Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

كركوك الجميلة
تجرح اشتياقنا بكرديتها


فتح الله حسيني

قبل نحو أسبوع من الآن ، من كتابةٍ حّانةٍ إلى كرديتها وسط الكردايتي غير المحظورة في أبهتها على تخوم أرض مشرقة، ذهبتُ غيرَ سائحٍ الى مدينة كركوك جنوب وجنون الله ، مدينة الخرائط المشّوهةِ في يقظتها الكبرى، مدينة النيران المتقدّة من أتون الفاشيست ، مدينة التاريخ النازفة على مراميها الحية / الشامخة ، والكل يعرف ما لكركوك العظيمة وليس عليها شئ إلا الأحقاد من أحفاد وأبناء الظل المتأخر في بلوغ عروبيته، ذهبتُ في مهمة إعلامية ، برفقة فريق فضائية الحرية ، من أجل تسجيل برنامج حواري حول تجربتي الصحفية والشعرية على حلقات متوالية، ولأن فضائية الحرية مكانها الأول والأساس هو العاصمة بغداد ، ولأنها - أي الفضائية - من تمويل كردي بحت ، فقد واظب القائمون عليها تغطية الأحداث الساخنة، وإجراء برامج ثقافية وسياسية وبانورامية من داخل حدود كردستان ، ولأنه أيضا لا تملك المحطة المذكورة إستديوهات رسمية صرّفة في مدينة السليمانية ، فيذهب الضيف والمضيف وبعض المرافقين الفنيين الى مبنى تلفزيون كركوك المحلي التابع لمكتب الإعلام المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني لتسجيل برامجهم في أجواء مدينةٍ دوماً نَحّنُ إليها بدءَاً من اسمها وإلى رسمها وشغفها رغم ما يعتريها من خراب بين جموع وجمهرات الإرهابيين .
لن أتحدث – مثل بعضهم –عن نوع الطريق وأسفلته الأسود ، وماذا سيكون نوع الطريق ؟ بكل تأكيد ليسَ مرمراً ، ولن أتحدثَ وأسترسِل في وصفِ الأشجار التي تُسّور جانبي الطريق من السليمانية إلى تخوم بابا كُركُر ، فالأشجارُ كالنِساء لنْ تتغير خُضرتها ، ولن أتحدث عن شعوري الفرح / الترح معاً في أنني ماضٍ إلى مدينة طالما حلِمتُ بها، في يقظتي المشتتة بعدما قرأت قصائد الشعراء المتغنين بها ، بصمتها وصوت انينها الحاف ،وكل ما أود التعرّج عليه ، هو كركوك ، كركوك فحسب .
ما أن تدخل بداية المدينة الجميلة /المخيفة حقاً ، حتى تشعر للوهلة الأولى برهبة غامضة غموض المصير الذي ينتظر المدينة، وربما زائرها في جُلِ الأحايين ، وهذه الرهبة – لاأعرف - إن كانت نابعة من الخوف من المفخخات ومن أيادي الإرهابيين الطولى في مدينة مرتبكة ، لاسيما وأن الأخبار الساخنة والمعارك الطاحنة تأتي دوماً من وسط وأطراف كركوك الجريحة ، الجميلة ، سليلة عشق وقرابين الله ، الشفاعة الملقاة على عاتق أهالٍ لم يبخسوا المدينة حقها ، ولم يفوا بالتزاماتهم الحقيقية تجاهها ، أم هو نوع من الخشوع لذكرى مدينة متألقة ، تتراقص على أنقاض الدم من كرديته الى أعراقه المختلفة ، حيث راهن عليها الكرد من شرارة ثورة الى طوفان ثورة ، ومن عظمة إنتفاضة إلى سخونة إنتفاضة أخرى ، ومن ظفرٍ الى ظفر وحتى من خِسارة الى خسارةٍ ، حيث للمكان رهبته الأولى في أنك تميلُ إلى التبصُر في كل ما هو حولك ،لئلا يقت بصرّاكّ مشهد مفاجئ أشبه بسيناريو سينمائي متقّنْ ، لا سيما وأنتَ تستقلُ سيارة حزبية ، بهائَها يُشي بأنها تابعة لحزب كبير وعريق بحجم الاتحاد الوطني الكردستاني .
بين ولوج هدوء كركوك غير المألوف، والخروج من ضجيجها المألوف فسحة للتأمل الحقيقي ، المفضي إلى قراءة التاريخ شعراً ، وفي استرجاعك لنوستالجيا المكان بأنكَ كُنتَ يوماً في كركوك ، تتغزل بخرابها لا خلاخيلها الفضية ، كخواتم الرّب المثلي في أصابع كانت يوماً ترفع شارة النصر ، ثم تقول على شاشة فضائية ما " لكركوك رائحة النار الحارقة ، وبريق مشّع ، ولكركوك حنينٌ أوحد إلى ما هو ضائع منذ أمد ، أمد بعيد ، مدفون في الغياهب ، غياهب زمنٍ سقيمْ " .
سجّلتُ في كركوك حلقةً واحدة من برنامج " واحة الكلمة " ، ثم سجلتُ حلقات متتابعة في السليمانية الهادئة عكس كركوك تماماً، وبين الحلقات كانت ثمة فواصل أسبوعية كانت تمنحني الهدوء والصخب معاً ، في أنني على مشارف الاقتدارِ كرديٌ يَحّنُ إلى فضاء كركوك رغم خشوعيّ الأول من زحمة الأصوات في لارتابة المدينة ، صخبها ، أهوائها ، سمواتها السبع ، أراضيها التسع ، التي تتردد أخبار الموت منها كل يوم ، وكأن على الميلاد أن يُفنيّ الميلاد المؤجّلَ.
من مدينة الهواء إلى مدينة الريح ، ثمة فواصل هي الأبهى ، هي الرّونق ، في أن كردستان جغرافية ماضية إلى إستعادة الرّوح ، بعد أن كادت تلكَ الرّوح الشفافةُ أن تُمطِرَ وابلاّ من الشهداء ، وتُطّمر – غبناً -على عتباتِ سياط الدكتاتورية الفجة ، برصانة شوفينية بحتة ، وما كردستان إلا أرض ميلادٍ ، تتوج الحياة على مرآى الحياة ، بعد كل ذلك الموت الفردي والجماعي على تراب أحمر ، أحمر بلون مراقد الأولياء..
كركوك الجميلة تظل تجرح إشتياقنا إليها .
 

 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE