرجل،
وإن تطلِّب الأمر، فإلى
حمل السلاح، والاتجاه
للجبال، وامتطاء صهوة
الموت...الخ. كل هذا، كان
يجري في الندوات التي
تقيمها الحركة الحزبيَّة
في يوم المرأة العالمي.
وبعد أن بدأ تدفق النساء
نحو جهة سياسيَّة
كردستانيَّة أخرى،
والانخراط في صفوف
النضال، وحمل البنادق،
وخوض المعارك، وصار من
النساء الكرديات السوريات
جيش من النساء المناضلات،
وسقط مئات الشهداء منهن،
والمئات منهن لا زلن
يحملن البنادق...، بعد كل
ذاك، وبعد أن أثبتت
المرأة الكرديَّة
السوريَّة نفسها،
كمناضلة، وشهيدة ومقاتلة
ومعتقلة سياسيَّة
وقياديَّة...، خارج أطر
الحركة الحزبيَّة الكردية
في سورية، بدأ ذلك النفر
من شعراء الأمس، الذين
كانوا يدعون المرأة
للنضال وحمل السلام،
يتعامون عن كل ما جرى،
وبل التهجُّم عليه،
لمجرَّد أن الحركة
الحزبيَّة الكرديَّة لم
تستسغ هذا الانقلاب
الاجتماعي النوعي الذي
قفز بالمجتمع الكردي
السوري لعقود من الزمن
إلى الأمام.
وبالعودة لعتبة هذا
المقال، وهو العنوان: ما
هو السؤال الذي لا يطرح
نفسه على الحركة
الحزبيَّة، لا من الداخل،
ولا من الخارج، ومنذ 50
سنة؟. والسؤال هو: أين
المرأة الكرديَّة السورية
في هذه الحركة؟ في مجمل
هذه الأحزاب، كم إمرأة
وصلت لمنصب عضويَّة
المكتب السياسي؟. لا
أحد!!. كم إمرأة وصلت
لعضويَّة اللجنة
المركزيَّة، لا أحد!!. قد
يقول قائل: "ديا جوان".
ومع احترامي لجهدها
النضالي والثقافي، إلا
أننا جميعاً، وقبلنا
رفاقها في الحزب العتيق،
يعون تماماً منسوب الوعي
الثقافي والسياسي لدى
الشاعرة "ديا جوان"، وإن
هذا المنسوب، لا يؤهِّلها
لهذا المنصب. ومنصبها هو
فخري، ليس إلا. ثم أن
الجميع يعلم، كيف صارت
"ديا جوان"، ديا
جوان...!. على كل حال،
لنعد إلى طرح السؤال الذي
لا يطرح نفسه على الحركة
الحزبيَّة الكرديَّة منذ
نصف قرن: كم إمرأة موجودة
في اللجان الفرعيَّة لهذه
الأحزاب... وهكذا دواليك.
لتكتشف في نهاية المطاف،
خواءاً مريباً مريعاً،
وغياباً، أو تغييباً
كبيراً للمرأة في الحراك
السياسي الكردي السوري.
ما عدى حزب واحد، هو حزب
الاتحاد الديمقراطي، الذي
لو كان من طينة الحركة
الحزبيَّة السورية، أو من
مشتقَّاتها، لكانت حاله
لا تختلف عن حال هذه
الأحزاب. فأكثير من 40
بالمئة من الجسم السياسي
لهذا الحزب، قيادةً
وقواعد، من النساء.
هذه النتيجة المخيفة في
متابعة تاريخ الحركة
الحزبيَّة السوريَّة،
وخلوّها من الفعل
النسائي، وتأثيره على
القرار السياسي، تقودنا
لسؤال آخر: طيب، لماذا؟.
والجواب ببساطة شديدة،
لأن منطق القبيلة هو
الحاكم في هذه الأحزاب،
مهما حملت تفريعات الحركة
الحزبيَّة عنوانين
علمانيَّة، قوميَّة أو
يساريَّة. ولأن حضور
المرأة في الحراك السياسي
والمدني هو معيار تطور
التعبيرات السياسيَّة
والمدنيَّة خصوصاً،
والمجتمعات عموماً، إذن،
ليس من التجنِّي القول:
إن غياب المرأة في الحركة
الحزبيَّة الكرديَّة في
سورية، مؤشِّر دامغ، ولا
يدع مجالاً للشكّ، يدلُّ
على مدى البؤس الذي
تعانيه هذه الحركة منذ 50
سنة ولغاية يومنا هذا.
|