|
في آذار (مارس) من كل
عام، تحتفل شعوب كثيرة
بعيد «النوروز»، ومن
بينها
الشعب الكردي الذي يعتبر
الحادي والعشرين من آذار
عيداً قوميَّاً، فضلاً عن
كونه رأس السنة الكردية.
ولئن كانت احتفالات هذا
العيد، هي مَعْلَم مهم من
معالم الهويَّة القومية
والثقافية والاجتماعية
الكردية في آن، بخروج
الناس الى أحضان الطبيعة،
وممارسة الرقص والغناء
وإقامة الحفلات الفنية،
فإن هذا العيد كان عرضة
للقمع والمنع والحظر في
تركيا، حتى وقت قريب. ذلك
ان الدولة تعتبر الاحتفال
به خطراً على وحدة البلاد
وأمنها، وتعتبر المحتفلين
به، انفصاليين وخونة.
ولكن، بضغط من تنامي
الحراك السياسي والعسكري
الكردي، وبالتوازي مع ضغط
أوروبي، اعترفت تركيا بعد
ذلك بعيد النوروز،
واعتبرته عيداً تركياً.
ولكن شبكة التلفزيون
الرسمي «تي آر تي»، راحت
تبث مظاهر هذا العيد
واحتفالاته من خلال عرض
بعض رقصات شعوب جمهوريات
آسيا الوسطى التركية
الأصل، متجنبة بث المظاهر
الكردية من هذا العيد.
ولكن، ليس هذا بيت القصيد
الكردي. ذلك ان وجه
الخطورة يكمن في ما بثته
الفضائية الكردية «روج تي
في»، من مظاهر العنف
والإرهاب الذي مارسته قوى
الأمن التركية على
المدنيين الأكراد في
اليوم الثاني للعيد هذا
العام في مدن وان وهكاري
ويوكسكوفا وسيرت، وسواها
من المدن الكرديَّة التي
منعت فيها احتفالات عيد
النوروز، على رغم سماح
السلطات بالعيد في ديار
بكر واسطنبول. لقد أظهرت
المشاهد التي بثتها
القناة الكرديَّة، كيف
ينهال رجال الأمن بالعصي
والهراوات على النسوة
المكوَّمات على الأرض،
عدا عن تصويرها إطلاق
الأعيرة المطاطية وقنابل
الغازات المسيّلة للدموع
عليهم، ورشهم بخراطيم
المياه، وتسيير الدبابات
والعربات المدرعة في
الشوارع. وأظهرت مشهداً
لمهاجمة «الجندرمة» أحد
المنازل، وتكسير النوافذ
بالبنادق، وخلع الباب
بالركلات والصراخ، وإخراج
طفل من البيت، وسط صراخ
الأم والأخوات، ليوسعوه
ضرباً قبل ان يقتادوه الى
جهة مجهولة. أما قمَّة
البشاعة، فكانت في بث
مشهد، التف فيه ثلاثة من
عناصر الأمن، حول طفل
كردي، وهو مكمم الفم
بخرقة داميَّة، ثم محاولة
أحدهم كسر ذراع الطفل،
بدمٍ بارد، وكأنه يكسر
عوداً يابساً.
هذه التصادمات التي أوقعت
قتلى وعشرات الجرحى،
ومئات المعتقلين، نقلتها
التلفزيونات التركيَّة،
على أن قوى الأمن هي التي
تعرَّضت للضرب. كما تجنبت
هذه الشاشات بث هذه
المشاهد لأسباب معروفة،
علماً أن الصمت على جرائم
كهذه، إنما هو شراكة
فيها.
والمضحك أن الإعلام
التركي كان هاجم قبل فترة
صحيفة «واشنطن بوست»
لأنها نشرت صورة مقاتل
كردي، وهو يعطي دباً
صغيراً الحليب، عبر
رضَّاعة أطفال. وأرفقت
الصورة بتعليق، أن أمَّ
الدب الصغير، قد ماتت،
جرَّاء القصف التركي
لجبال كردستان. يومها
اعترض الإعلام التركي على
نشر هذه الصورة، بحجَّة
أنها «دعاية للإرهاب،
وتشهير بالجيش التركي»،
وطالبت الصحافة التركيَّة
بمقاطعة «واشنطن بوست»
بسبب «إساءتها» لتركيا،
عبر تلك الفعلة
الإعلاميَّة «الشنيعة».
والحال هذه، هل ثمَّة
مغالطة في القول إن
الذهنيَّة التي تقود
الإعلامي التركي، تجعل
منه مشاركاً في القمع
وربما القتل، عبر الصمت
عن الإساءات التي تمارس
في تركيا، بحق أبناء
البلد من الأكراد؟
|