
المستقبل - الاحد 16
أيلول 2007 - العدد
2735 - نوافذ - صفحة
11
انتهى ماراثون
الاستحقاق الرئاسي في
تركيا بنجاح نوعي
حققه حزب العدالة
والتنمية في إيصال
وزير الخارجية عبد
الله غول إلى معقل
العلمانية التركية "القصر
الرئاسي". غول
هوالرئيس الحادي عشر
لتركيا، والرئيس
الخامس القادم من
خارج المؤسسة
العسكرية، يواجه
تحديات كبيرة خلال
فترة رئاسته التي
ستمتد خمس سنوات
قادمة.
على الصعيد الداخلي
لا بد من وضع إطار
سياسي تتمكن فيها
مؤسسات الدولة
المدنية (الرئاسة،الحكومة،
البرلمان) التي يسيطر
عليها حزب العدالة
والتنمية من التكيف
مع هزيمة المؤسسة
العسكرية.. وجاء تعهد
الرئيس غول فور
انتخابه بحماية
الدستور ومبادئ
العلمانية التي قامت
عليها تركيا لترميم
موقع الخاسر الكبير "المؤسسة
العسكرية" التي دأبت
سابقاً على التحرك
الانقلابي تجاه
تحديات هي أقل من
نجاحات غول ورفاقه
بكثير. لكن هل هذا
يعني أنه تم إقصاء
الجيش عن التدخل في
الحياة السياسية عبر
الاقتراع الشعبي الذي
حمل حزب العدالة
والتنمية إلى الحكم
في انتخابات 22 تموز
الماضي ثم إلى القصر
الرئاسي؟
الواقع أنه لا يمكن
للرئاسة والحكومة
التركية التحرك بحرية
كما كانت عليه في
السابق، على المدى
القريب، بل يمكن
القول إنّ الانتصارات
المتوالية له تساهم
في وضعه بزاوية صعبة.
ومن الخطأ اعتبار
وصول إسلامي إلى
القصر الرئاسي بأنه
إطاحة بالمؤسسة
العسكرية. فباستثناء
الانقلاب الأبيض الذي
أطاح بحكومة نجم
الدين أربكان عام
1997 حيث تم الابقاء
على سليمان ديميريل
رئيساً للبلاد، شهدت
الانقلابات الثلاثة
التي سبقتها أعوام
(1960 ـ 1971 ـ 1980)
الاطاحة بكل من
الحكومة والرئاسة، ما
يعني أن القصر
الرئاسي ليس معصوماً،
إضافة إلى أن موقع
الرئاسة هوالمعقل
الرمزي للعلمانية
بينما تبقى رئاسة
الأركان التي يتولاها
حالياً يشار
بويوكانيت هي المعقل
الفعلي. وبالتالي ليس
من المرجح أن تصل
جرأة غول وأردوغان
الى التخطيط لإيصال
أحد رفاقهم الى تولي
منصب رئاسة الأركان
مستقبلاً. مثل هذه
المعادلة تجعل انتصار
الإسلاميين مصحوباً
بتنامي قلقهم أكثر
مما كان عليه الحال
يوم كان أحمد نجدت
سيزر في "قصر جنكايا
الرئاسي".
تحذير الجيش قبل
انتخاب غول بيوم واحد
من بؤر خبيثة تهدد
مستقبل العلمانية
ووحدة البلاد ينقل
التحدي إلى كيفية
معالجة الحكومة
الجديدة للملف الكردي.
فـ"غول" كرر في
خطاباته التعهد "بحماية
التنوع" وهو يشير
ضمناً إلى القضية
الكردية. في الحكومة
السابقة ذهب أردوغان
إلى ديار بكر واعترف
بالقضية الكردية
واعتبرها "قضيته". في
العهد الجديد ستضطر
الحكومة إلى التخلي
عن الكثير من جرأتها
السابقة في طرح
القضية الكردية مقابل
انتصارها الجارح على
الوسط العلماني.
ويساعد الحكومة
الجديدة في هذا
المنحى وجود النواب
الأكراد عن حزب
المجتمع الديمقراطي
في البرلمان الجديد ـ
وهو ما كان يفتقد
إليه البرلمان السابق
ـ الذين سيأخذون على
عاتقهم طرح المسألة
في البرلمان. كيفية
معالجة الحكومة للملف
الكردي تتوقف على
كيفية تعاملها مع
المؤسسة العسكرية
ودرجة استجابة
الأخيرة التي اعتادت
على القيام بحملات
عسكرية خارج الحدود
ضد عناصر حزب العمال
الكردستاني في أوقات
اشتداد الأزمات
السياسية في الداخل.
وهنا قد يدفع حزب
العدالة والتنمية ثمن
انتصاره "الرئاسي"
مستقبلاً عبر عدم
قدرته على الحؤول دون
مثل هذه الحملة
العسكرية التي يعد
لها الجيش منذ ما
يقرب من سنة بحشد
القطع العسكرية على
الحدود مع إقليم
كردستان العراق.
الثمن المرتقب يشكل
تهديداً لا يقل خطورة
عن الانقلاب العسكري،
وهو خسارة القاعدة
الشعبية الكردية لحزب
العدالة و التنمية
التي حصدت 53% من
أصوات الناخبين
الأكراد، في الوقت
الذي أقصى فيها
أردوغان وزير
الداخلية عبد القادر
أكسو الشخصية الكردية
المتنفذة عن تشكيلته
الحكومية الجديدة،
الأمر الذي يقلص فرصة
حزب أردوغان الفوز
ببلدية دياربكر التي
تحمل مغزى رمزياً في
غاية الأهمية في
الانتخابات البلدية
المقبلة. مثل هذه
التناقضات السلبية
التي يحملها انتصار
غول بمنصب الرئاسة
لها دور حاسم في بقاء
الجيش بعيدا عن
التدخل المباشر في
الوقت الحالي، لكن
المؤكد أن لدى الجيش
الكثير من الأوراق
لقلب فوز الإسلاميين
بمنصب الرئاسة إلى
حالة حصار على
برنامجهم السياسي
الداخلي.
على الصعيد الخارجي
يملك حزب العدالة
مساحة واسعة للتحرك
خارجياً دون الشعور
بخطر المؤسسة
العسكرية كما في
الملفات الداخلية،
فتعيين أردوغان لوزير
الخزانة السابق علي
باباجان وزيراً
للخارجية وإبقاؤه
المسؤول عن مفاوضات
العضوية مع الاتحاد
الأوروبي تعطي عملية
دفع إضافية للمساعي
التركية بهذا الخصوص،
ولقيت الحكومة
الجديدة ترحيبا واسعاً
من الأوروبيين على
أمل إيفاء تركيا
بالشروط التي تؤهلها
للانضمام. لكن
المشكلة تبرز عندما
ترتبط هذه الشروط
بملفات تركيا
الداخلية. ولن يكون
أمام حكومة أردوغان
سوى تقسيط الإيفاء
بالشروط الأوروبية،
وسيكون عليها إرضاء
الجيش والعلمانيين في
الداخل والأوروبيين
في الخارج عبر تأجيل
حسم المسألة الكردية
أو حتى إحالتها إلى
المؤسسة العسكرية
والأمنية بعدم عرقلة
عمليات محدودة ضد
عناصر "العمال
الكردستاني" خارج
الحدود مقابل التقدم
في حسم الملف القبرصي
مع الأوروبيين.
أول التعديلات
الدستورية التي يتطلع
إليها حزب العدالة
ستستهدف المادة 301
من قانون الجزاء
التركي المثير للجدل
والذي ينتهك حرية
التعبير بذريعة "إهانة
الهوية التركية"،
وهوما يتطلع إليه
النواب المستقلون
أيضا في البرلمان.
ويعد تعديل هذه
المادة من الشروط
الأساسية التي يريد
الاتحاد الأوروبي من
الحكومة الجديدة
الإيفاء بها.
التوجه التركي نحو
أوروبا لا يقطع صلتها
بالشرق الأوسط،
فالأحداث التي تشهدها
المنطقة منذ سقوط
النظام العراقي جعلت
تركيا أكثر شرق
أوسطية، لا بسبب
الحكومة ذات التوجه
الاسلامي فحسب، بل
لتغير البيئة الأمنية
المحيطة بتركيا. خطر
قيام دولة كردية
مستقلة في شمال
العراق أطاحت
بالخلافات
الأيديولوجية بين
تركيا وإيران وسوريا.
ونفذت الأولى
والثانية عمليات
عسكرية مشتركة ضد
معاقل حزب العمال
الكردستاني مرات
عديدة. وتسعى أنقرة
الى التخلص من حزب
العمال بالتعاون مع
طهران قبل أي انسحاب
أميركي من العراق،
لأن البلدان سيشهدان
تنافساً على النفوذ
الاقليمي بعد
الانسحاب الأميركي
المستقبلي من هذا
البلد، والذي تعهد
الرئيس الإيراني
أحمدي نجاد بملء
الفراغ في حال تحقق
الانسحاب الأميركي،
وهو ما يحتم على
تركيا إبعاد إيران عن
الفراغ المجاور لها
والمتمثل بإقليم
كردستان ووسط العراق،
والتعاون الخفي بين
أكراد العراق وإيران
الذي ترك أسئلة عديدة
بعد اعتقال عناصر
إيرانية في أربيل على
يد القوات الأميركية
يأتي في إطار المساعي
الكردية الحصول على
تأييد طهران تطبيق
المادة 140 من
الدستور الذي يمهد
لضم كركوك إلى حدود
كردستان.
وفي حال بقاء الفراغ
السياسي في لبنان
قائماً، فإن أنقرة
ستبحث عن سبل متميزة
لدور بنّاء تلعبه بعد
مشاركة كتيبة من
جنودها في قوات
اليونيفيل. وقد اكتفت
أنقرة حتى الآن ببعض
الوساطات ولم تقدم
مبادرة للتوفيق بين
الأطراف اللبنانية.
وسيعاصر الرئيس غول و
رئيس الحكومة أردوغان
الانتخابات الأميركية
التي يرجح فيها نهاية
عهد المحافظين الجدد
برئاسة بوش، والتي
شهدت العلاقات
التركية ـ الأميركية
مرحلتها الأكثر
تدهوراً في ظل هذه
الإدارة التي ساءها
كثيرا رفض البرلمان
التركي فتح أراضيها
للانطلاق منها
للإطاحة بنظام صدام
حسين. وسيكون على
أردوغان مواجهة
انعكاسات إقرار
الكثير من دول العالم
بحدوث "إبادة جماعية"
بحق الأرمن عام 1915
إبان فترة الدولة
العثمانية، ومؤخراً
شابت العلاقات مع
اسرائيل بالتوتر بعد
إقرار رابطة مناهضة
التشهير للوبي
اليهودي في أميركا
بـ"الإبادة الأرمنية".
ومثل هذا الموقف
سيكون له ثمن تدفعه
إسرائيل ـ في حال عدم
عرقلة هذه الخطوات من
قبلها ـ قد تترجمها
تركيا عبر التعاطف مع
حركة حماس التي سبق
للرئيس الحالي "غول"
أن دعا خالد مشعل
لزيارة تركيا عندما
كان وزيرا للخارجية.
الأقلية ومسدس
الجنرال
يروي بوراك بكديل،
الكاتب التركي، أن "قصة
نجاح أردوغان هي قصة
نجاح الأتراك السود
على الأتراك البيض"،
المقال الذي نشره
بكديل في كانون الأول/
ديسمبر 2005 تساءل
أيضاً: هل ستحرص
أوروبا يوماً ما على
حقوق الأقلية البيضاء
في تركيا؟ بعد
الانتخابات شعر
فرانكو فراتيني نائب
رئيس المفوضية
الأوروبية بالحاجة
للإجابة على التساؤل
بقوله "على تركيا
الحرص على حقوق
الأقلية العلمانية".
الأحداث التي تشهدها
تركيا والمنطقة
والعالم تحتاج إلى
حكومة من النوع الذي
يقوده أردوغان ودولة
يرأسها عبد الله غول،
لكن وجود مؤسسة
عسكرية بهذه العقلية
"الوصائية" على
الدولة والمجتمع،
سيعرقل الكثير من
أجندة حزب العدالة "الإصلاحية"
أو حتى التراجع عن حل
قضايا ملحّة مثل
الملف الكردي. من هذا
المنطلق لا يمكن
اعتبار فوز غول بمنصب
الرئاسة مع زوجته
المحجبة انتصاراً
للبرنامج السياسي
الذي يسعى هو ورفاقه
لتحقيقه، دون نزع
الرصاص من مسدس
الجنرال.