|
بالنظر للحال
الكارثيَّة التي يعاني
الحراك السياسي الكردي في
سورية، طيلة نصف قرن،
يتبادر للذهن سؤال، يطالب
الوعي السياسي والثقافي
الكرديين للتحفُّز، بغية
إعادة النظر في الكثير من
المسلَّمات، وقراءتها من
جديد، انطلاقاً من تراكم
الخراب السياسي والمجتمعي
وحتى الثقافي الذي خلقه،
ما يسمَّى بـ"الحركة
الكرديَّة". والسؤال
السالف الذكر، هو: هل ما
جرى ويجري من فعل سياسي،
تقوم به دزِّينة
التفريخات السياسيَّة
الكرديَّة في سورية،
ينطبق عليه نعت "الحركة
الكرديَّة" أم الحركة
الحزبيَّة؟. وقد يقول
قائل: إن الأمر سيَّان،
فما جدوى السؤال؟. لكن،
شتَّان ما بينهما.
والحقُّ، إن الوصف الذي
ذهب إليه أحدهم لذلك
التراكم، ونعته إيَّاه
بـ"الحركة الحزبيَّة" هو
الأكثر مجاورة لحقيقة ما
جرى ويجري. ونظرة بسيطة
لتاريخ الحراك السياسي
الكردي في سورية، ستفضي
لهذه النتيجة. فقد كان
هذا الحراك في بدايته
كرديَّاًَ، بحيث صهر في
بوتقته كل الفعاليات
السياسيَّة والثقافيَّة
التي كانت موجودة وقتئذ،
في حزب واحد، استقطب
الجهد السياسي الكردي
المشتت في الحزب الشيوعي
وبعض الأحزاب القومية
العربيَّة، لتدوير دواليب
الحراك النضالي القومي
الكردي. بذا، استوفى هذا
الفعل، رغم شحّ التجربة،
استحقاق وصف الحركة
الكردية. لكونه، كان
جامعاً، موحِّداً، يستنهض
الآمال والطموحات
والطاقات...الخ بين
الأكراد السوريين. لكن،
سرعان ما خرج القطار
السياسي الكردي في سورية
عن سكَّته، ليتحوَّل
القطار إلى قطارين، ثم
ثلاث، وتتالت التفقيسات
ليومنا هذا، كي نرى أن
القطار الكردي سنة 1957،
بات اليوم عبارات عن
فارغونات سياسيَّة، كل
فارغون، يعتبر نفسه
قطاراً، ويلِّقن هذا
الوهم للموجودين على
متنه. وعليه، قامت هذه
الفارغونات بتبديد وتشتيت
الجهد النضالي الكردي،
وبل وضعه في دوائر
التشاحن والتطاحن
الخلَّبي. والمضحك
والمبكي في آن، إن بعض
هذه الفارغونات
"السياسيَّة"، هي فارغة،
لا تمتلك فعلاً سياسياً
نشطاً، ما عدى اسمها:
"الحزب الفلاني العلاني
الكردي في سورية"، وإصدار
البيانات، أو الاشتراك في
التوقيع عليها!. وعليه،
منذ منتصف الستينات
ولغاية اللحظة، خرج الفعل
السياسي الكردي في سورية
من صيغة الحركة الكرديَّة
لصيغ الحركات الحزبيَّة،
القائمة على الخصومات
والأنانيات الشخصيَّة
بدلاً من التباينات
الفكريَّة. وأعطت
انطباعاً وكأن الأكراد
السوريين هم من هواة طهي
وصناعة الأحزاب، وباتوا
محترفين في هذا المضمار،
وإن كان هنالك ثمَّة بلد
أو مجتمع يعاني من عجز في
ذلك، ما عليه إلاَّ أن
يبرق لأحد الأحزاب
الكرديَّة في سورية، حتى
يمدَّه بالخبرات
والكفاءات اللازمة في هذا
الحقل. وخلال أشهر، سيجد
أن الأحزاب باتت تتكاثر
في شوارعه بغزارة مرعبة.
الحال الكرديَّة
السوريَّة، أقلَّ ما يقال
فيها أنها خراب تالف لجهد
الشارع والمجتمع
الكرديين. وخلال 50 سنة،
لم يخرج الحزب الكردي
السوري من كونه إقطاع
سياسي، أو مضافة قبليَّة،
تشيد بمحاسن ومناقب
الأمين العام، أو حلقة
ذكر، يسبِّح الحاضرون
فيها بحمد
السكرتير...الخ. وليس
بخافٍ أن غالبية قادة
الأحزاب الكرديَّة لا
تجيد القراءة والكتابة
باللغة الأم، التي
يطالبون النظام بحق
تعلُّمها!. فضلاً عن
افتقار أيّ من قادة هذه
الأحزاب للكاريزما،
والطاقة الفكريَّة
التنويريَّة التغييريَّة.
ومن ناقل القول: إن
الكثير من كوادر بعض
الأحزاب، بخاصة منها
الناشطة في الحقل
الثقافي، أنها تتجاوز
بوعيها وطاقتها
المعرفيَّة، وعي وطاقة
زعيم حزبه!.
ما يبتنى على خراب، هو
خراب، آيلٌ للسقوط
والانهيار، آجلاً أم
عاجلاً. فكيف لمثقِّفٍ
ما، في حزبٍ ما، أن
يعوِّل على الخراب
السياسي، مطالباً
بالتأنِّي والتريُّث،
وعدم المواجهة مع هذا
الخراب، واعتبار مجابهة
الخراب، خراباً وتخريباً.
برأيي، إن أولى خطوات
التصالح مع الذات، هي
الاعتراف بهذه الحقيقة
المرَّة والمؤسفة.
والاعتراف بالحقيقة،
تستوجب الجرأة في
المواجهة، إيَّاً كانت
الأكلاف، حتى لو كانت على
حساب خسارة المعقد الحزبي
التي يتربَّع عليها بعض
مثقفينا الأفاضل، أو حتى
كيل الاتهمات الجاهزة،
وصف المواجهة
بـ"المهاترات
والمزايدات..." إلى آخره،
من هذه التهم الناجزة
البائسة، التي لا تخرج
إلا من أفواه أناسٍ
بؤساء، فاقدين للقرينة
والحجَّة والبراهين
الدامغة على صائبيَّة
تعويلهم على هذا الخراب.
إن التنظير الحلزوني،
والتذاكي في محاولة تبرير
التنصُّل من مواجهة
الخراب، هو أفظع من
الخراب بحدِّ ذاته.
بخاصَّة، حين يرتدي البعض
جلبابين أو معطفين في آن،
معطف السياسي، ومعطف
الثقافي.
جاءت انتفاضة 12 آذار،
ولم تتنبَّه وتتعظ وتستفد
منها الحركة الحزبيَّة!.
جاء استشهاد الشيخ معشوق
الخزنوي، ولم تتنبَّه
وتتعظ وتستفد منه الحركة
الحزبيَّة!. جاء قتل ثلاث
شباب في قامشلو عشية عيد
نوروز، ولم تتنبَّه وتتعظ
وتستفد منها الحركة
الحزبيَّة!. ازدادت حملة
الاعتقالات بين صفوف
الكرد والعرب، وازداد
منسوب الشحن القومي
العنصري في الشارع العربي
ضد الكرد، ولم تتنبَّه
وتتعظ الحركة الحزبيَّة!.
المناطق الكرديَّة تفرَّغ
من ساكنيها، والضغط
والفقر والجور يزداد بشكل
ممنهج على الكرد في
سورية، ولم تتنبَّه وتتعظ
الحركة الحزبيَّة!. ليس
هذا وحسب، بل الهدر ثم
الهدر ثم الهدر في دماء
وجهد أبناء الشعب الكردي
السوري، هول لسان حال
أداء هذه الحركة، بداعي
العقلانيَّة والتأنِّي
والتريُّث وضبط النفس،
وتجنُّب التبعات
الوخيمة...، ما يحيلنا
للقول: إن استهتار النظام
بمظالم وحقوق الشعب
الكردي في سورية، آتٍ من
تخاذل وتهاون وتشتت هذه
الحركة الحزبيَّة
المعطوبة. طيب؛ إلى متى
يستمرُّ هذا!؟. وإن بقي
مثقفونا في سعيهم الدءوب
لتبرير وترقيع هذه الحركة
الرثَّة الباليَّة، فإنهم
يشاركون في استمرار هذا
الخراب، وإعلاء صروحه،
على حساب ازدياد تدهور
معاناة شعبنا الكردي في
سورية. كان الأجدى ببعض
مثقفينا تشكيل حراك نقدي
عارم لهذا الخراب الحزبوي
البليد، والبدء بتقديم
البعض منهم لاستقالاتهم،
ممن ينتسبون لهذه الأحزاب
التعبانة، التي "أعلنت
نعيها، حين أصدرت بيان
الحداد في عيد نوروز"،
حسب قول أحد الوطنيين
الأكراد في دمشق.
وباصطفاف المثقف إلى جانب
هذا الخراب، ومحاولته
النأي بنفسه عن الخوض في
المواجهة الجريئة
والبنَّاءة والحقيقيَّة،
يكون فيها قد أعلن بيان
نعي ذاته، وصار جزءاً من
الخراب.
|