|
نحن أمة معرفة منذ دولتها
الأولى، بها تعرفنا على
أنفسنا ومنها نشتق راهننا،
لأننا تعرفنا فيها على
ذاتنا ونحن في أوج
إمبراطوريتنا-الخلافة
الإسلامية، لم نتعرف على
أنفسنا قبل دولتنا
هذه!كنا قبائل وعشائر
وإقطاعيات،منها ما هو
خاضع لإمبراطوريات أخرى!
نرثها، نلوك لغتها دون أن
نضيف طعما جديدا لها،
وتعريفنا لم يأتي من حضور
في الحاضر، وإنما لازال
رهين دولتنا، التي انسحبت
من التاريخ بفعل التاريخ
نفسه، سواء بلبوس ديني،
أو بلبوس وضعي! النتيجة
واحدة، هي انسحابنا من
هذا التاريخ. و لم يعد
لنا تاريخ سوى ما مضى وما
لم يأتي بعد. والذي ما لم
يأتي بعد هو ما مضى،
استعادة ذهنية محمومة حتى
درجة الخصاء. ومن له
القدرة على الخصاء سوى
الله عز وجل أو فعل
السياسي فينا، و الخصاء
موت التجدد، إيقاف للحياة،
دورانها لم يعد مجديا
خارج، تصورنا الراسخ رسوخ
دولة في التاريخ! ذهبت
ولم تعد، ولازالت فينا
مستقرة، لغة ابن منظور-
لسان العرب- أو مقال ابن
رشد-فصل المقال- أو
ترسيخا لاستيراد يبوتقه
السياسي براهنيته الفاسدة
أصلا. فالإسلامي
والعلماني، القابضون
بمحراب الأصالة و دعاة
الحداثة المشروخة بآليات
استيرادها بمعزل عن
بؤرتها السياسية،
فالمستورد يتحول بقدرة
قادر إلى منتج من عندنا،
كيف وبأية آليات يتم ذلك!؟
هذا نراه بأل التعريف
التي عرفتنا وتعرفنا بها
على العالم، والتي هي
قرآنية بامتياز! والقرآني
منذ أن خبا بريقه اللغوي،
ولم يعد له حاملا سياسيا
على مقاسه، والأمة ضائعة،
مطحونة في دوران الوهم عن
الذات- هذا ما يقوله دعاة
السلف والأصالة. دون أن
يتعاملوا مع القرآن بوصفه
نصا، فهو تاريخي بامتياز،
وابن شرعي لتاريخه الخاص.
إنه بقداسته هذه يضج
بتفاصيل تاريخه. وهو معرف
بذاته! دون أن يكون عصيا
على الفهم. ولأنه كذلك،
فهو معرف تماما، والمعرف
تنتهي صلاحيته عند حدود
السياسي، أو يستمر العمل
بمقتضاه التعريفي نتيجة
لرغبة هذا السياسي نفسه.
لهذا السياسي يدور بنا
وفينا في نفس المكان. إنه
دائرة الاستبداد المغلق،
على ما عرفنا به- كخير
أمة أخرجت للناس- ولن
يصدقنا أحدا أننا غير ذلك،
متابعة سريعة خاطفة لما
نكتب وندور في فلكه
علماني كان أم إسلامي،
أصولي أم حداثي؟ إنها نفس
المحمولات اللغوية
المحتجزة بفعل الأصالة
التي يتمتع بها السياسي،
السياسي الذي اخترق أصغر
خلايانا ولازال، بعد أن
قبض على القلب فينا.
وأصبح نبضه هو نبض
السياسي نفسه. في المنابر
الإعلامية الخليجية نحن
ديمقراطيون وليبراليون،
وفي الإعلام غير الخليجي
نحن قوميون سلفيون.
والإعلام هو جوهر السياسي
الوضاء وليس المنير في
هذا الزمن. إننا فيه
معرفون بالسياسي لدينا،
لا يوجد لدينا ما يعرف
بنا خارج دوائر السياسي/
الحكومات، هل يوجد لدينا
تضامنات مدنية تتحرك خارج
دائرة التعريف السياسي
نفسه؟ خصوصا بعد أن التهم
الضلع الأمني المخابراتي
بقية أضلاع السياسي، بما
فيه الضلع المالي الممول
لكل نشاطات إعادة إنتاج
نفس الدائرة من الدوران
في المكان الذي رسمه لنا
هذا السياسي، الذي أتى
بغفلة من عقلانية غائبة
عن رجل مريض! ألم نعترف
ولازلنا نعتبر جميعا أن
الغرب قد ورث ما لدينا من
رجل مريض؟! كان اسمه
الإمبراطورية العثمانية؟
وهل لدينا بعد تحلل الرجل
المريض إلى أجزاءه
المفتتة أصلا؟ هل لدينا "السياسي"
أي سياسي غير السلطة،
التي تغولت بفعل عدة
عوامل أهمها السياسي
الدولي على المستوى نفسه
وفي سياقاته المتحاربة
على الثروة وإعادة إنتاج
الحضارة الراهنة بكل
منجزاتها و آفاق هذه
المنجزات، حيث التحولات
فيها لم تعد كمية بل
نوعية في قفزاتها
المتواصلة نحو نيرفاناها،
كما انطلقت مع عصر
التنوير الغربي، الذي
أصبح عصرا للبشرية كلها،
فهل سنبقى نتوارى خلف
تجربتنا التي تعرفت
وتعرفنا بها على ذاتنا
القومية والإسلامية؟
أل تعريفنا هي تخصيص،
والتخصيص هو معرفة حدود،
أو تحديد للمعنى قبل
المسمى، لا نقول قرآن في
هذا السياق، لأنه لا يوجد
قرآن آخر، نقول القرآن
الكريم. لا نقول أمة! بل
الأمة، يكفي أن نضيف أل
التعريف على المفردة هذه
حتى يعرف المرء عن أية
أمة نتحدث! إننا
الأمة..وينتهي بعدها أي
أفق. دعاة علمنة أم دعاة
دين، لنا نفس اختبار
المعنى، الذي لم ينفك عن
لغتنا حتى اللحظة. نمارس
فيها نوعا غير مختبر بعد
من التقية والباطنية!
التي اختبرت وتختبر الآن
في العراق! وهنا أتحدث
سوريا. من خلال توارينا
خلف( خلافات معرفية،
نظرية ) وجذر خلافنا
سياسي، حياتي، معاش. أبدا
ليست لدينا سلط مبعثرة في
مجتمع ديمقراطي! لدينا
هامش لسلطة مركزية واحدة
ابتلعت أغلب مساحاتنا
وتستمر في ابتلاع هوامشها
أيضا- حال الاقتصاد
السوري الآن، يتصدرها
السياسي بامتياز.
والسياسي معرف نفسه بلا
حياء ولا خجل، لكننا في
مأزقنا الذاتي، نحاول أن
نتهجاه من جهات، لا تمسه،
ولا تستطيع أن تجعله
مبعثرا في سياقاتنا
الاجتماعية. من يقرأنا
نحن السوريين الآن في
الوطن والمهجر، يجد
مناظراتنا، أو ما تسمى
حواراتنا، تحيل أي قارئ
براني، إلى انسداد أفقنا.
تبحث خلف هذه الأسطر من
المدونات النظرية تجد أن
السياسي، مسحوب منا! نحن
ليس لنا صوتا! ونحن لا
نقرر أي شيء يخص مصيرنا،
نحن نبحث فرديا عن أدوات
عيشنا. ونعيش على هوامش
الحدث، الذي يعيد تجديد
دماء سلطته فينا، في
لغتنا، في مبارزاتنا
اللغوية والمعرفية
والإيديولوجية. وهنا يحضر
المرء ذكرى جراء شلال
الدم العراقي: إن المتابع
لحوارات المعارضة
العراقية قبل عقد من سقوط
صدام حسين، معارك بين
علمانيين وبين سلفيين،
بين أصوليين و حداثيين،
بين ليبراليين وشيوعيين.
أين أصبح كل هذا الركام
الآن؟ السياسي حولنا إلى
ركام. السياسي الذي يصل
إلى الأجيال الشابة كما
هو بلا تحريف: بالروح
بالدم نفديك! وفي هذا
الضجيج لا مكان إلا
للتلقي. نحن لا نختلف
حقيقة حول علمانية أو
دينية الدولة! وعن أية
دولة نتحدث؟ نحن نختلف
حول تهميش السياسي لنا،
ويهمشنا باسمنا، وهل
أسمنا مواطنين؟ رياض سيف،
ياسين الحاج صالح، أكرم
البني، لؤي حسين..
والقائمة تطول هم معرفين،
ومعروفين في الخارج،
لكنهم محددي الحركة! ومن
يحدد حركتهم؟ عارف دليلة،
ميشيل كيلو،
اللبواني،أنور البني، علي
برازي، فائق المير، رياض
دردار..أيضا القائمة تطول...والزنزانة
سيدة للعلمانية والسلفية
على حد سواء! فما الذي
يجمع ميشيل مع أنور؟
واللبواني مع عارف دليلة؟
ما الذي يجمع هؤلاء غير
الزنزانة؟ وماذا تعني
الزنزانة؟ لدى العلمانيين
والسلفيين؟ ليس تفريط في
المعنى أبدا، وليس إعدام
لما نقوم به! بل هو من
شدة القبضة على أعناقنا.
لم نعد نجد غير ثابت
الوهم مجالا لنختلف عليه.
|