Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

لحظةُ إثم...حين كان الصَّيفُ غضَّاً.

سِفرٌ كمال نجم الحافلٌ بالخطايا الرَّائعة.

هوشنك أوسي _ دمشق

 

في جديده الشِّعري الصَّادر مؤخَّراً في دمشق تحت عنوان " لحظةُ إثم...حين كان الصَّيفُ غضَّاً"، يسحل بنا الشَّاعر الكردي كمال نجم خلف جمهرةٍ من قصائده، صوب الإبهار والدَّهشة المصاغة على هيئةِ نفحاتٍ من الإيروس والرُّومانس ومغامرات الجسد وطيش الخيال وخزين الذَّاكرة، معلناً أعراس انكساراته، ناصباً مآدبَ لغوية فاخرة لفضائحه الخالبة. ففي هذه المجموعة الشِّعرية، الثَّانية له باللغة الكردية، بعد مجموعته الأولى "كزي زر" الصَّادرة عن دار "أماردا" في بيروت سنة 2003 يُحلِّق بنا كمال نجم في رحاب الإيروتيك، دون إرهاقٍ للغة، ولا إثقالِ كاهل اللحظة بترف تصويري، من شأنه تمييع الحالة الشِّعرية:

" لفرط حيائهما، لم ينمْ نهداكِ.

هي المرَّة الأولى التي تحطُّان فيها على وسادةٍ عارية.

ولحافي، أضناهُ السَّهر، لم يسبق وأن فتح صدره لأنين أنثى.

كلَّما علت موجةُ شهوتكِ

تسيلُ النجوم من نهديكِ الزجاجيين على أصابعي."

 

الحوار في القصيدة

ولأنَّ الرومانس والأيروتيك هو حوار العواطف والجسد، فقد ترجم الشَّاعر هذا الحوار شعرياً، واستفاد من النثر لدعم الشِّعرِ إلى درجة تطعيم القصائد بلمحات حوارية، هي مألفوفة في الشِّعر الكلاسيك الكردي، وقد لا تكون مألوفة في الشِّعر العربي، باستثناء المسرحيات الشِّعرية لشوقي وغيره:

" قلت لكِ: لا تتركي أصابعكِ المشاغبة، تمعن في سبرِ مغاوري.

قلتِ لي: منْ يوقِظ المارد، يعرف في أيِّ مهدٍ يهدهده."

 

حضور الكلاسيك في الحداثوي

ولا ينحصر استفادة كمال نجم من جزين الشِّعر الكلاسيك الكردي الموزون والمقفىَّ، بإدراج حوارات ضمن النصِّ الشِّعري وحسب، وبل في افتتاح النُّصوص بعناوينها مباشرة، لكن، بشكل يعيد إنتاج القديم في بناءٍ جديد للنصِّ الشِّعري. كما في قصيدة "لا توغلي في سبر المعاني" و"لا تنثري رمادي". إلى جانب حضور أفعال الأمر والنهي بشكل واضح في النّصوص، ما أضفى عليها مسحة ذكورية، دون إلغاء حضور الأنثى والتَّوق لها:

" لا توغلي في المساء، هذا النَّهار المتحامل على وهلةٍ من أمرهِ

لينهمر عليكِ شاتلاً عبَّداَ الشَّمس حولَ قامتكِ

لا توغلي في الرَّحيل، فحرقةُ البكاء في حنجرتي على وهلة..."

 

البناء الدائري أو الحلوزني للقصيدة

قصيدة كمال نجم لا ترتكز على خيال خصيب، وتنوُّع في البناء اللغوي للنَّصّ، وطزاجة الفكرة، والجرأة في كسر "التابو الشِّعري" شكلاً ومضموناً وحسب، بل إنها قصيدة نازعة نحو ابتكار وتجديد بناءها. ولعل أحد السِّمات الأبرز لنصوص كمال نجم التي تميّزها عن باقي النماذج الأخرى في الشِّعر الكردي الحديث، هو الشَّكل الدائري الحلزوني لبعض نصوصه، بحيث يزيد من مساحة الإيحاء، على حساب التقليل من الإخبار، ما يرفع من جودة النَّص وفنِّياته اللغوية التَّصويرية التي تضع القارئ ضمن عالم من المرايا العاكسة لبعضها. بمعنى، أحياناً، كيفما يبدأ كمال نجم نصَّه، هكذا ينهيه أيضاً، بحيث يبقي على القارئ أسيرَ نصَّه، بعد أن أشكل عليه الفصل بين مبتدى ومنتهى النَّص. وذلك، عبر لعبة لغوية غاية في البساطة والتَّمويه اللذيذ الصَّادم، كما في قصيدة "رأس سنة الحنطة":

"عرائسُ المطر كنَّ عذارى، يسرجنَ جيادهنَّ في مساءِ ضيعتنا.

فجراً، على ركبهنَّ، يُجنِّحنَ الضَّباب، ويطلقنَ حجلنَّ لاصطياد الهواء.

حين يرفنَ رؤوسهنَّ، تلمع نهودهنَّ كالجليد.

قيل: هنَّ بناتِ القمر...

كل عام، يحنينَ أصابعهن، يسرقنَ أساور أمهن، ويمضين للنوروز...

لكن، الذين روَّضوا الحنطة، لم يقولوا لأحد:

هنَّ عرائسُ المطر، لازلن عذارى، يسرجنَ جيادهنَّ في مساء ضيعتنا.

وغداً...سيمضين...".

 

القص والسِّيرة الذاتية في القصيدة

بديهي أن فنون النَّثر، خاصة منها الرواية، يمكن أن تتعاطى مع السِّيرة الذاتية للكاتب كمادة يتمَّ على أساسها هيكلة البناء الرِّوائي. ولأن النَّص الشِّعري قائم على الاختزال والكثيف والمهارة اللغوية التي من شأنها تفجير كمون الكلمة، وإطلاق طاقتها المولِّدة لمعاني جديدة لها، فأخطر ما قد يسيء للنَّص الشِّعري، هو الإسهاب والحشو التي تقلل من طاقة الإيحاء فيه، فيغدو مسطَّحاً، فاقداً لجودته الفنِّية كنص شعري. لكن، كمال نجم، استطاع تطويع بعض صيغ القص والسَّرد الذي قد ينطوي على بعض القفشات من السَّيرة الذاتية له، ليتواءم والنَّسيج الشِّعري للقصيدة، دون إقحام فج، يؤذي القصيدة، على العكس من ذلك، فقد تكون لهذه التَّقنية صداها المستقبلي، كنوع من التَّجريب الذي يبدو واضحاً في أشكال وعناوين قصائد كمال نجم، كما في قصيدة "تحولات":

"كان يوم ميلادي... مررت بالمرآة...

رأيته...هو ذاته، الذي قبل عام، أطفأ شمعه، ومرَّ بالمرآة من هنا.

***

قبل عام... أيضاً كان ضيعتنا هنا.

مررت من هذا الزقاق، رائحة الطين كانت تنهالُ عليَّ من البيوت.

قبل عام... أيضاً قُتلِتْ صبيَّة، والتحق شابٌ بالجبال.

كما لو كان الآن...أذكر..!!

قبل عام...أيضاً، كنتُ أكتب هذه القصَّة، وكان عنوانها تحولات

...قبل عام...".

 

الدَّهشة الوحشية السَّلسة.

كغيره من الأسماء التي سيكون لها بصمتها على الحداثة الشِّعرية الكردية، يحاول كمال نجم أن يكون له صوته الخاص، وأن لا يكون صدى أو ظل لسابقيه، منذ بداياته. فنجد قصائده تعبِّر عن انبهار الشَّاعر بعوالمه الداخلية، ضمن لغة سلسة، غاية في البساطة، تخلق عوالم وحشية عصيَّة ومنفلتة في آن. ما لا يرهق ذهن المتلقي، ويشعره بأن هذا النَّص واضح وغامض، موجَّه له وليس له في آن. كـ"رسالة في زجاجة، يتقاذفها الموج. موجهة إلى مجهول مرغوبٌ الوصول إليه، رغبةً حارة. ولكنه قد يظل، بل على الأرجح سيظل مجهولاً، ولو عُلم..."، كما يقول الشَّاعر أنسي الحاج عن قصيدة النثر.

"الأخَوان اللذان قتلا بعضهما العام الفائت، التقيا هذا العام في السُّوق.

توقهما لبعض، وفرحتهما باللقاء فاقت وطناً.

قبل أن يودِّعا بعضهما...

لغزارة الفرح، قتلا بعضهما...وافترقا...!!!".

 

وتبقى مجموعة الشَّاعر كمال نجم التي أتت في 100 صفحة من القطع المتوسط كإحدى البوصلات الشِّعرية، أو أحد نقاط العلاَّم البارزة في مسيرة الحداثة الشِّعرية الكردية، لما تخلقه من صدمة ودهشة في كيفية كسر التقليدي، ليس لمجرد الهدم، بل للقفز بالنَّص الشِّعري الكردي الحديث نحو فضاء التَّجدد والارتقاء والديمومة. ولعل الإيروس هو المناخ العام الحاضن للنصوص الذي طوى عليها مجموعته هذه، إلا أن الهم الكردي العام حاضر وبقوة في الكثير من النُّصوص،  كما في قصيدة " ملحمة بطل شجاع". لكن، الأجواء الرُّومانسية هي الطَّاغة على هذه المجموعة، يقول في قصيدة "للثلج والجليد...حين كان الصَّيف غضَّاً":

 " الآن أذكر...

كيف هفهف ثوبكِ الشَّفاف كورقة دخَّان واختفى...

ولمع جسدكِ من أواخر الصَّيف، بالملح والعتمة، كنهر فضَّة.

وطيَّر نهداكِ بالثلج والجليد ألفَ فراشةٍ من بين أصابعي.

تذكرين...كيف ارتعشت، انهرمت ماءاً أخضراً في حضنكِ، مندلقاً على حقول البابونج.

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 

 

 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE