|
الشاعرة
شيرين . ك في فصول وحروف
نصوص تهرب من أوجاعها لتحيل
القارئ الى التأمل
فتح الله
حسيني
المراهنة على الشعر :
كثيرون من النقاد ، والمتابعين
للشأن الأدبي العام بعمومه راهنوا
على الشعر ، راهنوا على الظفرة
الإلهية بجدارة المقامرين
والمغامرين ، ولكنهم لم يظفروا
الا بالخسارات ، الخسارات المريرة
في أحسن أحوالها المريرة أيضاً ،
في زمن أضفى كتاب النثر صبغة زمن
الرواية على زمن الشعر ، بمحاولات
غير خجولة طبعاً إذا أدركنا ما
للنثر وما عليه وما للشعر وما
عليه أيضاً .
إذا تمعّنا قليلاً في أضابير
الشعر المكتوب باللغة العربية
حصراً ، تلك اللغة غير اللعنة ،
التي كتب بها مهمشون في أزقة
الحياة ليصبحوا أكثر شهرة من
الزعماء وولائمهم ، بدءاً من
المتصوف إبن الفارض الى جيل
الفرذدق والى جيل أبو نواس والى
جيل الثلاثي المرموق أدونيس ،
سليم بركات ، محمود درويش ، الذين
أرخوا الشعر على ان هواء وماء
الحياة ولا بديل في الحياة عن
هاذين المنبعين ، الى جيلنا الذي
أثار الغبار على رأس الشعر وقال
للشعر هيا الى لعبة الحياة
الخاسرة ، في راهنٍ خاشع لاذ
بالشتيمة في حضرة الشتيمة .
كردياً كتب شعراء جميلون الشعر
بلغة القرآن ، لغة أهدت الشعر
منبعها الذهبي ، من حيث ما لهذه
اللغة من تكثيف وتوظيف ، وما
يعتري هذه اللغة المبررة في
شعريتها من فنون وجنون التلاعب
بألفاظ الشعر على مرمى حجر من
المتصوف والمتمردين على قوانين
ودساتير الحياة في آن معاُ ، وكان
مبتدأه سليم بركات وخبره جيلنا
وما بعد جيلنا الذي كتب بصخب
وضجيج في جل الصحف العربية ونشروا
في كبريات دور النشر العربية
بامتياز واضح .
فصول وحروف .. وتأمل :
أن قراءة شبه فاحصة في مجموعة (
فصول وحروف ) للشاعرة الكردستانية
شيرين .ك ، الصادرة عن وزارة
الثقافة العراقية / دار نشر
الثقافة الكردية في بغداد ،
يحيلنا في الأبجدية الأولى الى ما
كنا ندركه من شجن كردي في شمال
الله المغبون ، المؤنفل ،
المستوحش لذاته الوحيدة بين قرائن
الأبالسة الدمويين ، والدم هو
الشعر في مبتغاه الأخير ، دمٌ على
أرصفة مفضية الى التأمل في برزخه
الأليف ، حيث خديعة الامبراطورية
امتداد لألفة المدينة الصغيرة
بتفاصيلها ومعاشاتها لأتون الواقع
بلا رتوش جاهزة ، وبلا تشويش من
أحد ، مهما كان وأنما تواجد ،
تؤكد الشاعرة شيرين .ك أنها سليلة
مجدٍ هو مجد الكرد في حضورهم وفي
غيابهم الفائت عن ساحة التدوين ،
ولكن بمعنى آخر الشعر يأخذنا الى
حيث نشتهي بارادة أو بلا إرادة
منا وسفننا قابلة دوما للغرق في
بحور فسيحة وكبرى هي غير بحور
الشعر وتفعيلاتها العربية ، وبما
أن للشعر ضرورته كما للنار
والتراب والهواء إلا أنه علينا
لزاماً الاستناد الى ملكوت الشعر
، وأنارشيه ، ولا ترتيبه ،
فالشاعرة شيرين . ك تدون وجعها ،
وجعنا ، وحدتها ، وحدتنا ،
اشتياقها الى ما فات من صخب ،
اشتياقنا الى ما مضى من عمر تائه
بين تخوم التبغ وحدود الخديعة .
تفاؤل الزمان ، تشاؤم المكان :
بين ما ننتجه شعرياً وما نسدله
وهماً على أنه الشعر مسافات تتوسد
جسد الشاعر ، وهذا ما أبدعته
شيرين . ك بامتياز ، إذ يكون
المكان هو ذاته ، ولكن بالمقابل
يتغيير الزمان من موطئ قصيدة الى
موكب قصيدة أخرى هي بالنهاية
شطحات لها مبررها الأليف في واقع
مسلوب حريته على يدي الأزمنة
الخائبة والخائنة معاً ، بالنسبة
للشعراء وبالنسبة للسفراء أيضا مع
اختلاف في موجة متهافتة ومواجهة
نحن نتهافت عليها رغم خساراتنا
المتتالية في حضرة الوقت وعلى ضفة
برزخ يريد لنا الفناء لا البقاء
في أسوأ أحواله هذه المرة :
"أنا إمرأة
تركت الزمن وراءها
غير آسفة
ودخلت متاهات العشق
راضية ، مستسلمة
أنا إمرأة
سريعة العطب
شفافة ، روحي لا تحتمل
شعاعاً من العشق
فتحترق وتصبح نثاراً .. " ..
أنا هنا بصدد روح تحترق على مرمى
الجمهرات ، والجمهرات شهود على
موت الشعراء من المهد السخيف الى
اللحد السخيف أيضاً ، والحياة
مكيدة للأرواح التواقة الى الحرية
بجل معانيها الوهمية والخلبية حيث
الحرية غير موجودة الا في خيال
الشعراء ، وبما أن شيرين . ك
شاعرة فهي مثلنا جميعاً تتوهم
بالحرية ، وتحلم بالشفافية وشعاع
العشق يحرقنا جميعاً ، شارعاً
شارعاً ، مكتباً مكتباً ، رصيفاً
رصيفاً ، كتاباً كتاباً ، والعمر
ماض الى انتهاء جدوله بين جداول
كادت أن تتيه لولا الشعراء .
لشيرين . ك شجنها التام في اصطياد
القصيدة ، وتحويل تلك القصيدة الى
روح أخرى ، أكثر جمالاً من الروح
الواقعية المتوسدة لغبار الله
والأزمنة والأمكنة ، حيث لكل شئ
شغفه ، ولا شئ آخر الا الصدى :
" رجلان وحرف واحد
خنجران وتفاحة واحدة
رعشتان وجمرتان
وقلب بارد
وحلمٌ حارق
وعشقٌ يذهب سُدى ..
إمرأة وحرفان
تفاحتان وخنجر واحد
رعشة وجمرة
وقلب احترق
وعشق ما زال منتظراً .. " ..
هي مفارقات الحياة أن تتعادل
الخناجر مع التفاحة ومع القلوب
المحترقة والأحلام المهترأة
والرعشات والجمرات ، هي معادلة
أتقنتها شيرين . ك شعرياً ، وهي
جديرة بالشعر ، بعد المراهنات
الكثيرة العزيرة على أصالة الشعر
.
هامش :
رغم ما يعتري المجموعة من هنّات
لغوية غير فاضحة ، تظل مجموعة
الشاعرة شيرين . ك ( فصول وحروف )
مجموعة شعرية كردية صادرة باللغة
العربية ، وجديرة بالقراءة الحقة
لا السريعة ، وهذه كانت قراءة
أولية مني وفاءً لتجربة هذه
الشاعرة والصحفية الجميلة التي
مازالت تكتب الشعر وتدافع عن
الشعر كدفاعها عن حب الحياة ، وما
أجمل الشعر في زمن اللاصفاء .
|