|
دون كيخوت يشير بنحاسه
إلى السماء

حسين حبش مع سيرفانتس
وبطليه دون كيخوت
وسانشو ـ مدريد صيف 2007
بشهامته الجمَّة، بمهابته
التي لا تألف الأليفَ
يحثُّ دون كيخوت خطى
حصانه إلى قلب الغيوم.
حمامتان تقفان على جسده
النحيل
تدغدغان سرَّته وتنقران
ماء إبطيه.
يتململ في مكانه،
متَّقداً بالمجازفة
والكبرياء...
يتبعه "سانشو" الأبله
وحماره
تتبعه مخيِّلة الكَّون
وأتبعه أنا أيضاً،
متشبثاً بجلال خياله
الفاره،
ومداعباً بريق النُّحاس
الأسيرِ على معطفه.
محاربٌ قديمٌ قديم..
تهمهم في قلبه رماح ألف
محاربٍ لا يهابون الأفول.
يتقدم كالبرق، مشيراً
بكامل نحاسه إلى الأعلى
وكأنما هناك طواحيناً
يريد أن يحصد قلقها دونما
رأفة.
لا يستكين للريح..
لا يهادن الخوف..
ولا ينظر إلى الغبار الذي
تخلِّفه حدواتا الحصان.
خفيفاً
رهيفاً
يمتحن أعماق الجنون..
ويطعن برمحه المدبَّب
الطواحين المتكاتفة في
السماء،
محدثاً فيها ثقوباً بليغة
فينفرط عقد الغيوم ويهطل
المطر
ورعاً ومبتهجاً...
فتتبلل ثياب الكون
وتنتعش حلمات النساء
المنبثقة من قمصانها
كالنوافير.
أتَّقد أنا
يتَّقد عبد الهادي
ويتَّقد وجه مدريد الغجري
بكلِّ الألوان.
مدريد 2007
تصفيقٌ حارٌّ لمصارع
الثيران سِيْد

مصارع الثيران سيد ـ
مدريد صيف 2007
امتلأت المدرجات بالقبعات
امتلأت القبعات بالجنون
والنفير
امتلأت الشمس فوق سماء
مدريد كما لو أنها لم
تمتلأ هكذا أبداً من قبل
[أندلسيتان تجلسان
أمامنا، حشريتان وودودتان
في آن
كأنهن تمثالان مشاغبان
نحتا من خيال الكولومبي
بوتيرو
يقول عبد الهادي إحذرهن،
أنهن لبوتان! أقول: لكنهن
وديعتان.]
يندفع الثور الأخرق بكل
رعونته إلى وسط الحلبة،
ناطحاً الهواء بقرنيه،
ناطحاً السماء،
ناطحاً المناديل الحمراء
في أعلى المدرجات،
ناطحاً قلوب النساء
المبللة بالخفقان.
تصفيقٌ حارٌّ لمصارع
الثيران "سِيْد".
مائة ألف يد تصفق
خمسون ألف حنجرة تعلو
بصيحات التشجيع.
يقف "سِيْد" في وسط
الحلبة على أهبة العراك
ثم يتقدم، ويدور كبهلوان
حول الثور المهتاج
يستفزه بقماشه الأحمر
ويستدرجه إلى فخاخه
يركض الثور إليه بكل
قوته، يبقر بقرنيه الغبار
والفراغ.
يجنُّ جنونه، ويعيد
الكَرَّة المرة تلو
الأخرى.
لكن هيهات له من الوصول
إلى سَيِّد الخفَّة
والمهارة.
يلتف "سِيْد" حول الثور
كأفعوان
يضيق الخناق عليه ويسدِّد
بسيفه إلى ظهره
فيخور الثور على الأرض
بلا خوار،
لا حول له
ولا قوة...
ولا نَفس.
تصفيقٌ حارٌّ لمصارع
الثيران سِيْد.
مائة ألف يد تصفق
خمسون ألف حنجرةٍ تعلو
بصيحات الامتنان.
[الأندلسيتان ما زالتا
تجلسان أمامنا، حشريتان
وودودتان في آن
كأنهن تمثالان مشاغبان
نحتا من خيال الكولومبي
بوتيرو
لبوتان شرستان، لكنهن
وديعتان.]
أقولُ لعبد الهادي: أنا
صفَّقتُ للأندلسيتين.
يقول: وأنا أيضاً.
مدريد 2007
|