|
rojava.net-04.10.2007
قفز اسم فرانسيس فوكوياما
إلي الشهرة، حين لفت
الأنظار في عام 1992
بكتابه الشهير <<نهاية
التاريخ>>. وفيه روج
لفكرة مؤداها أن العالم
بعد سقوط حائط برلين قد
انتهي إلي أفضل عالم ممكن
في تاريخ الإنسانية: عالم
انتصر فيه نظام
الرأسمالية القائمة علي
الديموقراطية الليبرالية
في مواجهة الشيوعية. ومن
ثم فإن التقدم السياسي قد
وصل إلي نهايته، وبلغ فيه
التطور التاريخي منتهاه.
وبعدها بعام واحد في 1993
ظهر أستاذ العلوم
السياسية في هارفارد
صامويل هنتنجتون بكتابه
الذي تضمن نظريته عن
<<صراع الحضارات>> بدلاً
من نهاية التاريخ. وبينما
لقيت نظرية هنتنجتون
اهتماماً واسعاً وتعرضت
لمناقشات مستفيضة، ازدادت
حدتها بعد أحداث سبتمبر
الأخيرة والهجوم الذي
تعرضت له واشنطن
ونيويورك، واجهت نظرية
فوكوياما عن <<نهاية
التاريخ>> نقداً لاذعاً.
وقيل أن مارجريت تاتشر
عندما سمعت عن نظرية
فوكوياما، كان رد فعلها
بالغ السخرية حين قالت:
<<نهاية التاريخ أم بداية
الكلام الفارغ؟!
>>
برغم التحفظات الشديدة
التي لقيتها نظرية نهاية
التاريخ، وفي مقدمتها أن
حركة التقدم العلمي
والإنساني لا يمكن
تقيدها، ومن ثم فلا بد أن
ينجم عنها تغيرات
اجتماعية وسياسية لم تخطر
ببال فوكوياما ونظريته،
إلا أن رؤيته التاريخية
وجدت صدي عند كثير من
السياسيين.
يعود فوكوياما في كتابه
الجديد وقد تراجع عن كثير
من طروحاته ليطرح أسئلة
مثيرة بالغة الأهمية،
تتعلق بمستقبل الإنسان
والإنسانية: هل <<الإنسان
العاقل>>
Home SaPiens
هو الحلقة الأخيرة في
سلسلة التطور التي شهدتها
عملية الانتخاب الطبيعي
عبر آماد زمنية طويلة، أم
أننا نقف علي أعتاب ثورة
بيولوجية تقودها الهندسة
الوراثية بعد أن أمكن
التوصل إلي أسرار الجينوم
البشري، وأصبح بوسع
التكنولوجيا الحيوية أن
تغير الطبيعة البشرية،
وترتقي بالإنسان إلي ما
بعد الإنساني>>؟
ولنتخيل مستقبلاً تتحقق
فيه هذه الصورة لعالم
جديد مختلف أمام القارئ:
مجموعة من الأشخاص الذين
تجاوزت أعمارهم مئة عام،
يعيشون داخل مستوطنة أو
مستعمرة تضم جماعة من
الناس، تم تعديل وعلاج
جيناتهم أو خصائصهم
الجينية.. النساء فيهم
يشبهن عرائس الباربي
والرجال أقوياء مفتولو
العضلات. تنضح وجوههم
بالوسامة والصحة. لا
يعانون أمراض الشيخوخة.
طعامهم مهندَس وراثيا
وممزوج بعقار البروزاك
(الذي ينزع عن الإنسان
رغباته وطموحاته). بينما
أطفالهم في الأربعينيات
أو الستينيات من العمر،
يتجرعون المعرفة عن طريق
عقار الريتالين. وخارج
الأسوار العالية التي
تحميهم من تطفل
المتطفلين، تعيش جماعات
أخري من الناس المسنين،
الأقصر عمرًا، والأسوأ
حظًا، المعلولون بأمراض
لا برء منها، والمحرومون
من مزايا العلاج
بالجينات.. هذه هي صورة
المجتمع التي يتخيل
فوكوياما أن ثورة
التكنولوجيا الحيوية قد
تؤدي إليها.
هذه التطورات التي تقلق
كثيرًا من العلماء
والبيولوجيين بشأن
النتائج المترتبة علي
تقدم تكنولوجيا الجينات،
سوف تكتب صفحة جديدة في
تاريخ الحياة الإنسانية.
قد تمكن الإنسان من تحديد
جينات أطفاله، بكل ما
يترتب علي ذلك من مؤثرات
اجتماعية ومشكلات أخلاقية
تقوده إلي عوالم جديدة لم
يطرقها الإنسان من قبل،
وتفتح أمامه تحديات صعبة
عن معني الوجود الإنساني،
وعن فكرة المساواة التي
هي جوهر الإنسان والتعبير
الصادق عن مكانة
الإنسانية
.
وفي هذا الإطار قدم
فوكوياما عددًا من
السيناريوهات التي تناقش
مستقبل مرحلة <<ما بعد
الإنسان>>، أي المرحلة
التي ستتحكم فيها
التكنولوجيا الحيوية في
قدرات الإنسان وخصائصه
ومدي صحته وسعادته.. وما
يمكن أن يترتب علي ذلك من
صراعات اجتماعية وسياسية
إذا أساء الإنسان استخدام
هذه الإمكانيات العلمية
الجديدة، وجعلها قاصرة
علي فئة في المجتمع دون
أخري
.
وفي كل الأحوال يظل هناك
سؤال بدون جواب، وهو: هل
يخاطر العلم في سعيه
الدائب إلي اكتشاف
الجديد، إلي تدمير
الإنسانية كما عرفناها أم
إلي فتح آفاق جديدة أمام
سعادة الإنسان؟
سيناريوهات إن هناك
سيناريوهات ثلاثة، يعد
احتمال وقوعها أمرًا
واردًا علي مدار جيل أو
جيلين:
يتصل السيناريو الأول
بالعقاقير. فنتيجة للتقدم
الذي شهده علم العقاقير
العصبي، اكتشف علماء
النفس أن الشخصية البشرية
أكثر مرونة مما كانوا
يعتقدون من قبل. والحادث
أن العقاقير التي لها
تأثير مُغَير علي الإدراك
والسلوك، مثل بروزاك
وريتالين، يمكن أن تؤثر
علي سمات كالاعتداد
بالنفس والقدرة علي
التركيز، ولكنها تميل إلي
إحداث قدر كبير من الآثار
الجانبية غير المرغوب
فيها، ومن ثم يتم تجنبها
إلا في حالات الضرورة
العلاجية الشديدة. ولكن
في المستقبل، سوف تسمح
معرفة الجينوميا لشركات
الأدوية بتفصيل العقاقير
بشكل شديد التحديد حسب
التركيبات الوراثية
الخاصة بكل مريض علي حدة،
مما يقلل إلي حد كبير
الآثار الجانبية غير
المرغوبة. وسوف يتدفق
متبلدو المشاعر حيوية
ونشاطاً؛ ويصبح
الانطوائيون منفتحين علي
الناس؛ ويمكنك أن تتخذ
لنفسك شخصية يوم الأربعاء
وأخري في عطلة نهاية
الأسبوع. فلم يعد هناك
عذر لأي إنسان كي يكتئب
أو يحزن؛ بل إن من هم
سعداء <<في العادة>>
يمكنهم إسعاد أنفسهم أكثر
وأكثر دون أن يشغلوا
بالهم بالإدمان، أو
بأضرار المخ طويلة المدي.
وفي السيناريو الثاني،
يسمح التقدم الذي شهدته
أبحاث الخلية الأصلية
للعلماء بأن يولدوا
بالفعل أي نسيج في الجسم،
مما يجعل متوسط العمر
يقفز إلي ما فوق المئة
عام. فإن كنت بحاجة إلي
قلب أو كبد جديد، فإنك
تزرعه داخل التجويف
الصدري الخاص بأحد
الخنازير أو إحدي
البقرات؛ كما أنه
بالإمكان إصلاح الأضرار
التي تلحق بالمخ من جراء
الإصابة بمرض الزهايمر
والسكتة الدماغية.
والمشكلة الوحيدة هي أن
هناك الكثير من الجوانب
الغامضة فيما يتعلق
بالشيخوخة.
حتي أن صناعة الكيمياء
الحيوية لم تتوصل بعد
وبصورة كاملة إلي طريقة
إصلاحها: فالناس يفقدون
مرونتهم الذهنية ويزدادون
تشددًا في آرائهم كلما
تقدموا في العمر، ومهما
كان مقدار سعيهم، فإنه لا
يمكنهم جعل أنفسهم جذابين
من الناحية الجنسية
لبعضهم البعض، فيظلون
تواقين إلي شركاء في سن
الإنجاب. وأسوأ ما في
الأمر أنهم يرفضون التنحي
عن مواقعهم تاركين الفرصة
لأبنائهم وأحفادهم وأحفاد
أبنائهم. ومن ناحية أخري
فقد لا يبقي غير عدد قليل
ممن يملكون القدرة علي
الإنجاب التقليدي بحيث
يبدو وكأن الأمر لا يهم
أحدًا.
وفي السيناريو الثالث،
سوف يفحص الأثرياء الأجنة
قبل زرعها لكي يحصلوا علي
أبناء أقرب ما يكونون إلي
الكمال. ويمكنك إلي حد
كبير تحديد الخلفية
الاجتماعية لأي شاب أو
شابة من خلال مظهره
وذكائه؛ وإذا لم يكن شخص
ما عند حسن ظن مجتمعه به،
ألقي باللائمة علي
الاختيارات الوراثية من
جانب والديه، بدلاً من أن
يلوم نفسه. وتنقل الجينات
البشرية إلي الحيوانات،
بل وإلي النباتات، بغرض
البحث وإنتاج منتجات طبية
جديدة؛ كما تُضاف الجينات
الحيوانية إلي بعض الأجنة
لزيادة تحملها الجسماني
ومقاومتها للمرض. ولا
يجرؤ العلماء علي إنتاج
كائن خرافي نصفه إنسان
ونصفه الآخر قرد، رغم
استطاعتهم ذلك؛ لأن
الشباب قد يأخذهم الشك في
أن زملاءهم في الفصل
الأقل منهم مقدرة هم في
حقيقة الأمر ليسوا بشرًا
بالمعني الكامل من
الناحية الجينية. لأنهم
ليسوا كذلك في الواقع.
وقد كتب توماس جيفرسون
قرب انتهاء حياته: <<لقد
أوضح الانتشار العام لنور
العلم للجميع الحقيقة
الملموسة، وهي أن السواد
الأعظم من البشر لم
يولدوا وعلي ظهورهم سروج،
كما أنه لم تولد قلة وفي
أقدامها أحذية ذات مهاميز
ولديها الاستعداد لركوبهم
بطريقة مشروعة>>. وتقوم
المساواة السياسية
المحفوظة في إعلان
الاستقلال علي الحقيقة
التجريبية الخاصة
بالمساواة الإنسانية
الطبيعية. ومع أننا
متفاوتون تفاوتًا كبيرًا
كأفراد وتبعا لثقافاتنا،
إلا أننا نشترك في
الإنسانية التي تتيح لكل
كائن بشري الاتصال بقوة
بكل كائن بشري سواه علي
هذا الكوكب والدخول معه
في علاقة أخلاقية.
والسؤال المطلق الذي
تثيره التكنولوجيا
الحيوية هو: ماذا سيحدث
للحقوق السياسية لو أننا
استنبطنا بعض الناس ممن
علي ظهورهم سروج، وآخرين
ممن في أقدامهم أحذية ذات
مهاميز؟
وقد يكون أسوأ سيناريو هو
الخاص بالتقدم الذي يتسم
بقدر كبير من عدم
التوازن،
ونعثر فيه، علي سبيل
المثال، علي سبل للحفاظ
علي صحة الجسم دون أن
نتمكن من دفع التدهور
العقلي المصاحب للتقدم في
العمر. وقد تسفر أبحاث
الخلية الأصلية عن طرق
لزرع أجزاء جديدة من
الجسم. ولكن ما لم يكن
هناك علاج مواز لمرض
ألزهايمر، فلن تؤدي هذه
التكنولوجيا الجديدة
المدهشة سوي إلي السماح
لمزيد من الناس بالبقاء
في حالات إعاشية لسنوات
أطول مما هو ممكن في
الوقت الراهن.
فإذا حدث انفجار في عدد
من ينتمون إلي الفئة
الثانية فقد يطلق عليه
<<سيناريو التمريض
المنزلي القومي>>، حيث
يعيش الناس حتي سن المئة
والخمسين، ولكنهم يقضون
الخمسين سنة الأخيرة في
حالة من الاعتماد الطفولي
علي من يتولون رعايتهم.
وهناك العديد من الأسئلة
التي لا جواب لها بشأن ما
ستكون عليه الحياة التي
من هذا النوع في
المستقبل، حيث لم يشهد
التاريخ البشري قط
مجتمعات متوسط أعمارها ما
بين الستين والسبعين، أو
أكثر. فماذا عساها ستكون
صورة ذلك المجتمع عن
نفسه؟ إنك إذا ذهبت إلي
حامل صحف تقليدي بأحد
المطارات ونظرت إلي الناس
المنشورة صورهم علي أغلفة
المجلات لوجدت أن أعمارهم
قد تكون في أوائل
العشرينيات، فهم الأغلبية
العظمي ذات المظهر الجيد
التي تتمتع بصحة جيدة.
وبالنسبة لمعظم المجتمعات
التاريخية، كانت تلك
الأغلفة ستعكس منتصف
العمر الفعلي للمجتمع
ككل، وإن لم تعكس مظهره
أو صحته. فماذا ستكون
عليه أغلفة المجلات بعد
جيلين آخرين، حين يكون من
هم في أوائل العشرين من
أعمارهم مجرد أقلية ضئيلة
من السكان؟
هل ستظل لدي المجتمع
الرغبة في أن يظن نفسه
صغيرًا، ومتحركًا،
وجذابًا، ومعافًي، مع أن
الصورة تنتقل من الواقع
الذي يراه الناس حولهم
إلي درجة أكثر تطرفا مما
هو عليه الحال الآن؟ أم
أن الأذواق والعادات سوف
تتغير، مع انهيار ثقافة
الشباب بشكل نهائي؟
الإصرار علي فكرة
المساواة في مكانة
الإنسان لها أسباب معقدة.
فمن ناحية هناك قوة
العادة، أو ما أسماه ماكس
فيبر في يوم من الأيام
<<شبح المعتقدات الدينية
الميتة>> التي ما زالت
تنتابنا. ومن ناحية أخري
هناك نتاج الصدفة
التاريخية؛ وكانت النازية
أهم حركة سياسية تنكر
صراحة فرضية المكانة
الإنسانية العامة، وكانت
النتائج المرعبة الخاصة
بسياسات النازين العنصرية
وبمحاولات تحسين النسل،
كافية لإقناع هؤلاء الذين
عرفوها طوال الجيلين
التالين.
وإذا غضب الناس بما يكفي
من <<الظلم الوراثي>>،
فسوف يتخذ رد الفعل
مسارين. أول هذين
المسارين وأكثرهما
معقولية هو منع استخدام
التكنولوجيا الحيوية
لتحسين الصفات البشرية
والامتناع عن التنافس في
هذا المجال. ولكن فكرة
التحسين قد تصبح من
الجاذبية بحيث لا يمكن
التخلي عنها؛ أو قد يثبت
أنه من الصعب فرض قانون
يمنع الناس من تحسين
أطفالهم؛ أو قد تعلن
المحاكم أن ذلك من حقهم.
وفي هذه الحالة يظهر
الاحتمال الثاني، وهو
استخدام التكنولوجيا
نفسها للارتقاء بالقاعدة.
هذا هو السيناريو الوحيد
الذي يقبل فيه رؤية إحدي
الديموقراطيات الليبرالية
تعود إلي نشاط اليوجينيا
(تحسين النسل البشري)
الذي يخضع لرقابة الدولة.
فقد كان الشكل القديم
لليوجينيا يفرق بين
المعوقين والأقل ذكاء
بمنعهم من إنجاب أطفال.
وفي المستقبل قد يكون من
المحتمل توليد أطفال أكثر
ذكاءً، وأكثر صحة، وأكثر
<<طبيعية>>.
وإعلاء شأن القاعدة أمر
يمكن تحقيقه فقط من خلال
تدخل الدولة. فمن المحتمل
أن تكون تكنولوجيا
التحسين الوراثي باهظة
التكاليف وتنطوي علي بعض
المخاطر، ولكن حتي إذا
كانت رخيصة وآمنة نسبياً،
فإن الفقراء ومن يفتقرون
إلي التعليم سيظلون لا
ينتفعون بها. ولذلك
فسيكون من الواجب تعزيز
الخط الأحمر الساطع الخاص
بالمكانة الإنسانية، عن
طريق السماح للدولة
بالتأكد من أن أحدا لم
يسقط خارجه.
ما هو مستقبل ما بعد
الإنسان؟
يعتقد فوكوياما أنه علي
الرغم من أن جزءًا كبيرًا
من عالمنا السياسي يقوم
علي وجود <<جوهر>> إنساني
ثابت فربما نكون علي وشك
الدخول في المستقبل ما
بعد الإنساني، الذي
ستمنحنا فيه التكنولوجيا
القدرة علي تغير ذلك
الجوهر شيئا فشيئا بمرور
الزمن. وكثيرون يؤمنون
بهذه القدرة، تحت راية
الحرية الإنسانية. وهم
يريدون تحقيق أكبر فائدة
ممكنة من حرية الآباء في
اختيار نوع ما لديهم من
أطفال، وحرية العلماء في
متابعة البحث، وحرية
المستثمرين في استغلال
التكنولوجيا لتحقيق
الثروة.
ولكن هذا النوع من الحرية
سيختلف عن كل أشكال
الحرية الأخري التي تمتع
بها الناس من قبل. فقد
كانت الحرية السياسية من
قبل تعني حرية السعي
لتحقيق تلك الغايات التي
حددتها لنا طبائعنا. وهذه
الغايات ليست محددة
تحديدًا صارمًا؛ فالطبيعة
البشرية شديدة المرونة،
ونحن لدينا سلسلة كبيرة
من الاختيارات التي
تتلاءم مع طبيعتنا.
ولكنها ليست قابلة
للتشكيل إلي ما لا نهاية،
وتشكل العناصر الثابتة
وخاصة ما يميز نوعنا كبشر
من تدرج ردود الأفعال
العاطفية مرفأ آمنًا يسمح
لنا بالاتصال بقوة مع
سائر الكائنات البشرية.
قد يكون مقدرا لنا بصورة
أو بأخري أن نعتاد علي
هذا النوع من الحرية، وقد
نتعمد في المرحلة التالية
من التطور والارتقاء،
تولي مسؤولية تركيبتنا
البيولوجية بدلاً من
تركها لقوي الانتخاب
الطبيعي العمياء. ولكن إن
نحن تولينا ذلك، فلا بد
أن نفعل ذلك وعيوننا
مفتوحة. ويفترض كثيرون أن
العالم ما بعد الإنساني
سوف يبدو إلي حد كبير
أشبه بعالمنا هذا حيث
يتسم بالحرية والمساواة
والرفاهية والرعاية
والتعاطف والإنسانية
ولكنه سيكون فيه رعاية
صحية أفضل، ويعيش الناس
حياة أطول، وربما كان
هناك قدر أكبر من الذكاء
عما هو عليه الحال الآن.
ولكن <<العالم ما بعد
الإنساني>> قد يصبح
عالمًا أكثر تراتبيةً
وتنافسًا من ذلك العالم
القائم بالفعل، ونتيجة
لذلك يكون زاخرًا بالصراع
الاجتماعي. أو قد يكون
عالما لا وجود فيه لفكرة
<<الإنسانية المشتركة>>،
لأن لدينا جينات بشرية
مختلطة مع تلك الجينات
الكثيرة الخاصة بالكثير
من الأنواع الأخري بحيث
لم تعد لدينا فكرة واضحة
عن ما هو الكائن البشري.
أو قد يكون عالمًا يعيش
فيه الشخص المتوسط عيشة
طيبة في قرنه الثاني،
جالساً في دار للرعاية،
متمنيا الموت الذي لا
يدركه. أو قد يكون نوعًا
من الطغيان الذي تصوره
<<عالمًا جديدًا
رائعًا>>، ينعم فيه
الجميع بالصحة والسعادة
ولكنهم ينسون معني الأمل
والخوف والكفاح.
ولسنا مضطرين لقبول هذه
العوالم المستقبلية تحت
راية الحرية الزائفة،
سواء أكانت حرية حقوق
الإنجاب غير المحدودة أو
حرية البحث العلمي التي
لا تحدها أية قيود. كما
أننا لسنا مضطرين كذلك أن
نعتبر أنفسنا عبيدًا
للتقدم التكنولوجي
الحتمي، حين لا يخدم هذا
التطور غاياتنا
الإنسانية. فالحرية
الحقيقية معناها حرية
المجتمعات السياسية في
حماية القيم التي
تعتنقها، وهذه الحرية هي
ما نحتاج إلي ممارسته
فيما يتعلق بثورة
التكنولوجيا الحيوية في
الوقت الراهن.
|