|
لماذا اتَّجهت العشائر
السنيَّة لتشكيل "مجالس
الصحوة"، والتخندق إلى
جانب الأمريكيين لمحاربة
"القاعدة" في العراق، بعد
أن كانت متحالفة مع
"القاعدة" في مواجهة
الجيش الأمريكي؟. ولماذا
اتَّجه الزعيم الشيعي
مقتدى صد لتجميد "جيش
المهدي" عسكريَّاً،
وتحويله إلى جهة
سياسيَّة، بعد تلك
الحصيلة الدمويَّة
الكبيرة في الصراع مع
الأمريكيين والسنَّة،
والعمليَّة السياسيَّة؟.
ماذا يعني وجود أحمدي
نجاد في بغداد، (تزامناً
مع اجتياح عسكري تركي
لكردستان العراق)، بعد
قطيعة عراقيَّة _
إيرانيَّة دامت قرابة
ثلاثة عقود؟. حيثيات
ومجريات المشهد العراقي،
ألا تفضي لنتيجة مفادها:
إن توصيات تقرير بيكر _
هاملتون قد وجدت طريقها
للتنفيذ، بعد "الممانعة"
الظاهريَّة التي أبدتها
إدارة المحافظين الجدد
لها؟. والحال هذه، بدت
تقاطعات مطالب ومصالح
العشائر السنيَّة
والتيارات الشيعيَّة،
فيما يتعلَّق بكبح المادة
140 وكركوك، وعرقلة
الفيدراليَّة ومصالح
وطموحات أكراد العراق،
واضحة، لا تقبل اللبس.
يعني، إن تمديد العمل
بالمادة 140 لستة أشهر،
ووضعها في عهدة الأمم
المتحدة، كان الثمن الذي
دفعته واشنطن، من حساب
أكراد العراق، لـ"مجالس
الصحوة" و"جيش المهدي"،
ومن خلفهما، لطهران
وأنقرة. وعليه، ليس من
المجازفة القول: بأنه
ينبغي إضافة اسمين آخرين
لتقرير بيكر _ هاملتون،
لينال استحقاق ملامحه
وتطبيقاته، ويغدو: تقرير
بيكر _ هاملتون _ نجاد _
أردوغان.
في اليوم الأول للاجتياح
التركي لكردستان العراق،
21/2/2008، اتصل الرئيس
التركي عبدالله غُل
بالرئيس العراقي جلال
طالباني، داعياً إياه
لزيارة أنقرة، بعد رفض
رسمي تركي للاجتماع
بطالباني وبارزاني
كقائدين عراقيين طيلة خمس
سنوات، ووصفهم، (بما فيهم
غُل)، للزعمين الكرديين،
بـ"زعماء عشائر"، لن
تجالسهم تركيا. وفي اليوم
الثاني للاجتياح، تظاهر
أكثر من ثمانين ألف كردي
في مدينة ديار بكر، (كبرى
مدن كردستان تركيا)،
رافعين لافتة، كُتِب
عليها: "حذاري يا
طالباني.. إن كنَّا طعام
غدائهم، فستكون أنت طعام
العشاء". في إشارة منهم،
لتورُّط طالباني في مخطط
تصفية العمال الكردستاني.
كما ناشدت النائب؛ة
الكرديَّة السابقة ليلى
زانا (قضت 10 سنوات في
السجون التركيَّة)، وهي
تخطب في الجموع الكرديَّة
المحتشدة في ديار بكر:
"إن قبول طالباني دعوة
غُل ضمن هذه الظروف، هو
قبول بالذل والهوان
والخذلان. لا نعارض زيارة
طالباني إلى تركيا، لكن،
على أن يأتي مرفوع الرأس،
وتكون زيارته مدعاة
للفخر". كما صرَّح
القيادي في حزب العمال،
جميل بايك، لجريدة الحياة
يوم 10/2/2008 قائلاً:
"نأمل أن يرفض طالباني أن
يكون طريقه إلى أنقرة
معبَّداً بجثثنا". رغم ما
سلف: حلَّ الرئيس
العراقي، وزعيم الاتحاد
الوطني الكردستاني جلال
طالباني يوم 7/3/2008،
ضيفاً "عزيزاً" على
الرئيس التركي عبدالله
غُل، وليس على تركيا،
بدليل عدم موجود مراسيم
استقبال رسميَّة، كما جرت
العادة في استقبال الملوك
والرؤساء.
قبل زيارة طالباني
لأنقرة، كشفت الصحافة
والإعلام التركيين، بأنها
"أتت، تلبية لرغبة كان
يكررها دوماً، في زيارة
قبر مؤسس الجمهوريَّة
التركيَّة مصطفى كمال
أتاتورك، ووضع إكليل ورد
على ضريحه. لذا، سارع
المسؤولون الأتراك
بالتقصي والتحرِّي،
وإخبار هيئة الأركان
التركيَّة العامَّة بذلك.
وأعتبر المسؤولون عدم
ردَّ الهيئة، بأنها لا
تمانع تلبية رغبة كل من
يودُّ زيارة قبر
أتاتورك".
قبل فخامة الرئيس دعوة
عبدالله غُل، وبلاده تقصف
من قبِل تركيا، وسيادتها
تنتهك، وأراضيه تجتاح
وتستباح من قبل الجيش
التركي. قبِل أن يحلَّ
ضيفاً على الرئيس التركي،
دون مراسيم تليق بالعراق،
دون حرس شرف، دون مدافع
تطلق ترحيباً بالضيف، دون
حماية، رفض عسكر تركيا
توفيرها له، إلى جانب
رفضهم القيام بكل ما سلف.
بعد تناوله لـ"عشاء عمل"
بصحبة غُل، بدون حضور
أردوغان، ولا رئيس هيئة
الأركان التركيَّة
الجنرال ياشار بيوكآنط،
قضى فخامة رئيس العراق
جلال طالباني ليلته في
قصر "تشانكايا" الرئاسي
بأنقرة، والطائرات
والمدافع التركيَّة، لا
زالت تقصف مناطق برادوست
وحفتاتين وخواكورك
الكرديَّة العراقيَّة!.
يقول الكاتب في صحيفة
"أزاديا ولات" الصادرة في
ديار بكر، مَم ميرخان:
"من البديهي أن يكون حزب
العمال الكردستاني على
طاولة "عشاء العمل" بين
طالباني وغُل. ومن
البديهي أن تركيا ستطالبه
بالمزيد من الضغط على
العمال الكردستاني،
والمزيد من التسهيلات
السياسيَّة والاقتصاديَّة
والعسكريَّة لتركيا في
العراق، كي يُكافأ في
المرَّة القادمة، بأن
تستقبله أنقرة، وفق أصول
البروتوكول والتعامل بين
الدول. ويبدو أنه صار من
البديهي أيضاً، أن يقبل
طالباني بذلك. لسبب بسيط
جداً، وهو، إننا أكراد".
قالها ميرخان لكاتب هذه
السطور، بمرارة وحرقة،
مشيراً إلى أن التاريخ
الكردي مليء بصور الطعن
من الخلف.
وفعلها طالباني دون
تردد. وبدى ذلك في
المؤتمر الصحفي المشترك
الذي جمعه بـ"غُل"، حين
أجاب على سؤال أحد
الصحفيين بالقول: "إنه
كان يقصد بالقطعة
الكرديَّة التي رفض
تسليمها لتركيا، هي
القطَّة العراقيَّة"،
يعني، إنه يوحي للأتراك
بأنه مهيَّأ لتسليم القطط
الكرديَّة "الغريبة"
المتواجدة في كردستان
العراق، والتي ترفض
الانصياع لأجندته
وعقلانيته وبراغماتيته!.
وكرر طالباني تصريحاته
الداعية للعمال
الكردستاني لإلقاء
السلاح، أو مغادرة
كردستان العراق. في حين،
قال غُل: "تركيا لن تفتح
أبوابها، لمن يسير خلف
الإرهاب، داعماً إياه".
في إشارة منه إلى أن
طالباني قد أبى بلاءاً
حسناً في التعاون مع
الأتراك، فيما يخصُّ
محاربة العمال
الكردستاني، فاستحقَّ
"شرف" أن يكون ضيفاً
عليهم.
جلال طالباني، المناضل
والبيشمركه العتيق،
والسياسي المحنَّك، وشيخ
ساسة الأكراد، كما ينظر
إليه الكثير من النخب
الثقافيَّة والسياسيَّة
الكرديَّة، تنطوي تجربته
على منزلقات خطيرة، في
اتجاهات مختلفة، لكنها،
أيَّ المنزلقات، تشير
بشكل جلي وواضح، إنه واضع
أسس "فنّ المتاجرة
السياسيَّة" بين الأكراد.
لكن، ما لا يودُّ الأكراد
الإفصاح عنه، أو الاعتراف
به، إنه يعرض بضاعته،
(وهي قضايا أكراد البلدان
الأخرى)، على طاولة أنقرة
وطهران ودمشق، بأبخس
الأثمان.
لم تكون زيارة مدينة
ديار بكر/آمد الكرديَّة
ضمن جدول زيارة فخامة
"مام" جلال، ولا زيارة
حزب المجتمع الديموقراطي
DTP
"الكردي"، الذي يملك 21
نائب في البرلمان
التركي، وهو مقرَّب من
العمال الكردستاني،
ويمارس العمل السياسي
السلمي العلني، رغم كل
الضغوط التي يتعرَّض لها،
من قبل الحكومة والجيش
وذراعه القانونيَّة
المتمثلة بالمحكمة
الدستوريَّة العليا. وكان
في مقدمة استقبال فخامة
الرئيس، بعض المناوئين
للعمال الكردستاني من
الأكراد، الذين لا يملكون
أيَّ تأثير على مزاج
الشارع الكردي في تركيا،
كـ"شرف الدين ألجي،
وعبدالملك فرات"، وهاشم
هاشمي (نائب من أصل كردي
من حزب أردوغان)، حتى
تكتمل الجوقة السياسيَّة،
بالتئام طاقم
"العقلانيين" الكرد حول
شيخهم.
قد يقول البعض: إن
طالباني كان وسيطاً بين
أوجلان والرئيس التركي
الراحل تورغوت أوزال؟.
والجواب ببساطة: وقتها،
كان فخامة الرئيس يحمل في
جيبه جواز سفر تركي،
منحته إياه تركيا. ووقتها
أيضاً، كانت الوساطة بطلب
من أوزال، وليس أن
طالباني حاول استثمار
علاقته بالأتراك، لجهة
إيجاد منفرج سياسي للصراع
الكردي _ التركي. ووقتها
أيضاً، كان طالباني على
علاقة جيدة بأوجلان.
يجتهد البعض، باذلين
قصارى سعيهم في تبرئة
ذمَّة قائد الأركان
التركيَّة العامَّة وحزب
العدالة والتنمية وزعيم
الاتحاد الوطني
الكردستاني، فيما خصَّ
التغطية على فشل الاجتياح
التركي الأخير، وإنه لم
يكن بضغط أمريكي، وصولاً
لترقيع هزيمة الجيش
التركي، بما ينسجم
وتصريحات العسكر الأتراك
ورئيس أركانهم، وإن
الخلاف الناشب بين العسكر
والأحزاب القوميَّة
التركيَّة، مردُّه تراخي
الجيش مع سياسات العدالة
والتنمية... لكن، ينسون
أو يتناسون أو يتغافلون
عن بديهيات أسس وقواعد
العلاقة الأمريكيَّة _
التركيَّة، والجناب
العسكري منها على وجه
الخصوص، ويحاولون إيجاد
تبريرات مقنعة للسلوك
السلبي التركي مع زيارة
رئيس دولة جارة، ذات
سيادة، بينها وبين تركيا
اتفاقات، تجبر وتلزم
الأخيرة بتوخِّيها، فيما
يتعلَّق بآداب ومبادئ
العرف الدبلوماسي. لكن،
ما بات من نافل القول: إن
كان رئيس العراق، لا
يكترث بدلالات عدم
الالتزام التركي بأصول
البروتوكول بين الدول في
التعامل معه، فلما يجهد
البعض تذكير تركيا بذلك.
وقد يجوز تلخيص زيارة
طالباني لأنقرة، بأن
"المصالح فوق المشاكل"
كما اجتهد البعض، لكن
المصالح ليس فوق العرف
الدبلوماسي، والدليل على
ذلك: لو كانت تعامل
العراق مع زيارة غلُّ
لبغداد، بمثل ما تعامل
الأتراك مع زيارة
طالباني، لأشعلها الأتراك
حرباً سياسيَّة
وإعلاميَّة، معتبرين ذلك
إهانة للدولة والشعب
التركيين؟!.
كان من المفترض ألا يقبل
طالباني زيارته لتركيا
كسائح أو تاجر...، دون
مراسيم رسمية، بخاصة ضمن
هذه الظروف والاعتداءات
التركيَّة السافرة على
الأراضي والسيادة
العراقيَّة، وتدخُّلاتها
في الشأن العراقي. في
مطلق الأحوال، كان
المأمول كرديَّاً من هذه
الزيارة، أن يرتقي فخامة
الرئيس إلى مستوى فداحة
المخاطر المحدقة بالأكراد
عموماً، وفي العراق
خصوصاً. وألا يترك الحبل
الكردي على الغارب
الأمريكي _ التركي. وأن
يخلق هزَّة سياسيَّة في
تركيا، بالدعوة إلى
التحاور مع العمال
الكردستاني، بدلاً من أن
يتهم هذا الفصيل الكردي
بـ"الإرهاب"، ويطالبه
بإلقاء السلاح بشكل
مجَّاني، ودون ضمانات
دستوريَّة، نزولاً عند
رغبة الأتراك، كما جرت
العادة. ويبدو أن فخامة
الرئيس شاء أن يكون محلَّ
ثقة وأمل الأتراك والجيش
والحكومة التركيَّة،
بدلاً من أكراد؟. ورجَّح
كفَّة المصالح، وأدار
ظهره لبني جلدته، في وقت
هم الأحوج فيه إلى نصرته
ودعمه. وهذه الزيارة
ومعطياتها، وما سيتمخَّض
عنها لاحقاً، تشير أن
إدارة الظهر لمعاناة
أكراد تركيا وإيران
وسورية، هي عادة متأصَّلة
في سلوك وتجربة الـ"مام"
جلال طالباني، فلا غرابة.
|