|
في البلدان النامية، التي مرَّت
بحروب أهلية، أو التي تعيش حالات
من الاضطراب السياسي، نتيجة
الطبيعة التوتاليتارية للنظم
الحاكمة لها، تتعرض مجتمعاتها
لحالات إتلاف عميقة، من شأنها
تغييب دور المتجمع في صناعة
الدولة، بجعل المجتمع في خدمة
الدولة، بدلاً أن تكون الدولة في
خدمة المجتمع، عبر إنتاج وإنضاج
سلطة الرأي العام في الحياة
السياسية والاقتصادية والثقافية.
وبذلك، يتمَّ تعطيل دور ووظائف
مؤسسات الدولة، وجعلها حكراً على
مصالح جهة أو شريحة أو فئة قومية
أو أثنية او دينية أو طائفية
معينة، دون غيرها. ولضمان بقاء أو
ديمومة "الدولة المعطَّلة" أو "الدولة
المصادرة"، يجتهد النظام الحاكم
لها، بسن القوانين الاستثنائية،
وإعلان حالات الطوارئ والأحكام
العرفية، التي تبرر استباحة
القبضة الأمنية لحيوات الناس،
بداعي الدفاع عن المصالح القومية
والوطنية العليا للشعب. ولا يمكن
أن نتحدث في بلد محكوم بهكذا
قوانين، إلا عن بقايا دولة وأنقاض
مجتمع. وهنا تبرز أهمية منظمات
المجتمع المدني اللاحكومية،
لتفعيل وتصويب وإنعاش العلاقة بين
الدولة والمجتمع، بجعل الثانية
رقيبة على أداء الأولى، وجعل
الأولى في خدمة الثانية.
مع استلام الدكتور بشَّار الأسد
لسدة الرئاسة السورية، تفاءل
السوريون خيراً، بقرب طي صفحة
طويلة من تاريخ سوريا، كانت فيها
القبضة الأمنية هي الآمرة الناهية،
وفتح صفحة جديدة، عنوانها العريض
"الانفتاح على الداخل، والسير
بخطى جادَّة نحو الإصلاح السياسي،
وتوسيع هامش الحريات العامة، وطي
ملف الاعتقال السياسي...الخ"،
بخاصة، بعد خطاب القسم للرئيس
السوري أمام مجلس الشعب. وبالفعل،
بدأت تباشير هذا التفاؤل تظهر
للعيان، عبر إتاحة الفرصة
للمنتديات السياسية والثقافية،
وبعض الجمعيات الناشطة في مجال
حقوق الإنسان، ما خلق مناخاً
مشجعاً لنشاط في الحراك المدني،
فسمِّيت هذه الحقبة القصيرة
بـ"ربيع دمشق". وسرعان ما انزلق
النظام للوراء، بإغلاق المنديات،
وتضييق الخناق على النشطاء
السياسيين والحقوقيين، وزجِّ
العديد منهم في السجون، بحجَّة:"
إن نشاط هؤلاء، يهدف للنيل من
هيبة الدولة، وإضعاف الشعور
القومي..."، فضلاً عن اتهامهم
بالارتباط مع "أجندات خارجية"
تآمرية..!؟. وعليه، تحوَّل نشاط
منظمات المجتمع المدني، وخاصة،
المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان،
من الطور العلني، لـ"شبه العلني"،
فضلاً عن تكاثر هذه المنظمات بشكل
عشوائي، ما ألقى ظلالاً من الشك
والريبة وعدم الصدقية على أدائها،
الذي دخل دائرة الاستثمار السياسي
للمعارضة السورية، بشقِّيها
العربي والكردي. حيث اتسم أداء
هذه المنظمات بالتالي:
1. خضوع هذه المنظمات، لفوضى
المِزاج السياسي لتيارات المعارضة
السورية، كـ"الإسلامية، والقومية/الناصرية،
واليسارية..."، ما انعكس سلباً
على أدائها الوطني، لصالح بروز
النزعات العقائدية، على حساب
تراجع البعد والعمق الإنساني،
المفترض توخيه في حراكها.
2. كون أن الغالبية العظمى من
مؤسسي ورموز هذه المنظمات، آتون
من تجارب سياسية "فاشلة"، أو
لازالوا ملتزمين بخنادقهم
السياسية الحزبية، فقد أتى هؤلاء
بخلافاتهم الشخصية والحزبية
والعقائدية...الخ، إلى هذه
المنظمات، ما خلق جوَّاً من
التشاحن والخلاف و"الاحتراب" ضمن
المنظمة الواحدة، أدى إلى
الانشقاق أحياناً، أو الخصام بين
المنظمات، أدى إلى انزلاق البعض
منها لميادين المهاترات
والمزايدات "الرخيصة" فيما بينها.
كما يعزو بعض المتابعين لحراك هذه
المنظمات، الضعف والخلل والسلبية
في أدائها، إلى "الاختراق الأمني
لها".
3. انتقال عدوى المنظمات العربية،
إلى الكردية، والتي شأنها شأن
زميلاتها العربية، خاضعة لمزاج
الأحزاب السياسية الكردية، كونها
وليدة قرار حزبي. مع وجود فارق
نسبي لصالح المنظمات الكردية،
لجهة عدم وجود خلافات حادة بينها.
لكن، المنظمات العربية، باتت
تمتلك ما يمكن تسميته بـ"الخبرة"،
بالإضافة إلى العلاقات مع
المنظمات الدولية، ما تفتقر له
المنظمات الكردية، لكون الأحزاب
الكردية اتجهت لـ"الاستثمار
السياسي" لمنظمات المجتمع المدني
متأخِّراً، قياساً بالأحزاب
العربية.
4. رغم أن عدد المنظمات الناشطة
في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان
في سوريا، تجاوز الـ13 ، بين "منظمة
وجمعية ومرصد ولجنة ومركز واتحاد..."،
إلا إنها تبقى قاصرة على متابعة
ورصد وكشف انتهاكات حقوق الإنسان
في سوريا، بشكل يتناسب مع حجم هذه
الانتهاكات، ومع كثرة هذه
المنظمات، للأسباب المذكورة أعلاه،
علاوة على قلَّة الكفاءات
والموارد المالية، والمضايقات
الأمنية، وثقافة النشاط المدني
المدافع عن حقوق الإنسان، شبه
المعدومة، في هذه المنظمات.
5. تحوُّل هذه المنظمات إلى
وجاهات إعلانية وسياسية، لبعض
الأشخاص العاملين فيها، بغية
الاستثمار الشخصي، كأحد مستلزمات
"الوجاهة والبروَزة"، حتى ولو كان
على حساب استثمار معاناة الناس،
بداعي الدفاع عن حقوقهم.
6. اتجاه البعض للانتساب لهذه
المنظمات، بغية توثيق طلبه لحق
اللجوء السياسي، خارج سوريا، بما
يدعم زعمه:" إنه ناشط سياسي،
ومدافع عن حقوق الإنسان، وملاحق..."،
في حال لو قرر السفر أو"الهرب"
خارج البلد.
7. اتجاه البعض لتأسيس هكذا
منظمات، طمعاً في المنح
والمساعدات المالية التي قد
تأتيهم من المنظمات الأوروبية
الحكومية وغير الحكومية، أو
الدولية. ومعلوم إن عدد المشروعات
التي يموّلها البنك الدولي،
وتشارك فيها منظمات المجتمع
المدني في ازدياد مستمر، حيث
ارتفعت نسبة مشاركة هذه المنظمات
باستمرار على مدار العقد الماضي
من 21.5% من إجمالي عدد المشروعات
في السنة المالية 1990 إلى ما
يقرب 72% في السنة المالية 2003.
ويذكر أن هناك أكثر من 120 من
أخصائي مجتمع مدني يعملون في
البنك لضمان وضع آراء منظمات
المجتمع المدني محل الاعتبار، بل
وتشجيعها فيما يتعلق بالمشروعات
التي يمولها البنك. وتجدر الإشارة،
إن البنك الدولي قام، على مدار
الخمسة عشر عاماً الماضية بتمويل
ما يزيد على 100 صندوق اجتماعي في
60 بلداً بمبلغ يقدر إجمالياً
بنحو أربعة بلايين دولار أمريكي.
على ضوء ما سلف: قد يكون هنالك
دور للنظام السوري في بقاء
المعارضة السورية العربية
والكردية، ضعيفة، غير قادرة على
خلق حراك جماهيري ضاغط، لجهة
إحداث تغيير في تركيبة أو ذهنية
أو أداء السلطة السورية، فأن هذه
المعارضة، تتحمل الجزء الأكبر من
المسؤولية في أي فشل لتجارب
منظمات المتجمع المدني في سوريا.
بسبب استثمارها لهذا الحراك
الإنساني، بالدرجة الأولى، لخدمة
أجندات سياسية فئوية قومية وحزبية
ضيقة.
|