|
|
|
|
| |
ذهنية
التخوين في التعاطي مع المسألة
الكردية عربياً...؟!.
هوشنك أوسي*
خلافاً للعمق التَّاريخي الحضاري
للأكراد في منطقة الشَّرق الأوسط،
وما له من حضور إيجابي وفاعل
ومؤثِّر ومتأثِّر_ مع باقي شعوب
المجاورة له_ في صياغة تاريخ
المنطقة، وهذا ما أكَّدت عليه
اللُّقى والتَّنقيبات والأبحاث
الأركولوجية، والدِّراسات
التَّاريخية المعاصرة، وخلافاً
لما للأكراد من إرث سياسي ثقافي
وطني حضاري كبير، أغنى ويغني
تاريخ هذه الجغرافيا المعذَّبة
والمستهدفة، لا زال الأكراد، ليس
عرضة للتَّهميش والتَّغييب
والإقصاء وحسب، وبل لعملية تشويه
ممنهجة، رامية إلى تأليب الرَّأي
العام عليه، والتَّسويق
والتَّسويغ للغبن اللاحق بهذه
القومية من قبل النُّظم الحاكمة
للدُّول التي يتوزَّع عليها
الأكراد. وفي الآونة الأخيرة،
اتسعت وتسارعت حملات التشويه التي
تطال تاريخ هذا الشَّعب، طاعنة في
ماضيه وحاضره ودوره الوطني،
خاصَّة، عقب الحرب على العراق.
ومما لا شكَّ فيه، إنَّ معظم هذه
الآراء المتطرِّقة لملف الأقليات
القومية في المحيط العربي، ذات
منشأ قومي عروبي منعكس، ناكر
لوجود أي إشكال قومي يسترعي
المناقشة، فضلاً عن إيجاد الحلول
النَّاجعة له. وحال أصحاب هذه
الآراء، هو حال الهارب للأمام،
والدَّافن لرأسه في الرَّمل
كالنَّعامة. في وقت نحن_أكراداً
وعرباً_ بأمسِّ الحاجة فيه
للمكاشفة والمصارحة والشَّفافية
والأمانة في طرح قضايانا
وإشكالاتها القومية العالقة،
ووضعها على مائدة التَّدقيق
والحوار، بهدوء ورويِّة، وصولاً
لحلها.
جاء في العدد 1015 من جريدة
الأسبوع الأدبي، الصَّادرة في
15/7/2006 عن اتحاد الكتَّاب
العرب بدمشق، في الصَّفحة 4،
زاوية "قضايا فكرية"، مقال طويل
تحت عنوان "الأكراد في المجتمع
العربي"، بتوقيع حمل اسم عبد
الغفَّار نصر. وقد طوى الكاتب
مقاله على كمِّ هائل من الخلط
والمغالطات والمعلومات الخاطئة،
بغية إجراء قراءة تاريخية للحضور
الكردي في المجتمع العربي، واصلاً
لبعض النَّتائج، التي أقلُّ ما
يُقال فيها: بأنها مجحفة وغابنة
لدور الأكراد كشريك مصيري وتاريخي
للعرب في الشَّرق الأوسط ماضياً
وحاضراً. وبديهي أن المقدِّمات
الخاطئة، بالضَّرورة ستؤدِّي إلى
نتائج خاطئة، على ضوئها، ستتشكَّل
قراءة وفهم أو تصوّر خاطئ، حيال
أيَّة موضوعة يتمُّ تناولها
تحليلاً أو بحثاً أو نقداً...الخ.
فما بالكم، لو كانت هذه الموضوعة
من أكثر القضايا تشعُّباً
وحساسيةً وإشكالاً، ومدعاةً
للتَّناول والتَّداول بجرأةٍ
تتوخَّى الموضوعية والأمانة في
الطَّرح والمعالجة، ألا وهي،
مسالة الأقلِّيات في العالم
العربي، وصولاً لحلِّها، بما
يتواءم والمحافظة على شخصيَّة
وهويَّة كل مكوِّن من مكوِّنات
النَّسيج الحضاري للمنطقة،
وتوخِّياً للانقياد وراء ذهنية
النَّفي المشرعنة لصهر ودمج الآخر
في بوتقة الذات القومية الحاكمة.
ولا يأتي مقالي هذا، بمثابة
الرَّدِّ على أنموذج من التَّعاطي
الثقافي العربي الجد خاطئ مع وجود
تاريخي حضاري قومي شريك للوجود
العربي في المنطقة، بقدر ما هو
فتح لزاوية أو هامش للحوار،
بعيداً عن الانفعال والمواقف
المسبقة، حيال هذا الوجود الآنف
الذكر، الذي يحمل عنوناً تاريخياً
عميقاً عريضاً هو: الأكراد.
يذكر كاتب المقال في مستهلِّ
مادته "البحثية" :(لا بدِّ من
دراسة الأكراد والتموضع العرقي
الأقلوي في الفضاء السوري...الخ)،
وكأنَّ الوجود الكردي طارئ على
هذه الجغرافيا. وذلك، أثناء
استخدامه مفردة "التموضع". ويبدو
أنَّ كاتبنا لم يقرأ ولو نبذة عن
تاريخ الكرد الذي يمتدُّ لأكثر من
5000 سنة في المنطقة، ابتداءاً من
المملكة الهورية الميتانية،
وصولاً الإمبراطورية الميدية التي
أزاحت الإمبراطورية الآشورية عن
دورة الحكم في المنطقة. هذه
الإمبراطورية التي على أنقاضها
بنى كورش إمبراطوريته الساسانية/الفارسية.
فغالبية الأبحاث والدِّراسات
التَّاريخية المتطرِّقة لتاريخ
الكرد، تؤكِّد بأنَّ الهوريين
والسُّوباريين والجوتيين
والميديين، هم الجذور القديمة
للشَّعب الكردي الحالي، المنتمي
للأسرة الآريانية/ الإيرانية التي
تضمُّ الفرس والأفغان والباك
والبلوج...الخ. وهذه الأسرة، هي
أحد أهم الأسر المشكِّلة للعرق
الآري إلى جانب السُّلاف والجرمان
واللاتين. وتالياً، فالوجود
الكردي، إنْ لم يكن أقدم من شقيقه
العربي، فهو يوازيه في القِدَم.
ثم يحاول كاتبنا العزيز إعطاء
توصيف للتَّعاطي التُّركي مع
الوجود الكردي، مُشيداً ضمنيَّاً
بالتَّعاطي العربي، لكونه أفضل من
سابقه. فيذكر هنا :(تركيا مثلاً،
لا تعترف بأقلية كردية، وتنفي
وجود الأكراد على الإطلاق،
وتسميهم "أتراك الجبال"). ويبدو
أن معلومات كاتبنا العزيز إزاء
هذا الموضوع، تنتمي لحقبة
الثَّمانينات. وأودُّ أن أحيط
عناية أستاذنا نصر، بأن الرَّئيس
التُّركي الرَّاحل "تورغوت أوزال"،
وأثناء ما كان رئيس تركيا الأسبق
"سليمان ديمريل" رئيساً للوزارة،
في حينه، اعترف أوزال بحقيقة
الوجود الكردي في مطلع
التِّسعينات، وشرع بإجراء بعض
الإصلاحات، إلى درجة أنه دخل في
حوار غير مباشر مع الزَّعيم
الكردي عبد الله أوجلان، عن طريق
رئيس العراق الحالي جلال
الطالباني. لكنه، اصطدم بتعنت
الجنرالات. وفي شهر آذار المنصرم،
جاء رئيس وزراء تركيا الحالي
أردوغان، واعترف أمام حشد من
الجماهير، وفي مدينة آمد _ دبار
بكر الكردية، أعترف ليس فقط بوجود
الشَّعب الكردي، بل بوجود قضية
كردية، وأن الدَّولة أخطأت، وأن
حلَّ هذه القضية سيكون بالسُّبل
الديمقراطية، وأن الوسائل العنفية
لن تجدي نفعاً. ولعلم الأستاذ عبد
الغفَّار، أذكر ما هو موجود في
تركيا حالياً: حزب كردي رسمي
مقرَّب من حركة أوجلان اسمه "حركة
المجتمع الحر"، معهد كردي في
اسطنبول، ووكالة أنباء دجلة
للأنباء، ومركزها مدينة ديار بكر،
وصحيفة أسبوعية تصدر باللغة
الكردية اسمها "آزاديا ولات_ حرية
الوطن"، كان مركزها في اسطنبول،
وحالياً، تصدر في ديار بكر،
ومدارس خاصة، يتمُّ فيها تعليم
اللغة الكردية، والأهم من كل ما
سبق، هو منح البثِّ الكردي
لتلفزيونات محلية خاصة، وتحديد
فترة للبثِّ الكردي في التلفزيون
الرَّسمي التُّركي. بالإضافة
لعشرات الرَّوابط والجمعيات
الأهلية المدنية، وخاصة منها،
المعنيَّة بحقوق الإنسان. طبعاً،
كل هذه الإنجازات، لم تأتِ هبة أو
منحة من السُّلطات التُّركية، بل
كانت ثمرة عشرات الألوف من
الضَّحايا والشُّهداء، ونتيجة
كفاح مرير، لا يزال مستمراً.
والسُّؤال المطروح على الأستاذ
نصر: ماذا يوجد للكرد في سوريا
حالياً..؟!
يقول كاتبنا :(لم يفرِّق العرب
ولا حكم الإسلام العربي بين قومية
وأخرى، على الرُّغم من أن القرآن
قد ميَّز العرب عن غيرهم "كنتم
خير أمة أخرجت للناس"..)، ويتناسى
الكاتب العزيز نعرة التَّفوق
العربي التي الإسلام منها براء،
حين كان المسلمون العرب ينعتون
بها غيرهم من المسلمين، لإحداث
فصل بينهم والآخرين، وهي صفة "الموالي"
التي كانوا يطلقونها على غير
العرب، بداعي الانتقاص والذَّم.
كما يحاول الأستاذ تعريب، وإنَّ
الله قد خصَّ العرب بأرفع مكانة،
دون غيرهم من الملل والنِّحل،
وجعلهم خير أمَّة أخرجت للنَّاس.
في حين إن القرآن قد أكَّد على
التَّنوع والتَّعددية في الكثير
من آياته. قال تعالى :" من آياته
اختلاف ألسنتكم وألوانكم". كما
قال: " وجعلناكم شعوباً وقبائلاً
لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله
اتقاكم" ولم يقل: إن أكرمكم عند
الله هم العرب، ما عاذ الله.
وثمَّة عشرات الأدِّلة في القرآن
والحديث الشَّريف التي تؤكِّد على
أن "خير أمَّة أخرجت للنَّاس"، هي
الأمَّة الإسلامية وليست العربية.
وإذا كان العرب خير أمَّة، يأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر، فما
داعي إرسال الرَّسول الكريم محمد
"ص" فيهم، معززاً بالقرآن الكريم،
لكي يهديهم إلى سواء السَّبيل،
وينجيهم من الجاهلية والضَّلال..؟!
وهل يخفى أحوال العرب أيام
الجاهلية على كاتبنا العزيز..؟
والسُّؤال المطروح على الأستاذ
نصر هنا: ألا يتقاطع هذا الفهم
العروبي للإسلام، وتفضيله للعرب
على غيرهم من الشُّعوب، مع
النَّزعة الصُّهيونية الدَّاعية
بأن "اليهود هم شعب الله المختار"،
ومع "النَّازية" ونظريات التَّفوق
القومي..؟!.
يجازف الأستاذ نصر بطرح رأي مغاير
لمعطيات التَّاريخ ووقائعه، إمَّا
عن دراية أو عن جهل، حين يقول :(الأكراد
من تلك الأقليات التي لعبت دوراً
في تاريخ الإمبراطورية العربية
الإسلامية، لكنه لم يكن دوراً
متميزاً...). أعتقد أن كاتبنا قد
سمع بـ"الفارابي، وابن خلكان،
وابن كثير، والفراهيدي، والشَّيخ
عبد القادر الجيلاني، والشَّيخ
خالد النقشبندي..." والقائمة تطول،
وصولاً لصلاح الدين. فهؤلاء أكراد
أقحاح. وساهم الكرد مثلهم مثل
العرب والفرس وباقي الشُّعوب
الإسلامية في الحضارة الإسلامية.
وأصلاً، إن دقَّق كاتبنا في أصول
أعلام الحضارة الإسلامية سيجد أن
حصَّة العرب إن لم تكن تنقص عن
حصَّة إسهامات الشُّعوب الأخرى،
فإنها لا تزيد عنها، وعلى سبيل
المثال لا الحصر:" أبو مسلم
الخرساني، سلمان الفارسي_ ويُقال
أن أصولهما كردية، وسيبويه،
الزمقشري، ابن حيان، ابن النفيس،
ابن سينا، الخوارزمي،
الدؤلي...الخ. أعتقد أنه كان أجدى
أن يتصفَّح الأستاذ نصر الطبري أو
ابن عساكر أو ياقوت الحموي أو
الأدريسي الذي كتب عن مناطق
الأكراد في "نزهة المشتاق في
اختراق الآفاق"، على الأقل كي
يعرف من هم الأكراد، وأن لا
يشططَّ به الرأي بالإيحاء أن ليس
لهم محل من الإعراب الحضاري
والجغرافي، وهم نكرة، بل هم معرفة،
وفاعلون.
يودُّ الكاتب هنا الإشارة إلى بعض
سلبيات الأكراد، وذكر أسبابها،
قائلاً :(وبسبب تموضع الأكراد على
حدود أربع دول_ تركيا، إيران،
سوريا، العراق_....وربما يفسر ذلك
سر استعداد الأكراد الدائم
للاقتتال فيما بينهم، وعدم
استعدادهم للتعاون المشترك....وتبدو
هذه من أخطر سلبياتهم التاريخية
في التعاون مع الأقليات الأخرى،
وسوَّغت للاستعمار الأوروبي بذر
بدور الشقاق والتفرقة بين أبناء
المنطقة وشعوبها وبين الأكراد
أنفسهم...). أولاً، الأكراد
تايخياً، كانوا كتلة بشرية
متواصلة، لا تفصلها حدود، إلا بعد
اتفاقية "قصر شيرين" بين
الصَّفويين والعثمانيين التي
قسَّمت بلاد الأكراد بين دولتين.
ثم أتت اتفاقية "سايكس _ بيكو"
التي قسَّمت العرب، قسَّمت
الأكراد أيضاً. فالمسألة ليست "تموضع"
كما يود الكتاب تفسير الأكراد،
دون أن يذكر، أين كانوا "يتموضعون"
قبل أن يتموضعوا على حدود الدُّول
التي ذكرها..!!؟ هل كانوا في
المرِّيخ..!!؟ وشاءوا أن ينقلوا "تموضعهم"
إلى حدود الأستاذ نصر..!!؟.
ثانياً، اتفق مع الأستاذ نصر إن
الاقتتال الداخلي هو أسوأ سلبية
في تاريخ الأكراد. لكن، إن
قارنَّا ظاهرة الاقتتال الداخلي
الموجود عند الأكراد بالاقتتال
الداخلي الموجود عند العرب، فسوف
نجد أن هذه الظاهرة المقيتة
موجودة في التاريخ العربي أضعاف
وجودها في التَّاريخ الكردي.
ابتداءاً بالحروب بين تموذ وعاد
وحرب البسوس، والصراع بين
الغساسنة والمناذرة، والحروب على
الخلافة بين صحابة النبي "ص"( حرب
الجمل)، والحرب بين الأمويين وآل
البيت، والعباسيين
والأمويين...وصولاً للحرب بين
اليمنين، وأحداث أيلول الأسود في
الأردن، والحرب الأهلية في لبنان،
والحرب الأهلية في الجزائر،
والحرب غير المعلنة بين سوريا
والعراق إبان حكم صدام حسين، وغزو
الأخير للكويت...إلى أن نصل
للصراع بين فتح وحماس على السلطة.
هل هذا التاريخ العامر بالحروب
والاقتتال الداخلي بين العرب، وما
شهدته من فظائع وكوارث، هل يوازي
هذا تاريخ هذه الظاهرة المدانة،
عند الأكراد..!!؟. وهذا ليس
تبريراً، بقدر ما هو تذكير، إن
نفعت الذكرى..!.
وادَّعى الكاتب أن الأكراد في
العراق كانوا في حالة تواطؤ مع
بريطانيا، ويستطرد قائلاً: (حدث
نفس الأمر في سوريا، حيث اتهم
الأكراد بالتعاون مع الاستعمار
الفرنسي ضد أهداف الحركة الوطنية...).
يا سيدي، يؤسفني أن أقول لك: بأنك
لست فقط غير مطلع على تاريخ
العراق، بل على تاريخ بلدك، سوريا
أيضاً. هل تعلم أن ثورة الشِّيخ
محمود الحفيد على الإنكليز قصفت
بالطائرات سنة 1921، وأن الأكراد
رفضوا الانصياع لإرادة الاحتلال
البريطاني، حتى ان الشَّيخ محمود
رفض أن يصافح الجنرال الإنكليزي_
الذي حاول استمالته_ عاري اليد،
بداعي أنها يد كافرة، وستبطل
وضوءه، وهذه حادثة مشهورة. ثم أن
الملا مصطفى البارزاني، وعندما
كان الحرب بينه وبين النظام
العراقي حامية الوطيس، أوقف الملا
حربه على بغداد، في سنة 1973، لأن
العرب كانوا منهمكين في حرب
أكتوبر، في وقت أن السُّلطات
السورية أرسلت كتيبة إلى العراق
لمحاربة البارزاني. وبالتعريج على
الحال السُّورية، و"التواطؤ
الكردي" مع الفرنساوي المحتل، فهل
يعلم كاتبنا العزيز، أن مؤسس
الجيش السُّوري البطل يوسف العظمة
هو كردي الأصل..؟ وهل يعلم أن
قائد أحد أهم ثورات سورية على
الفرنسيين المجاهد إبراهيم هنانوا
هو كردي، الذي رفض طلب الجنزال
الفرنسي الذي طرح عليه منح
الأكراد دويلة في شمال سوريا،
فرفض هنانو ذلك. وحين قيل له: أنت
كردي، وما علاقتك بالعرب، أجابهم:
أنا سوري أيضاً. وهل يعلم أن أول
رصاصة انطلقت من بندقية ضد
الاحتلال الفرنسي كانت من بندقية
كردي لا يعرف التكلُّم بالعربية،
اسمه " محو إيبو شاشو"، وهذا
موثَّق في تاريخ الثَّورات
السُّورية. وهل يعلم صاحبنا أن
غالبية مجاهدي الغوطة كان من
الأكراد، وعلى رأسهم أحمد
البارافي الذي أهدته دمشق شارعاً.
وهل يعلم كاتبنا شيئاً عن انتفاضة
قرية "بياندور" في شمال سوريا على
الفرنسيين، وهل يعلم لماذا قصفت
الطائرات الفرنسية مدينة عامودا
في مطلع الثلاثينات، هل لأنها
كانت متعاونة مع المحتل أم كانت
مقاومة له..؟ ثم، هل الأكراد
الذين أتوا بالاستعمار البريطاني
أم الشَّريف حسين..؟ ثم، أن معظم
الجمعيات والروابط والأحزاب
العربية المناوئة للاحتلال
العثماني، والنَّاشطة في مطلع
القرن المنصرم، كانت على علاقة مع
الإنكليز والفرنسيين. وفي وقت كان
الأكراد يجهلون أين تقع باريس
ولندن على خريطة العالم. ولو كان
لورانس العربي حيَّاً، لردَّ على
كاتبنا العزيز بالمزيد...!!.
وللمعلومة فقط، أودُّ أن أذكر
لكاتبنا، أن جدِّي كان مجاهداً،
وحارب الفرنسيين، وأهدى بندقيته
التي حارب بها، للثَّورة
الجزائرية، في حين كان قائد
الثَّكنة الفرنسية في مدينتي
الموجودة على الحدود التُّركية "الدرباسية"،
عربي، مغربي الأصل، وكان اسمه
قاسم، وبرتبة "كابتن"، وكان يبطش
بالعرب والأكراد على حد سواء.
وأتمنَّى على كاتبنا العزيز، أن
يتوخَّى الدقَّة، ولا يقل عن
جمهورية مهاباد، إمارة، ويعود
ويناقض قوله، بأنها جمهورية..!.
فالكيان المذكور، كان جمهورية،
واسمها "جمهورية كردستان في
مهاباد" تأسست عقب الحرب الكونية
الثَّانية، حالها حال معظم
البلدان التي نالت استقلالها في
تلك الفترة. لكن، المصالح الدولية
حالت دون بقاءها. ولو لم يقدِّم
شاه إيران التنازلات للسوفيت،
لكان الآن للشرق الأوسط وجه آخر،
ولما كانت عبارة دولة كردية
مستقلة، ثقيلة ومستهجنة على الأذن
العربية التي ألِفت سماع "دولة
إسرائيل" وتصالحت معها، لكنها
ترفض دولة كردية..!!.
ويزعم الكاتب أن سبب عجز الأكراد
عن توحيد أنفسهم يعود لعدم وجود
لغة موحَّدة، ذاكراً:( حيث لم
يتمكن الأكراد، عبر تاريخهم
الطويل من تطوير لغتهم، وكان من
الصعب عليهم التفاهم فيما بينهم..).
نشكر الكاتب على اعترافه بطول
التاريخ الكردي. وأعتقد أن الفهم
البعثي لمقوِّمات الأمَّة، سقط
بالتَّقادم. فشعوب أمريكا
اللاتينية، بات تتشكَّل هويتها
وشخصيتها السِّياسية والثَّقافية
الخاصَّة بها، على الرُّغم من
تحدُّثها بالإسبانية. ثم، من قال
أنه ليس هنالك لغة موحَّدة
للأكراد..!؟. وما ذكره عن لغة
الكتابة والقراءة في السليمانية،
أنها أحد اللهجات الكردية، وثمة
سعي لنقلها للحروف اللاتينية،
ربما على المدى البعيد. وهذه قضية
يعنى بها علماء وباحثوا اللغة
الكردية. ثم، هنالك 250 مليون
عربي في 21 دولة، ويتكلُّمون
ويكتبون ويقرؤون بلغة واحدة،
لماذا لم يتحدوا حتى الآن، هل
لعدم وجود لغة موحَّدة...؟!!.
يقول الأستاذ عبد الغفَّار:(يرى
الكثير من الباحثين الاجتماعيين
أن الأقليات العرقية، ومنها
الأكراد، والبربر، بدأت تتنكر ليس
لهويتها العربية فحسب، بل للهويات
التي تدَّعيها لنفسها بالذات،
وتلتحق بالغرب، وترتبط بالسوق
العالمية..). ما هذا الخلط..!!
كيف هم أكراد و"بربر"_عذراً من
الأخوة الأمازيغ، وبهوية عربية.
ما مفهوم كاتبنا العزيز للهوية
هنا..؟ هل يقصد بها اللغة أم
الجنسية أم القومية... أم ماذا..؟!.
فإن كان القصد باللغة، فهذه
مغالطة كبيرة، لأن معظم المبدعين
الكرد في سوريا والعراق يكتبون
باللغتين العربية والكردية، ولم
يتخلُّوا عن العربية. وإن كان
المقصود بالجنسية، فهذه أيضاً
مغالطة، فالجنسية لا تلغِ
الانتماء القومي، كأن يكون جنسية
كاتب المقال فرنسية، لكنه من أصل
عربي. فأنا أسعى لنيل الجنسية
السُّورية، لأنني سوري، وينبغي أن
لا يكون هذا على حساب تجريدي من
كرديتي. وإن كان المقصود بالهوية،
القومية، فهذا خلط للحابل بالنابل.
إذ، كيف يمكن أن يكون الكردي
عربياً في آن، أو العكس..!!؟. فلا
صحَّة لما ذهب إليه الأستاذ نصر،
بأن الأكراد يتنكرون لهويتهم، هم
يقامون التَّعريب، وهذا من حقِّهم،
لأن في التَّعريب إلغاء لهم، وطمس
لحقيقتهم. فكما يحق للعرب مقاومة
التتريك والفرنسة والأنكلزة،
يحقُّ للأكراد مقاومة التعريب. أم
أنه يحقُّ للعرب، ما لا يحق
لغيرهم..!!؟.
ويستشهد الأستاذ نصر بمقتطف من
تعليق وارد في مجلة سورغول
الكردية، مفنِّداً ما جاء فيه،
موحياً وكأن الأكراد في سوريا،
يعيشون في نعيم وبحبوحة سياسية
وثقافية واقتصادية، قائلاً :( إذا
تقدمنا أكثر في النصف الثاني من
القرن العشرين، نرى أن زعماء
سياسيين لحزب البعث العربي
الاشتراكي، بعد ثورة الثامن من
آذار، في قيادته القومية والقطرية،
هم من الأكراد. فلا صحَّة إطلاقاً
لما ورد في المجلة التي اقتبسنا
منها النَّص، من أن أحداث 12 آذار
كانت وليدة إقصائهم من الحياة
السياسية والثقافية...). بداية،
حالياً، كم قيادي في حزب البعث من
أصل كردي..؟!. ثمَّ، إن حزب البعث
يتعامل مع المنتمين له على أنهم
عرب، ولا يعترف بخصوصيتهم وهويتهم
القومية، غير العربية. وإذا كانت
السُّلطات السُّورية، قررت_وبعد
أربعة عقود ونيّف_ إعادة الجنسية
للمجرَّدين منها، وعددهم 300 ألف
كردي _ حسب الإحصاءات الرَّسمية،
ويوجد ثلاثة أضعاف هذا العدد_ على
أقل تقدير_ من الأكراد في سورية،
ألا يعني هذا أنهم القومية
الثانية في البلاد..؟!. فلا يمكن
مقارنة الأكراد بالأرمن والتركمان
والشَّركس_ مع الاحترام لهم_ لأن
عدد المجردين من الجنسية فقط من
الأكراد، يفوق تعداد هذه الأقليات.
علماً أن لهذه الأقليات حقوق لا
يتمتَّع بها الأكراد، فلهم مراكز
وجمعيات ومدارس تهتمُّ بثقافتهم
ولغتهم وعاداتهم وتقاليدهم. فهل
يستطيع الأستاذ نصر أن يعدد لي كم
مدرسة كردية خاصَّة، موجودة في
سورية..؟ كم جمعية خيرية كردية،
كم منظمة أهلية كردية موجودة في
سورية..؟! كم مرة رأى أو سمع بث
أغنية كردية في الإذاعة
والتلفزيون السوري..؟! كم مجلة أو
جريدة كردية مسموح بطبعها
وتوزيعها في سورية..؟. لقد اقتبس
الكتاب من مجلة "سورغول"، دون أن
يذكر أين تطبع هذه المجلة، ولماذا
لا تطبع في دمشق. وللتنويه فقط،
أود لفت عناية الكاتب بأن "سورغول"
تصدر في بيروت، وحاولت أن تصدر في
دمشق، لكن، تمَّ رفض الطلب. وإن
هذه المجلة، كانت ومازالت ملتقى
للأقلام العربية قبل الكردية،
وصدر صفحاتها مفتوحة وتتسع
للأستاذ نصر وغيره، وسبق ان أجرت
حواراً مطولاً مع الأستاذ والصديق
العزيز، ورئيس تحرير الأسبوع
الادبي، عبد القادر الحصني، ونشر
في العدد 30 الصادر في آذاد 2002.
وأخيراً، إن كان الأستاذ نصر
يودُّ معرفة حقيقة معاناة الأكراد
في سوريا، فليكلف نفسه، ويصبح
كردياً، لنصف ساعة. فالإتيان على
ذكر معاناة الكرد في سوريا، حديث
طويل، وذو شجون.
ويواصل كاتبنا العزيز تحفته
قائلاً: (هذه المبالغة في طرح
قضية الأكراد، من الأكراد أنفسهم،
أساءت وتسيء إلى العلاقات
التاريخية والعقيدية مع محيطهم
العربي، فلم يدرك الأكراد حقد
الغرب المسيحي المتصهين على
الإسلام وعلى شعوب بلاد الشام
بعامة، ولم يستوعبوا إلى الآن أن
التمازج العربي الكردي له جذوره
التاريخية. ولم يطرحوا على أنفسهم
أمثلة تاريخية من شعوب أخرى كشعوب
روسيا الاتحادية أو شعوب الصين
والقوميات المتعايشة هناك. لم
يطرحوا على أنفسهم، لماذا لم تظهر
مثل تلك النعرات، إلا في منطقتنا
العربية، وفي بلاد الشام تحديداً.
حتى العرب لم يدركوا بعد أن
التخلف والأمية أحد أهم أسباب
وعلل هذه المشكلات المساعدة للغرب
الصهيوني.). بالله عليكم، ما
علاقة "المبالغة" في الطَّرح
السِّياسي لقضية الأكراد، بالعزوف
أو النُّفور الدِّيني للعرب منهم..؟.
لماذا يلجأ المثقَّف العربي إلى
الدِّين، واستخدامه كمتراس أو
دريئة، تفادياً لمناقشة القضايا
القومية العالقة بشكل جدِّي
وجوهري..؟! ولماذا يدعو المثقَّف
العربي لل | | | | | |