|
تشير معظم استطلاعات
الراي حول حظوظ الأحزاب
السياسية التركية في
الانتخابات البلرمانية
التي تجري اليوم بتقدم
حزب العدالة و التنمية
على منافسيه بنسبة ترجح
حصوله على 40% من الأصوات
, يليه حزب الشعب
الجمهوري المعارض بفارق
لا يقل عن 12-15% .أما
الوجوه السياسية الجديدة
التي يرجح دخولها
البرلمان تتمثل في حزب
الحركة القومية الذي
يتزعمه دولت باهجلي بنسبة
تتراوح بين 10 -15 %,
إضافة إلى المرشحين
المستقلين الذين يعتبر
الأكراد الأوفر حظاً في
الحصول على ما لا يقل عن
25 مقعداً في البرلمان من
أصل 550 . في ظل هذه
التجاذبات السياسية و
تكهناتها , كيف يمكن
قراءة تصريح أردوغان
الأسبوع الماضي عندما هدد
بأنه سيعتزل العمل
السياسي في حال عدم تمكن
حزبه من تشكيل حكومة
بمفرده ؟
رغم أن المعارضة التركية
اعتبرت هذا التصريح الذي
وجهه أردوغان لأنصاره من
باب "اللغو السياسي" و "الدعاية
الانتخابية" لا أكثر ,
إلا أن المعطيات الأولية
تشير إلى غير ذلك , ففي
حال عدم تمكن أردوغان
تشكيل حومة مفردة(غير
ائتلافية) فإن برنامج
الاصلاحات الذي بدأه منذ
خمس سنوات بما يؤهل تركيا
للدخول إلى الاتحاد
الأوروبي سيتوقف أو يتم
عرقلته , وبالتالي اعتزال
الإصلاحات اضظرارياً هو
الوجه الذي قصده أردوغان
من "اعتزاله السياسة" .
وفي كل الأحوال قد نجد
المشهد اللبناني يتكرر في
تركيا بصورة أخرى.
ولتوضيح ذلك لا بد من
إلقاء نظرة للنظام
الانتخابي التركي , في
الانتخابات الماضية
فازت"العدالة و التنمية
ب34% من الأصوات , وبسبب
النظام الانتخابي المعقد
و المجحف الذي يشترط دخول
أي حزب سياسي البرلمان
حصوله على 10% من مجموع
الأصوات على الأقل , فحصل
أردوغان على 66% من مقاعد
البرلمان. ففي مدينة
دياربكر مثلاً حصل حزب
العدالة فقط على 29% من
الأصوات لكنه أخذ معظم
مقاعدها في البرلمان لأنه
كان الحزب الثاني في
المدينة بعد حزب الشعب
الديمقراطي (الكردي) الذ
لم يستطع تخطي عتبة ال10%
على مستوى تركيا.
لكن اليوم الوضع مختلف
تماماً,فدخول أي حزب أو
كتلة مستقلة إلى البرلمان
يحول دون استفادة حزب
أردوغان في المناطق التي
يسيطر عليها القادمون
الجدد إلى البرلمان ,مثل
منطقة جنوب شرق البلاد
التي تدين بالولاء
للمرشحين الأكراد فيما
يعتبر حزب العدالة و
التنمية هو الثاني في تلك
المناطق ,هذا في حال عدم
حدوث مفاجآت أخرى مثل
تمكن الحزب الديمقراطي (يمين
وسط) الذي يتزعمه وزير
الداخلية الأسبق مهمت
آغار في الحصول على 10%
من أصوات الناخبين
الأتراك . وفي ظل هذه
المعطيات الأولية ,حتى لو
فاز أردوغان ب50% من
مقاعد البرلمان فإنه لن
يكون "سيد البرلمان" .سيكون
رئيس الوزراء القادم من
حزب العدالة و التنمية ,
لكن صدور القرارات و
القوانين المتعلقة
بالإصلاحات ستكون هذه
المرة تحت رحمة المعارضة
العلمانية أيضا . وهنا
نعود إلى المشهد اللبناني
الحاضر اليوم في تركيا ,
ففي كلا البلدين هنالك
أزمة دستورية متعلقة
بالاستحقاق الرئاسي , و
إذا كان اللبنانيون
منقسمين حول ملف "المحكمة
الدولية "و إقرارها ,ففي
تركيا انقسامات حول ملفات
مثل العلمانية و الاسلام
و الأكراد و الاتحاد
الأوروبي لا تقل في حدتها
عن المحكمة الدولية , وفي
كلا الطرفين هنالك طرف
يتهم آخر بالتفريط
بالسيادة الوطنية .
"الثلث المعطّل"-أو أكثر-
للإصلاحات في تركيا يلوح
في الأفق , وخيارات
أردوغان في تلافيها في
ظل المعطيات الأولية-
تبدو مؤلمة , فالكتلة
الكردية المستقلة التي من
المرجح حصولها على ما لا
يقل عن 25 مقعدا قد يكون
لها القول الفصل في ترجيح
كفة العدالة و التنمية .وحقيقة
الأمر أن الأكراد لا
يملكون خياراً آخر غير
التحالف مع أردوغان في ظل
وجود تحالف "التفاحة
الحمراء" المكون من الشعب
الجمهوري و الحركة
القومية اللذان يدعوان
إلى حل القضية الكردية
بالسبل العسكرية . ورغم
نفي أردوغان نية حزبه
مسبقاً في التحالف مع
المستقلين الأكراد وهم من
المتعاطفين مع حزب العمال
الكردستاني , إلا أن مثل
هذا الموقف سرعان ما
يتلاشى في اللحظة التي
يرى فيها أردوغان "ثلثاً
معطلاً" أو ربما أكثر تحت
قبة البرلمان . وتحالفاً
من هذا النوع سيقوم على
إصلاحات جوهرية بصدد
الملف الكردي و حزب
العمال الكردستاني تنهي
أسباب حملهم للسلاح في
وجه "الشكل الحالي
للدولة" منذ أكثر من
عشرين عاما .
الحكومة القادمة ستكون من
أهم الحكومات التي تأتي
في تركيا في ظل استحقاقات
كبيرة , فهنالك ملف
الإصلاحات غير المكتملة
المؤهلة للدخول إلى
الاتحاد الأوروبي و التي
تحتاج إلى إقرار قوانين
تستلزم غالبية الثلثين في
البرلمان .في الجانب
االآخر هنالك انفجارات
الشرق الأوسط التي تطال
تركيا , و الحكومة
القادمة إن لم تكن تملك
أغلبية اتخاذ القرار
,ستكون حكومة مشرذمة وهو
آخر ما تحتاجه منطقة
الشرق الأوسط . وهنا لا
تنسى الروائية التركية
الشابة أليف شفق تذكيرنا
بأن "جيران تركيا ليسوا
السويد و الدنمارك و
النرويج , إنما سوريا و
العراق و إيران ".
|