|
طبائع السياسة السورية
هجار
عبدو
لا شك أن السياسة السورية ، وعبر حزبٍ ذو
طابع شمولي بقيادته للدولة والمجتمع ، غير
قادرة على مراجعة ذاتها ، فهي عاجزة عن
إيجاد أي حل عادلٍ وديمقراطي للقضية
الكردية في سوريا ، بل وتنكرت ولازالت
للحقيقة الكردية كثاني أكبر قومية في
البلاد لها حقوقها المشروعة .
واعتبرت مطالب الأكراد في العيش بكرامتهم
والتمتع بحقوقهم الإنسانية والثقافية
والسياسية المشروعة أسوة بشركائهم
الوطنيين مطالب من شأنها أن تهدد أمن
سوريا واستقرارها ، فعملت على تعميق
المعاناة بإبقائها وحفاظها على وضع
المجردين من جنسيتهم السورية ، وأبقت
المسألة في جو ضبابي مخيف مما أدى إلى
التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ،
هذه السياسـة التي خلقت لدى الناس جذور
الرعب إزاء النمطية ، التي لا تعترف بلغة
الحـوار والديمقراطية والتي دفعت الناس في
الآونـة الأخيرة نحو ردود أفعـال عنيفة
حيال واقع الحرمان والإنكار والفقر .
وقد تتهيأ للاستفحال أكثر في المستقبل إن
لم تعمل السلطة بشكل واضح وجاد وتحتكم إلى
الديمقراطية في حل قضية شعب عانى كثيراً
وطويلاً من الغبن والإجحاف بحقه الإنساني
والوطني .
إن هذه الممارسات اللامنطقية من بعض
الجهات في السلطة بحق الأكراد والتي لم
تستطع أن تتجاوز عقليتها الشوفينية بعد ،
أثبتت عدم جدواها ولا تؤدي إلا إلى سلبيات
مختلفة في العلاقات التاريخية بين الشعبين
المتآخيين العربي والكردي ، ونتائجها ظهرت
تماماً في أحداث القامشلي ، بالإضافة إلى
أنها تأخذ منحى الازدواجية في التعاطي مع
مسألة الشعب الكردي في سوريا ، فمن جهة
أقر السيد الرئيس بشار الأسد بالوجود
التاريخي للشعب الكردي أي غير العربي تحت
راية هذه الدولة ، وذلك من خلال مقابلة مع
قناة الجزيرة في وقت سابق حيث قال : إن
الشعب الكردي جزء أساسي من النسيج السوري
العام ، ومواصلة سياسة التعريب من جهة
أخرى ونفي وجود هذا الشعب بشكل منهجي
تعسفي . ومن هذا يتضح أن جهات رسمية في
السلطة البعثية وضعت موضع اهتمامها البالغ
تحطيم وطمس الشخصية والهوية الوطنية
والقومية الكردية ، والتي هي إحدى أقدم
القوميات والشعوب التي استقرت في المنطقة
وساهمت بكل قواها في الماضي والحاضر في
عمليات البناء والتطوير والدفاع عنها
مساهمة بناءة مشرفة ، ورغم ذلك كله فالكرد
لا يزالون يتمسكون بوطنيتهم بشتى الوسائل
في مواجهة السياسات الشوفينية المتبعة
بحقه حتى على مستوى المناهج التعليمية .
وعلى سبيل المثال ( كتاب القراءة للصف
الأول الابتدائي ) الذي يعبر عن عقلية
البعث الوراثية بمضمونها والتي لا تحترم
ولا تبالي حتى بتصريح الرئيس القاضي
بالاعتراف بالنسيج العام والذي يشكل الكرد
جزءاً منه ، فما جاء في الصفحة (16) "عيد
المعلم العربي " يبعث على السخرية حقاً إذ
يقول "عاش علم العرب" ، ألم يكن من الحكمة
والعقلانية أن يعترف هذا الكتاب المنهجي
بحقوق الطفل الكردي الملزم بحمله ودراسته
؟ .
ثمة أسئلة تطرح نفسها في هذا السياق : ألا
يمارس التمييز بهذا الشكل بحق الشعب
الكردي لغوياً وقومياً ؟ .
ألا تنتهك سوريا الأم حقوق أبنائها الكرد
؟ .
إذا كان العلم كما يقول الكتاب علم العرب
وحدهم ، فكيف يسمحون لأنفسهم اتهام الكرد
بالتآمر لتقطيع جزء من الأراضي السورية ؟
.
أليس من المفروض أن العلم هو علم سوريا
كلها بعربها وكردها وجميع طوائفها
وقومياتها الأخرى ؟ .
إن دستور البعث القائم على تجاهل القوميات
الأخرى داخل حدود سلطتها ، دليل واضح على
استمرار السياسة الإمحائية التي تتبعها
السلطة لطمس الوجود الكردي وتعريبه .
ومما لا شك فيه أن هذه السياسة الرعناء
قاسية بحق الشعوب والتآخي والعلاقات
والوحدة الوطنية والنسيج السوري العام ،
وأن الإنسان وليد طبعه الماضي وللوراثة
أثر عظيم فيه حتى وإن تغير .
|