|

"في
مرايا العابرات في
المنام" ("دار النهار
للنشر" و"الدار العربية
للعلوم"، 2007) تقدّم لنا
الشاعرة جمانة حداد، ما
تمكن تسميته "القصيدة -
الرواية"،
وذلك للمرة الاولى
لبنانياً، كما أظن. أما
عربياً، فقد سبق لفاضل
العزاوي أن نشر عام 1980،
كتاباً عنوانه "الديناصور
الاخير"، مع تعريفه
بعبارتي "قصيدة - رواية".
لكن نسيج التركيب
التعبيري عنده جاء أقرب
الى النسيج الروائي، ما
يجعله تجربة أولى غير
ناجحة.
ما هي القصيدة - الرواية؟
في القصيدة كجوهر مستقل،
يتداخل قطبان: الشعر
والشعرية. والشاعر يجهد
في أن يتوسط هذين القطبين
المماثلين في منتصف
المسافة، محاولاً أن
يوفّق ولو للحظة، في دعم
ازدواجيتهما وتعدّد
أشكالهما الملازم
للقصيدة. أما الرواية فهي
حقل مفتوح على كل
احتمالات السرد الجمالية.
وعليه، فالقصيدة -
الرواية، في صيغتها هذه،
لا تفقد هويتها، وإنما
تمتح من الرواية ما يسهل
عليها هضمه، ويُغني
بنيتها، كشأن الرواية -
القصيدة التي تبادلها
بالمثل.
فكيف تجلّت القصيدة -
الرواية في "المرايا"؟
اليك ما تقوله الشاعرة في
حديثها الى جريدة
"السفير" (9/10/2007):
"كل مجموعة شعرية، هي
عندي مشروع، أخطّط له
تماماً، مثلما قد يخطّط
روائي لحبكة قصته. أعمل
على البنية، والهيكل،
والتصوّر العام، قبل أن
أشحذ همتي وأغوص في
الجوهر. ما عدت أجد نفسي
معنية بجمع قصائد متفرقة
وإدراجها في كتاب، بل
ينبغي عندي أن يكون
الكتاب "عملاً" له منطق
واحد يحرّكه، وقيمة
اساسية ينبش في تربتها
ويدور في فلكها، وبنية
متشعبة ولكن متجانسة
تتواطأ مع مضمونه وتساهم
في إيصال الرؤية الشعرية
الى القارئ".
اذاً، على غير وعي منها
ربما، قادها تخطيطها
ل"المرايا" وبنجاح، الى
ما سميته: القصيدة -
الرواية. حيث في "عملها"
هذا، ترفل القصيدة في
قطبيها، ساطية في الوقت
عينه، على ما يلائمها من
أشياء الرواية. وأهمها،
في نظري، محاولتها محو
الملل عن ملامح الشعر،
على غرار مطمح كل روائي
في الرواية. فنحن نعرف أن
الشعر، مهما جوّد في شكله
ومضمونه، يظل يحمل سيماء
الملل. فالشعر مملّ
أصلاً، وإن كان يجذب
ويستهوي بقوّة وفتنة؛
ولاسيما الحديث منه، الذي
أصبح في أيامنا يكاد يكون
سرياً، ومتداولاً بين
فئات قليلة ونخبوية، ما
جعل الرواية تتقدم عليه.
ففي حين لا يجرؤ أحد
اليوم، على كتابة قصيدة
على مثال أحمد شوقي أو
الأخطل الصغير، أو
لامارتين مثلاً، ومَن في
صفّهم، لا يُعاب في
المقابل، روائي يشبه
بلزاك أو تشيخوف أو
موباسون، بل له ملء
الحرية في التنقل بين
"الطليعية"
و"الكلاسيكية". من هنا،
ظلّت الرواية، مع السينما
والتلفزيون، شديدة
التأثّر بالحفاظ على
الاتصال بين الفن المطلق،
والجمهور المضمر من طريق
مختلف المستويات والسطوح
أكثر من فن آخر ترهّف
نهائياً كالشعر.
وعليه، فالشعر عند جمانة
حداد لغة تقول، تفعل لا
تهذي كما عوّدنا جيل،
تخرمش، تصدم، تعرّي،
تتوقّح. "لغة من النصال
الحقيقية، خناجر لا تكلّ،
تفرقع في انتساق"، على حد
تعبير أوكتافيو باث.
الشعر في "المرايا" ليس
ترفاً. إنه تحدٍّ. مبعث
للقلق. ينقضّ على اللغة
كفريسة لا كحجارة نرد.
تقول في الصفحة 46:
"إنسيْ أنك الله،
الضبابة، القلق، السجية
الأمكر من قناع، الوعد،
حضن الوعد، العشبة التي
تغيّر العالم، مثلما عشبة
وحدها تغيّر العالم...
إنزلي: اطردي خوفك
بترنيمة خافتة، اسحقي كل
قيد، ونادي ما تظنينه
القفص، والسر، واللبس، لا
تستغيثي بسوى الحجر...".
بمثل هذه الصرخة، قطّعت
الشاعرة ذاتها شذرات
شذرات. وبحس روائي،
اختارت اثنتي عشرة شاعرة
انتحرن بأساليب متنوعة،
واندست في كل منهنّ،
وراحت تفرّغ هواجسها،
وعُقدها، وشكوكها،
وأحلامها، وطلاء
"مخالبها"، ودبابيسها،
وشهواتها. كان يمكنها أن
تختار أي اسم لا تاريخ
له. لكن انتماءه الى
تاريخ ومكان وزمان، ثم
بثّ روحها فيه، قد أضفى
على هذه القصيدة -
الرواية جواً حركياً
ملتبساً بين الحقيقة
والوهم، وهو من أشد
التوترات الذهنية
التخييلية. وما زاد في
حركية هذا الجو، لجوء
الشاعرة الى "مسرحة"
ذاتها المتشظية، فكان ذلك
التخاطب الحيّ بين الأنا
- الآخر، والأنا - الذات،
في لعبة جدلية مأسوية.
"-
ها قد نمتُ وانقسمت. جسدي
شرخ ظِلٍّ صار. وصارت
يدي، الشفافة يدي، تكسر
النهر، وصرت أنشطر. وأظل
كاملة. وأتفكّك. وأظلّ
كاملة. وأتفتت. وأظل
كاملة. وأنقص. وأظل
كاملة... وصرت بنفسي أبدأ
نفسي. لا توأم لي. لا
صنو. لا اصل أصلاً".
"-
بعدما نمتِ أصبحتِ أنتِ
جريمتك
وأصبحت الدم وما يبقّعه"
(ص64-65).
وهكذا، على شذرات هذه
الأنا، ارتفعت أعمدة هيكل
القصيدة الثلاثة: الموت
والمرآة والانتحار.
تقول الشاعرة حداد في
المطلع الاول: "اشتهاءً
أشتهيك أيها الموت. يا
ثور الهداية الأعمى. يا
من تحرث نومي كل ليل. يا
من تراوغني وتصارعني
وبالاحمر التراب تمرّغني.
يا سيد الضوء الاسود
وممتحن الاحلام. يا جثة
تشتعل في جثّة وكوناً
يمرّ من عين العدم. يا من
تجعلني صنماً في الصباح
لتخرّ أسفل قدميّ وتتخشّع
لي. يا بائع الألسنة
الحامضة اشتهاءً أشتهيك
فاستجب شهوتي".
يبدو لي أن مجابهة
شاعرتنا للموت بهذا
الشبق، ليس سوى مظهر من
مظاهر شدّة حبها للحياة.
"الموت مرآة الحياة"،
يقول يسبرز، و"الحب لا
يكون عذباً حقاً الاّ في
الموت"، يخبرنا نوفالس.
فالمرء الذي يغوص في صميم
الحياة ويتذوّق جوهرها،
إنما هو ابن الحياة،
القوي بحبها الكبير له،
الذي يشعر بأنه يمتلكها
كما تمتلكه. مثل هذا
المرء كيف له أن يهاب
الموت؟
تقول شاعرتنا محذّرة
قارئها من بداية المشوار
معها:
"حلّ
من اثنين: إما أن تهرب.
وإما أن تدجّن موتك.
لا يُقرأ هذا الكتاب الاّ
بالتدجين".
هل يمكن أن يصدر مثل هذا
القول عن انسان ضعيف؟ وهل
يمكن أن يمارس التدجين -
لأي شيء كان - الاّ
الاقوياء الذين يحملون
ملء جوانحهم أعراس
الحياة؟ وحدهم الضعفاء،
وكارهو الحياة،
والمتبرمون من واقعهم،
والغارقون في فراغ
المصير، وحدهم يخافون
مجابهة الموت، لأنهم
يفتقدون أمومة الحياة.
أرى أن شاعرتنا، إذ
تدعونا الى تدجين موتنا،
إنما تدعونا الى حب
الحياة. ولكن بصورة
مواربة، على مذهب الشعراء
عادة، الذين يأنفون سلوك
الدروب المستقيمة. إقرأ
كيف تتهيّأ لاستقبال
الموت:
"شلواً
شلواً أخلع ثيابي
وأشيائي. بالحذاء أبدأ
وأولاً بالقدمين. أرفع
اليمنى لأثبتها على فخذك
اليسرى... بحبّات الكرز
العشر ألوّح وجهك وصدرك
والجبين يا موت. بالكرز
نفسه أمرّغ شفتيك
الرطبتين. الى تحت أيتها
الاصابع. الى تحت أيها
الفاحش الموت. الى تحت
أيها الأزعر الشبق
الموت... وبعد أيها
الموت. أُلصق بشفتيك
شفتيّ وأمتّعك كاملاً
أيها الشقيّ الموت. ثم
تشدّني من شعري وتُجلسني
على جسدك وتأخذ. (بالقوة.
دائماً بالقوة. ليس أمتع
من العنوة يا موت)"(ص14).
أو قولها: "جنسٌ هو
الموت، نعم، يلهث الشريان
المشدود عند ملتقى
الفخذين، نابضاً كلما
فكّرت في الموت، مثلما
ينبض كلما في الجنس
فكّرت"(ص15).
بهذه الحفاوة الجريئة
تستقبل شاعرتنا الموت -
الجنس أو الجنس - الموت.
وهل الجنس سوى الحياة؟
وهل الحياة والموت معاً
سوى الجنس في ذروة لذّته،
أي في موته لانبعاث
الحياة؟ إن ذكور النحل
تلاحق الملكة حتى أعلى
الفضاء. والذكر الذي
يتمكّن من لقاحها يسقط
جثّة هامدة.
ولعل الكلمة الفصل هي عند
هايدغر حيث قال: "إن الحد
النهائي المطلق لمستقبلي،
من شأنه أن يكشف لي عن
البناء الحقيقي للامكانات
الواقعية التي أجدها في
قرارة نفسي. ففي ضوء
الموت، لا بد من أن أجد
نفسي ملزماً مواجهة ذاتي
في محيط واسع ينكشف فيه
أمامي كل شيء. ومعنى هذا
أنني لا أرى نفسي ككل،
الاّ حينما يكون الموت
أمامي وجهاً لوجه. وليس
من شأن فكرة الموت أن
تزيد من حدّة شعوري
بفرديتي فحسب، وإنما من
شأنها ايضاً أن تكشف لي
عن صميم وجودي في كليته
المحدودة" (مقتطف من:
"تأملات وجودية"، لزكريا
ابرهيم).
والآن، لنحاول أن ندخل مع
الشاعرة "مراياها" التي
استطلعتها، كأنها نسخ من
المرآة السحرية المحدّبة
التي كانت في حوزة
فيثاغورس، أو من مرايا
الهرمسيين التي كان
يتراءى لهم فيها الماضي
والحاضر والمستقبل. تقول
شاعرة "المرايا":
"حتى
اللبّ أدخلها، المرايا.
هناك في رحمها التي منها
خرجت، أتعلّم لعبة موتي"
(ص26).
إنه مثال لغنى "المرايا"
بأبعاد التركيب التعبيري.
فما هي هذه المرآة التي
تعلّمنا لعبة الموت؟ في
كتاب "التحليل النفسي
للشيطان" لروزيت دوبال
جاء: "إن المرآة تلعب
دوراً كبيراً لدى كل
الذين يتنبّأون
بالمستقبل، لأن في
إمكانها أن تكشف الاشياء
المخفية. وفي حكاية
"بلانش - ناج" كانت زوجة
أبيها الشرسة، ترصد في
مرآتها السحرية قناعاً
مرعباً ذا عينين فارغتين،
قاسيتين، باردتين، بلا
حياة، جامدتين
ومتحرّكتين، تماماً كروح
الملكة، قرينتها
الشيطانية". ومن الترهات
الشعبية في القديم، أن
المرآة هي باب مفتوح على
العالم اللامرئي، ولاسيما
عالم الموتى. وفي فترة
الحداد، كان الناس في بعض
المناطق يحجبون المرايا
في المنزل، لئلا روح
الميت التي لا تزال تحوم
حول الجثة، تجتذب
كالمغنطيس، عبر المرآة،
أرواحاً أخرى من المقابر
أو من المطهر حيث تتعذّب،
وتتعلّق بالاحياء.
إن العلاقة هي وثيقة
اذاً، بين المرآة والموت.
والمرآة في حد ذاتها،
مليئة بالرموز. ولكل شعب
رموزه. وشاعرتنا، بما لها
من خلفية ثقافية وجمالية،
قد أفادت من هذا الرصيد،
فكان لنا هذا "الهيكل
البلوري" الذي، من حيث
جئته، يفاجئك بانعكاساته.
تقول المرآة لشاعرتنا:
"الى موتك الناضج
أستدرجك". هنا المرآة
تتكلم بلسانها الشيطاني،
من وراء بابها المفتوح
على الموت. لكن ثالث
أعمدة الهيكل، وهو
الانتحار، ليس في الواقع،
سوى الفرار أمام الموت،
في رأي هايدغر. فأي
انتحار يسود هذه
"المرايا"؟ إنه الانتحار
"المعلّق". المنتحرة في
"المرايا" حرّة في أن
"تعلّق" انتحارها. لأنها
"لا تعرف أن تموت". إنها
"وراء مرآتها تنام". فلا
يصح أن نعيبها بالهرب.
وها هي شاعرتنا تخاطب
إحدى المنتحرات غرقاً:
"أي
قصائد ستكتبين في القاع؟
انزلي، انزلي، حتى لا
يعود لقاعٍ وجود. دوري
على نفسك لتبين نجوم.
الصّدَفة ستفترّ. والعالم
داخل الصدَفة؛ العالم
عارياً: حفرة بلا غطاء،
غبار رطب بلا مخالب"(ص45).
في زعم القاصّ الالماني
لودفيغ تيك أن "النوم
يضاعف عالم الظواهر،
بعالم معكوس وأجمل". وهذا
ما فعلته شاعرة
"المرايا". فمن عناصر
سويدائية كالموت والمرآة
"معلمة الموت"،
والانتحار، شيّدت لنا
قصراً جميلاً تحلو
الاستراحة بين مراياه
المتعاكسة وتُمتع.
جمانة حداد، شاعرة "تكتب
بالمرأة". لا عن المرأة.
ولا للمرأة. أكرّر "تكتب
بالمرأة"، نابضة أمامك
بلحمها ودمها، وبكل ما
وهبها الخالق من أحاسيس.
والذي يكتب بدمه، هو
الأحبّ، يقول لنا زرادشت
نيتشه.
|