|
لعنة التوق
مزاجية الطوق
فتح
الله حسيني
" سويعات من أيام حلب "
هذيانٌ هذه الحياة ، ترهة على أتون نار
مستعرة ، تؤخذ كما يؤخذ ركن من الوطن ، أو
رشفة من الشجن ، أو تاريخ من العربدة .
كَمْ سجناً غرّبَ البلد على غرائبه
ومعلومه ومجهوله وخرائبه ، وكَمْ إيماءة
سترقصُ على جسد غريبة ، لتعيد الخديعة الى
الألفة ، على جسد سيدة كانت الى لحظة هنا
.
ما أن ياخذ الرجل هناءه ، صخبه ، هدوءه ،
من إمرأة مجهولة ، حتى يتحدث لها بعدئذ عن
السجون والميقات وشغف اليمنيين الأبالسة
بالقات ، ثم يتجه الى أول شقة ليناسب مع
المياه ، ويتأمل الليل الآتي ، شراباً
وتسكعاً وندماء ...
قبل أعوام طويلة ، طويلة جداً كنهر
الخنزير ، عزف الماهر على طمبوره ، في حوش
ماهر غير رتيب ، لنلج بعد تمزق الأوتار
الى مدن تدعى جامعية ، كالفراشات ، كطلبة
ليس لهم مأوى ، ونقول للحارس لا تغلق
الباب الخارجي للسكن ، نحن عائدون بعد
منتصف الليل ، وأن أغلقته سننام في غرفتك
، ثم نضحك في سرنا ، كان ينتظرنا الحارس ،
ولا نأتي ، ننام في مطرح آخر ، من الليل ،
متناسين أنّا فراشات عليها أن تنام باكراً
، ونضحك علانية .
كتبنا الشعر ، وكتبنا العمر على أوراق
الفاتنات وأجسادهن وبقايا اعضائهن البيضاء
، وزمرنا في الوتسترادات والأزقة المهملة
مثلنا ، بدلاً عن السيارات ، ولم نتوقف
على الإشارة الحمراء ، حتى مات أحدنا
طيشاً ، بعد طول حزن وتأمل وإفراغ للجيوب
.
يقول أحدنا : لايتنبه لطيشنا الجماعي ،
وضياعنا وعربتنا وكتابتنا للشعر والقصة
والروية وآيات الله غير المحفوظة سوى
إشارات المرور ، ونحن نعلك الزمن المرّ ،
كأننا سنهطل مع الغياب حجراً ، على رؤس
اللي خلفونا ، لنكون لائقين بهتاف الخديعة
، المتصدية ، الصدأة كالحماة ، ونركب
الباصات أياً كانت دون تحديد -المتجهة
الى الرحلة ، لنشرب من الصباح نزقاً
وميلاداً للقادمين الى حاناتنا، ونرقص مع
الناي ، بدلاً عن الطنبور ، ونهتف باسم
الفتيات بدلاً عن الرموز السياسية اللذين
نحبهم والذين لا نحبهم ، ونخرب القعدة في
اول رشفة او في آخرها على اكثر تقدير على
جلساءنا الهادئين، لنكون شلة من المخربين
والعملاء في أعين الرتيبين ، ثم نرفس
الطاولة ، ونرمي بقناني الخمر الفارغة في
وجوه مَنْ يخالفنا الرأي ، ونرمي أعقاب
سجائرنا في كؤوس البعض : نحن أنبياء الله
اللا طوعيين .
نتستر خلف عبثنا ، خلف طاولة المقهى ،
نطلب فنجاناً من النسكافيه الدوبل ،
ونحتسيها الى حين موعد السهرة ، ليغضب منا
النادل وربّ النادل ورب العمل الذي منحنا
القهوة بلا توقيع على إستمارة ، في أننا
سنحتسها كباقي الزبائن وكباقي الكتاب
والفنانيين، فنجان قهوة خلال نصف ساعة ،
كم كنا بليدين في إحتساء البن يا ست، لو
كل الزبائن رشف مثلنا القهوة لتعطلت مسيرة
الله قبل القهوة في أسواق مدينة حلب ،
وبقي بائعو القهوة خسرانين الى الشتاء ما
بعد القادم .
تاريخنا ضاج ، فشلنا مكشوف ، إنقلابنا على
الزمن لم يأت عشوائياً ، كنا مزاجيين ،
مشاكسين ، كأضواء الملاعب التي ندخلها
بالواسطة لاننا لا نملك بطاقات الدخول ،
فيشفع لنا صديق من قوات حفظ النظام ،
نتحرش بالنملة ، ثم نعتذر من الأستاذ ،
ونقول يلا شباب الى تخريب الشعر وتجريبه ،
وكتابته على ورق مقوى أو علب الدخان
الفارغة أو على التخت الذي ننام عليه الى
الظهيرة .
زوراق كثيرة مرت بنا ، لم نركبها ، ولم
نستقل سيارة أجرة وتشاجرنا مع سائقها على
السعر ، بعد وصولنا ، لنكون في العندليب ،
أو في ( حنّا كعدي ) أو العمالي نأخذ معنا
بعض الفلافل ، وبعض الموالح ، ونطلب
ربعيات من العرق ، ونضحك على كل من هم
حولنا ، الذين يزين طاولاتهم الويسكي ،
وبعض قناني البيرة ، والمأكولات الشهية
التي كنا لا نأكلها : نحن لا نحبها !!
نملأ الشوارع ضجة وصخباً وننام هادئين .
|