|
|
|
|
| |
حول
العلمانية ( 2 من 2)
حسن كامل
hassn20kml@gawab.com
ج ـ العلمانية والصراع المجتمعي:
لا نكون قد اكتشفنا جديداً إن
أعلنا بأن مسار التاريخ الإنساني
محكوم بأن يكون مليئا بالصراع،
ومنذ الأزل.. صراع سياسي أو ديني
أو فكري أو اجتماعي، وهذه
الصراعات تتقدم نتيجة التطور
المنظور والمرتقب لكل مناحي
الحياة التي لا تكف عن التقدم
بمسارها الطبيعي والموضوعي. من
خلال جدلية التطور، تنبع إحداثية
الصراع، ويستحيل وقف منابع التطور
التي تحمل بداخلها بذرة الصراع
إلا إذ سددنا منافذها وقمعنا
إرهاصاتها وتعبيراتها المجتمعية
بقوة خارجة عنها "وغالباً ما تكون
قوة قمعية" لتعيق مسيرة التطور "الصراع"
لأجل محدود. دون مقدرة لأي قوة أن
يمنح "جدلية التطورـ الصراع"
السكون المطلق، لذا نراها تتسرب
ومن خلال القمع بأشكال عدة
ومتنوعة لتصل إلى درجة الانفجار
عند أول لحظة تستدعي ذلك..
ـ فهل العلمانية كبيئة محايدة
تعني انتهاء الصراع في المجتمع؟.
هذا السؤال يحيلنا إلى فهم ضرورة
العلمانية للمجتمعات المتنوعة
بأثنياتها و مذاهبها وقومياتها،
ليتعدل السؤال إلى:هل الدولة
العلمانية كفيلة بحل أو باستيعاب
المجتمعات المتنوعة بتركيبتها
البنيوية؟!!.
هو إذا الدور الفعلي للدولة
العلمانية بما إنها تملك التشريع
والقانون وكذلك العنف المشروع
لتستخدمه في مصلحة المجتمع أو
الدولة بالمعنى العام "والواسع".
فهي إي الدولة لم تعد تسعى، في
هذه الحالة إلى فرض وجهة نظر
معينة ولفئة معينة من المجتمع على
بقية الناس بالعنف أو الإكراه،
ينحصر دور الدولة بالمعنى الوظيفي
في المجتمع بدور الحكم بحيث تعمل
بطريقة لا تسمح لأحد أن يفرض
مفهومه الخاص على الآخرين. وبذلك
تكون الدولة لم تعد تعمل إلا من
خلال جميع التصورات المجتمعية
والقناعات المذهبية والرؤى
النقدية من خلال استمرار الصراع
داخل المجتمع، إنما تحت مراقبة
طرف محايد هي "الدولة" التي تسمح
بالصراع طالما هو صراع الأفكار لا
الأيادي، صراع العقول لا السيوف...
الصراع بين الأديان كأفكار،
الصراع بين النظم السياسية
كمنظومات فكرية، صراع بين الشك و
الـيقين، بين الإيمان و الإلحاد.
كلٌ مسموح به طالما لا يمس أمن
وسلامة المتصارعين المادية
والجسمية .
وبذلك تكون الدولة ومن خلال
وظيفتها هذه جزء من الدين والمذهب
والقومية أي (لمجموع مكونات
المجتمع)، لا أن تكون الدولة هي
الدين أو المذهب أو القومية.(لجزء
من المجتمع) [15].
وبذلك تنصهر القوميات والمذهبيات
في الدولة العلمانية لتعطي
المفهوم الكلي للدولة بالمعنى
الواسع الدولة ـ الأمة. [16]
"سنعمل على توضيح هذه الفكرة في
فقرة فلسفة الدولة."
د ـ ما بين العلمانية
والديمقراطية
كثيراً ما يثير اللغط فيما بين
المفهومين لتصل إلى درجة الانصهار
عند البعض أو الانفصال لحد
القطيعة عند البعض الآخر. . وكأن
إجازة العلمانية كمفهوم ورؤية
حياتية تنفصل عن الديمقراطية
كقاعدة اتفاق واشتراك ومعايشة في
المجتمع.
وبقيت مفاهيم الديمقراطية
وطبيعتها ومقوماتها وعلاقتها
بالعلمانية ومدى الترابط والتلازم
بينهما، بقيت الأكثر التباساً
وإشكالاً، على رغم أنه الأكثر
تداولاً في العقدين الماضيين.
فغالباً ما طُرحت الديمقراطية
منزوعة من جذورها الفلسفية ومن
فضاءها التاريخي العلماني لتتحول
لدى بعض الذين نادوا بها آلـية
انتخابية عددية مفرغة من مضمونها
الليبرالـى العلماني الذي هو
أصلها وجوهرها.
ووجد هؤلاء في هذا المنحى
الإيديولوجي الذي بات مألوفاً في
الخطاب السياسي الراهن، مخرجاً
للتنصل من مرتكزات الديمقراطية
وموجباتها القائمة على حرية الفرد
ومركزيته وحقوقه الطبيعية
ومرجعيته المطلقة في التشريع
والسياسة، وعلى المساواة السياسية
العامة بين أفراد المجتمع من دون
تميز أو تفريق.
يجردونها أي الديمقراطية من كل
هذه المرتكزات والقيم ويتمسكون
بالديمقراطية، بل يُضفون عليها
الأصالة والقدسيّة باعتبارها قيمة
من تراثنا الذي قال بالشورى
والاحتكام إلى الرأي الآخر،
ويرفعونها من ثمَّ إلى مرتبة
أخلاقية متقدمة على ديموقراطية
الغرب [17]. وقد يذهب بعضهم إلى
أن قيم الحرية والمساواة والتسامح
والتطوع والقبول بالتعدد
والاختلاف في الفكر والرؤى
والمصالح، التي تشكِّل الأركان
الأساسية للديمقراطية وللمجتمع
المدني كما نشأ في الغرب، هي من
صميم الإسلام، تؤكدها الآيات
القرآنية والأحاديث النبوية.
وتبعاً لهذا المنحى يمكن تجزئة
الديموقراطية،وتقبل آلـياتها
التقنية الانتخابية،وان ـ مستوردة
من الغرب ـ وتُرفض مضامينها
الفلسفية والإيديولوجية المرتكزة
في الأصل والجوهر على المواطنية
والمساواة وقدسيّة الفرد.
وهكذا فالاقتران بين الديموقراطية
والعلمانية، في رأي "الغنوشي
[18]، والبيانوني" مضلّل، روَّجه
غلاة العلمانية في وسط قطاع من
الإسلاميين مستغلين ضعف تكوينهم
في الفكر السياسي والفلسفات
المعاصرة، فقد تُوجد الديموقراطية
من دون علمانية، وقد توجد
العلمانية من دون ديموقراطية
[19].
لكن محمد عابد الجابري، ذهب أبعد
من ذلك، اذ يقول: "طُرحت مسألة
العلمانية في العالم العربي في
القرنين الماضيين، طرحاً مزيفاً،
بمعنى أنها أريد منها أن تعبر عن
حاجات معينة بمضامين غير متطابقة
مع تلك الحاجات... من أجل هذا
نادينا،"والقول ما زال للجابري"،
منذ الثمانينات من القرن الماضي
بضرورة استبعاد شعار "العلمانية"
من قاموس الفكر العربي وتعويضه
بشعاري "الديموقراطية"
و"العقلانية"، فهما اللذان
يعبِّران تعبيراً مطابقاً عن
حاجات المجتمع العربي.
الديموقراطية تعني حفظ الحقوق،
حقوق الأفراد وحقوق الجماعات،
والعقلانية تعني الصدور في
الممارسة السياسية والدينية عن
العقل ومعاييره المنطقية
والأخلاقية... ومن جهة أخرى، فإنه
لا الديموقراطية ولا العقلانية،
يعنيان بصورة من الصور استبعاد
الدين" [20].
يمثِّل هذا النص للجابري أنموذجا
للالتباس ألمفهومي في الخطاب
السياسي العربي الراهن، إذ يعمل
تصور ملتبس لمفهوم ما.. على إعادة
تشكيل الشبكة المفهومية بالكامل
تشكيلاً ملتبساً تختلط فيه
المعاني والأهداف والتصورات وتضيع
البوصلة الموجهة للرؤية
الإيديولوجية والفلسفية الكامنة
في المفهوم ذاته، وما تنطوي عليه
من مبادئ وأحكام واستنتاجات
ملازمة.
فهل كان الطرح العلماني بالفعل
مزيفاً عبَّر عن حاجات معينة
بمضامين غير متطابقة مع تلك
الحاجات؟.
وهل العلمانية مقرونة ضرورة
بالإلحاد؟.
وهل يمكن الفصل بينها وبين الحرية
أو الديموقراطية؟.
أسئلة يثيرها طرح الجابري
بالجملة، وهذه الأسئلة تحمل مكان
الجد عند الكثيرين الذين يعتقدون
بأنه من الممكن التعامل مع
الديموقراطية كآلية انتخابية ليس
إلا.
إزاء هذا الموقف، لا مناص، من أجل
فصل مقال في ما بين الديموقراطية
والعلمانية في الاتصال، من الرجوع
إلى المفاهيم المؤسسة للديمقراطية
والعلمانية، أي مفاهيم الفرد،
والعقد الاجتماعي، والمجتمع
المدني، التي جاءت بها ثورة
الحداثة في الغرب، وعلى أساسها
قام مفهوم حقوق الإنسان والمواطن
الذي شكَّل الديموقراطية وقاعدتها
منفصلة عن العلمانية.
الديموقراطية على هذا الأساس
الفلسفي التاريخي لا تقتصر على
مجرد آلية انتخابية مبنية على
مبدأ الأكثرية والأقلية، فقد
تحققت هذه الآلية على أكمل وجه،
من دون أن يُفضي ذلك بالضرورة إلى
الديموقراطية. مثل الديمقراطية في
سوريا ـ أو إيران ـ أو مصر..الخ.
كل هذه الدول التي تدعي
الديمقراطية ولديها مؤسسات
ديمقراطية.
بيد أن ولكي تكون ثمة ديمقراطية
حقيقية غير مجتزأة، ومنفصلة عن
سياقها الحقيقي، يجب أن تتوافر
شروط ومبادئ أساسية.
وأولها ـ الاعتراف بالفرد
الإنساني وبمركزيته السياسية
والاجتماعية.
وثانيها ـ قيام النظام السياسي
مؤسس على عقد اجتماعي يختاره
أفراد المجتمع بإرادتهم ويلتزمون
به طواعياً.
وثالثها ـ المساواة التامة بين
أفراد المجتمع في المواطنية
والحقوق والواجبات، بصرف النظر عن
الجنس أو الدين أو المذهب أو
الطائفة أو الهوية.
أن هذه الشروط والمبادئ التي تشكل
جوهر الديموقراطية لا يمكن تحققها
من دون العلمانية التي تفصل بين
الفضاء ين الديني والسياسي. ففي
الفضاء الديني مصدر الحكم
والشرائع إلهي لا بشري، حيث الفرد
يتعيّن بانتمائه الديني لا
الاجتماعي والمواطني، وحقوقه
وواجباته لا تتحدَّد بعقد اجتماعي
بل بنص منزل، لا يقر بالمساواة
التي تصر عليها الديموقراطية، إن
كان بين الرجل والمرأة أو بين
المؤمن وغير المؤمن أو حتى بين
المؤمنين أنفسهم حسب خلاف مذاهبهم
وطوائفهم.
من هنا يبدو الفصل بين
الديموقراطية والعلمانية أمراً لا
يمكن تصوّره أو قبوله، لسببين:
أولاًـ لأنهما متلازمتان في
الانتماء إلى فضاء الحداثة الذي
دشّن أفقاً إنسانياً مختلفاً في
الجوهر والرؤى والتطلعات عن الأفق
المرسوم في المنظور الديني.
ثانياً ـ لأن الديموقراطية من دون
العلمانية تستثني فئات واسعة من
الجماعات داخل المجتمعات، المؤلفة
أساساً من جماعات متعدّدة
الانتماءات الدينية والمذهبية
والطائفية والإثنية.
أما ربط ـ العلمانية بالإلحاد،
فلا مسوغ له ولا شرعية إذ ليس ثمة
تعارض بين الإيمان الذي هو علاقة
بين المؤمن والخالق، وبين التنظيم
السياسي الاجتماعي الذي هو شأن
دنيوي أساسه العلاقة بين الإنسان
والإنسان أو بينه وبين المجتمع.
2ـ الـدولـة
نوجز القول في الدولة: بأنها
مجموع الأجهزة والمؤسسات،
التشريعية منها والقضائية
والتنفيذية التي تسيّر وظيفة
الدولة، من خلال ترابطها وعن طريق
التسلسل بهرمية محددة من أجل
تسيير أمور المجتمع من خلال
القانون الذي يتحكم بها والدفاع
عنهم. والدولة، تختلف بطبيعتها
حسب التشكيلة الاقتصادية،
والاجتماعية للمجتمع فمنها،
الإقطاعية، أو البرجوازية أو
الرأسمالـية، أو الاشتراكية. . .
الخ [21].
ـ طبيعة الدولة تتحدد من خلال
هويتها فأما أن تكون استبدادية
قمعية لا مجال لحراك المجتمع في
ظله أو أن تكون ديموقراطية.. ومنه
يتم تحديد شكل الصراع عبر الدولة
في المجتمع أما أن يكون صراعاً
تناحرياً أو يكون صراعاً
ديموقراطياً.
ـ أن الدولة الديمقراطية، هي التي
تشرف على إجراء حوار بين الطبقات
الاجتماعية (بعكس الدولة
الاستبدادية)، بواسطة الهيئات
الممثلة لتلك الطبقات، سواء كانت
حقوقية، أو نقابية، أو ثقافية، أو
حزبية، من أجل الوصول إلى تحقيق
المطالب الديمقراطية، التي يستفيد
منها.
ومن جهة أخرى الدولة هي التي تحدد
الوعي المجتمعي من خلال تنشيطها
للأدوات التي تتبعها والممارسات
التي تنظمها داخل المجتمع إن كان
هذا الوعي ديمقراطياً أو
أيديولوجيا.
إن شكل الوعي السائد يتحكم بشكل
كبير في تحديد طبيعة الدولة.
3ـ الـدين
لو خلعنا عن المفهوم "الدين"،
رداء القدسية، لحق لنا القول بأن
الدين لا يتجاوز أن يكون مجموع
المعتقدات الشعبية، التي يرتكز كل
معتقد منها على مسلمات معينة،
لتحقيق إيمان معين، والمتضمنة في
كتاب معين، كما هو الشأن بالنسبة
لليهودية، أو المسيحية، أو
الإسلام، أو البوذية أو الهندوسية
[22].
وحسب هذا المفهوم، فإن الإيمان
بمعنى التسليم بما تقتضيه
المعتقدات المختلفة، يصير من
مكونات الواقع الاقتصادي،
والاجتماعي، والثقافي، والسياسي
في نفس الوقت.
فكل ما يقع للإنسان، وما يفعله في
جميع المجالات، يعتبر قدرا،
ومقدرا، ولا أحد يستطيع أن يقول
غير ذلك، ودون استخدام للعقل، أو
للفكر، انطلاقا من معطيات الواقع
المادي.
و حتى يصير الدين، أي دين، قوة
إيمانية، ومادية قائمة في الواقع،
ومن اختيار الناس، ودون إرغامهم
على ذلك من أية جهة كانت، كما جاء
في القرآن: " لا إكراه في الدين"،
يجب أن يتحرر الدين، نفسه، من أسر
الوصاية، قبل تحرير الناس من
اعتناقه تحت حد السيف. وهذا
التحرير يقتضي الحرص على إعادة
الاعتبار لحرية العقيدة، التي هي
الأصل: " فمن شاء فليؤمن، و من
شاء فليكفر"، والعمل على تسييد
خطاب يؤدي إلى امتلاك الوعي
بالحرية على جميع المستويات
الاقتصادية، والاجتماعية،
والثقافية، والسياسية، حتى تتكرس
حرية الاعتقاد كواقع مسلم به، من
أجل قطع الطريق أمام أدلجة
المعتقدات نفسها، حتى أن تكون
صافية من كل ما يسيء إلى كرامة
الإنسان، وحرصا على ربط الناس
بواقعهم المادي، الذي هو المبتدأ
والمنتهى.
4ـ المجـتمع:
يقتضي منا القول، بأنه: مجموع
القيم التي تعارف الناس على
تمثلها، "شكلت أو تشكلت" في إطار
شبكة من العلاقات الاقتصادية،
والاجتماعية، والثقافية،
والسياسية، وفي إطار سيادة أنماط
معينة من العادات، والتقالـيد،
والأعراف، المعبرة عن مستوى معين
من التطور، والمنسجمة مع طبيعة
العلاقات السائدة في المجتمع
المتلائم، والمنسجم مع طبيعة
التشكيلة الاقتصادية ـ الاجتماعية
القائمة.
وبذلك نصل إلى أن المجتمع
الإنساني لا يتخذ طبيعة واحدة،
فهو يتغير حسب تطور التاريخ، وحسب
الأمكنة، وحسب التشكيلة
الاقتصاديةـ الاجتماعية القائمة
في كل زمان، وفي كل مكان، وحسب
النظام القائم، عبودي؟ أو إقطاعي؟
أو رأسمإلى؟ أو اشتراكي؟ أو..الخ.
وجميع هذه المجتمعات عرفتها
البشرية، والتي ستعرف أنواعا أخرى
من المجتمعات من خلال تطورها اللا
محدود.
العلمانية ـ المجتمع
أـ العلمانية ـ والدين:
"حصيلة اندماج الدين بالسياسة هي
محاكم التفتيش"
ألبير كامو
سبق و أن وضحنا مواقف الأديان من
العلمانية. وفي هذا الفصل سنحـاول
أن نرد الحديث عن علاقة العلمانية
بالدين الإسلامي تحديداً، حيث هو
دين الحكومة الرسمي لغالبية
حكومات الشرق. ومن جهة أخرى هو
التشريع الوحيد الذي يلبس طابعه
على كل القوانين التي تمس الأحوال
الشخصية للمجتمع والدولة، بطابعه
الخاص، أما في مضمونه وبالطابع
العام للدين الإسلامي.
أنه كدين، ما زال هو الدين الوحيد
الذي يتمسك بأسلمه الكون،
انتصاراً لكلمة الحق التي تتجلى
في الإسلام كخاتمة الأديان وكدين
الآخرة.
هذه الرؤية الإسلامية حيث لا فتوى
فيها لتجنبها المقام التشريعي رغم
إن الكثير ممن يدعون الوسطية في
الاسم والاعتدال في الهدى يتجنبون
الحديث عن هذه المضامين الفقهية
لألا يثيرون المخـاوف لدى الغير
كما يدعون.
وهنا علينا التمييز لما نطرحه
بخصوص هذه العلاقة التي توجب
علينا أن نستوضح منها القيم التي
تحرر الإنسان من حالة الاستلاب
الدنيوي إلى الوعد المنشود في
الآخرة.
وبذلك نتفهم المقصد الاسمي بالدين
ما بين الدين الشعبي (المؤمن) أو
دين العوام كما يسميه الغزالي،
الذي يتجمل بالأساسيات التشريعية
في التقرب لله عز وجل وما بين
الدين (الرسمي) حيث تعلنه الدولة
وحسب مصلحتها وضروراتها الدولتية
وبين الدين السياسي (المؤدلج)
الذي لا يكف عن إعلانه إقامة
الدولة الإسلامية بحكم الله
وشريعته وإتباع السنة في تطبيق
الشريعة الإسلامية على المجتمع.
لذا سنكثف التركيز على الإسلام
السياسي (المؤدلج)، ومنه إلى
إسلام الدولة الذي لا يفصله عن
الإسلام السياسي بشيء سوى
الضرورة. أو قل بشكل أدق الحاجة.
كما فعل صدام حسين بأن خط بيده
كلمة الله أكبر على العلم العراقي
أثناء صراعه مع المجتمع الدولي.
لمناقشة هذه الفقرة ولكي نجعلها
مناقشة حقيقية علينا أن نعمل على
فكفكه المنظومتين "المنظومة
الديمقراطية العلمانيةـ والمنظومة
الدينيةـ لا لكي نبحث عن
المتقاربات الفكرية فيما بينهما
أو أن نجعل من التصالح هدفاً في
صياغتهما.
أبداً بل لكي يتسنى لنا أن نميز
وبشكل منهجي الاختلافات للبنى
الفكرية لكلتا المنظومتين.
ليقيننا بأن المنظومتين على طرفي
خلاف يصل في بعض مفاهيمه إلى
النقيض التام من حيث التكوين
والشرعية والأهداف، وبالتالي
الغايات.
ـ في الحكم الديني، الحقيقة
الإلهية منزلة، وهي الأساس
للتفكير الفلسفي وينسحب ذلك حتى
على الحقائق العلمية [23].
ـ في الحكم الثيوقراطية الدينية،
يبقى التشريع مقدس ولا يجوز
المساس به استناداً على النصوص
"مقدسة" حيث لا يمكن تغييرها أو
إنقاصها فهي كل مكمل لأن الله هو
المشرّع، وهو المعصوم عن الخطأ.
لذا هي صالحة لكل زمان
ومكان..وإنها حقائق مطلقة غير
قابلة للتأويل أو التحريف.
ـ في الحكم الثيوقراطي الديني،
الشعب تحت وصاية الله.ولله أوصياء
عنه في الأرض.. وأوصياء الله في
الأرض هم خلفاؤه من رجال الدين،
الوحيدين الذين هم بحكم المعصومين
والموكلين بالطاعة.
ـ يحق للناس في الثيوقراطية
الدينية ممارسة نوع محدود جدا من
الديمقراطية تتعلق بشكليات الحكم
وليس في أسسه. كما هو حال
الاجتهاد ـ"الديمقراطية
الثيوقراطية"ـ شريطة أن تكون من
داخل إطار التشريع الإلهي وكما
يرتضي به الموكلين تحديدا.ً
ـ في الثيوقراطية الدينية لا مكان
للعقائد أو المذهبيات المخـالفة
لإمرة القائمين على الدين
"الحكم". لأن كل خلاف معها
"معهم"، يصبح كفرا وخروجا عن
الطاعة.
ـ ضريبة الجزية فرض على أهل
الكتاب والذمة..وجميعهم في حكم
العيش بسلام دون السماح لهم في
المشاركة أو المساهمة أو التدخل
في شؤون الحكم.
ـ السلام والسلم العالميين يبقى
مفهوماً قاصراً إلى أن تعلو كلمة
الله على المعمورة.
أما في المنظومة الديمقراطية:
ـ لا مكان للأفكار المقدسة
والجامدة جميع الأفكار عرضة
للنقاش والحوار وللتمحيص والتدقيق
والتداول وخاصة ما تمس الحياة
اليومية للفرد إلى أن تستقر
الفكرة المتفق عليها بعد التجربة
والبرهان.
ـ الدستور والتشريع والقانون هو
من صنع البشر. والفكر البشري هو
الذي يحدد سير الدولة ومعاملاتها
مع المواطنين ومع الدول الأخرى.
ـ سيادة الدولة "والحكم" في
الديمقراطية العلمانية تنبثق عن
إرادة الشعب. دون قيود عقائدية
ملزمة.
ـ الركيزة الأساسية في
الديمقراطية تنبع من الحرية
الفردية كقيمة في الاختيار
والتعبير، وأهم مقدسات
الديمقراطية تكمن في الدرجة
الأولى في احترام حقوق الإنسان
التي هي ذروة تطور الحضارة
الإنسانية.
ـ في المنظومة الديمقراطية جميع
الناس سواسية أمام القانون بغض
النظر عن دينه أو مذهبه أو عرقه
أو جنسه.
ـ لا وجود للحكم أو "للسلطة"
المطلقة في المنظومة
الديمقراطية.. الدولة عبارة عن
جهاز خدمي للمجتمع..والقائمين على
هذا الجهاز منتخبين من قبل أفراد
الشعب. بغض النظر عن دينه أو جنسه
أو عرقه. من هذين المنظورين
المختلفين ينبع التصارع لحد النفي
بعد الاتهام.فيما بين المنظومتين،
لدرجة يستبعد فيها المصالحة أو
التقارب للاستمرار والمعايشة. ما
بـين العلمانيـة والدين [24]. غير
إن العلاقة بين العلمانية،
والدين، تفرض علينا التمييز بين
مستويين:
أحدهما يأخذ الطابع ألتناقضي،
والذي يتجسد في الرفض والثاني
يأخذ الطابع المنسجم. والمساير
لطبيعة المجتمع كما هو الحال في
الهند أو أندونيسيا أو حتى في
المغرب أو تونس. وكذلك بين
المنظرين الإسلاميين أنفسهم وأخص
اؤلئك الذين يتسوقون من منظومة
الحداثة ويحاولون الإجماع بينها
وبين المنظومة الدينية ويستبئرون
فيها اجتهاداً متوكلاً وغير مكتمل
في بعض جوانبه إنما تبقى محاولة
في البحث عن السبل للتقارب
والتعايش فيما بين المجتمع. ولذلك
يجب التمييز عند الحديث عن
العلاقة بين العلمانية، والدين،
بين الدين المؤدلج، والدين
الشعبي، لأن عدم التمييز بين هذين
المستويين لا يزيدنا إلا تضليلا
لا يستفيد منه إلا مؤد لجوا
الدين، الذين ينطلقون من أدلجة
الدين على إنها هي الدين عينه،
حتى يتحقق لهم تنصيب أنفسهم
أوصياء على الدين، مما يجعل هؤلاء
المؤدلجين يتطابقون في المظهر،
وفي المسلكية، سواء تعلق الأمر
بمؤد لجي الدين الـيهودي، أو بمؤد
لجي الدين المسيحي، أو بمؤدلجي
الدين الإسلامي. و ضرورة التمييز
تفرضها الحاجة الملحة إلى إعتاق
الدين من الادلجة، تجنبا لأي
صراع.
إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
(1948) والاتفاقية الدولية
المتعلقة بالحقوق المدنية
والسياسية (1966) وغيرها من
الاتفاقات الدولية المنتسبة إلى
هيئة الأمم المتحدة، تعبر تعبيرا
واضحا عن علمانية الدولة وإلزام
جميع الدول المنطوية تحت قبة
الهيئة في تطبيق مبادئها في
بلادهم.
بات من الصعب في مجتمع حقوق
الإنسان العالمي، والمنظومة
العالمية التي انحدرت باتجاه
العولمة والتي تترسخ مفاهيمها
يوماً بعد يوم ـ إلى أن تصل ككتلة
واحدة تدور في فلك واحد لتصل إلى
صيغة العالم "القرية"..ـ.العمل
بمبدأ؛ الدين والحكم الديني.
وباتت من الصعوبة الأقرب من
المستحيل التعايـش والاسـتمرار في
الحيـاة ككتلة منغلقة عن العالم.
لا مكان للدولة المنغلقة في هذا
العالم، ولا مكان لمفهوم الاعتماد
على الذات، ولا حياة للحكومات
المستبدة..
لم يبق للدين سوى العقيدة
والشعائر شرط ألا يكون إكراها
للضمائر. بات الإيمان قناعة فردية
صميميه لا دخل للسياسة والمجتمع
فيها.
اجتماع الناس حول عقيدة دينية
واحدة لا يعطيهم الحق بفرض
إيمانهم على الآخرين أو توجيه
السياسة والمجتمع حسب معتقداتهم.
هذا "الطغيان" الديني سوف يؤدي
إلى اضطهاد غير المؤمنين بهذا
الدين والى عصبية تضر المجتمع
والدين معا. يُصبغ المجتمع ككل
بصبغة دينية ضيقة الأفق ويصبح
الدين ومؤسساته بؤرة لإرهاب الناس
والتعدي على ضمائرهم وحرياتهم
العامة.
----------------------------------------------------
| | | | | |