|
أيقظني
الحارس المناوب ، عندما مسَّتْ يده
الباردة حواف يديَّ المتوضعتين على صدري
في ارتخاء ، رفعتُ أغطيتي بعيداً ، وجلست
على حافة السرير العسكري ، ثم فركت عينيّ
بشدة ، لعلني أطرد منهما بقايا النوم .
وسرعان ما امتدت يداي إلى بندقيتي وجعبة
مخازنها المعلقتين على عمود السرير . وضعت
حزام الجعبة على خصري ، وأوثقته ، ثم
أدخلت ساعدي في حمالة البندقية ، فاستقرت
الحمالة على كتفي الأيمن ، بعد أن دفعت
طلقة إلى حجرة الانفجار ...
لم أبذل جهدا ً للوصول إلى الحذاء العسكري
، فقد كان قريباً من موضع قدميّ ،
أدخلتهما في فردتي الحذاء ، واصطحبت
الشرطي محمود ، وتحدرنا سلم مشفى الجولان
.
كانت الليلة باردة في نصفها الأخير، فقد
نشر الضباب أجنحته في أجواء المدينة ، حتى
كاد يتسلل إلى كل ثقب من ثقوب جدران
المشفى المهشم ، بفعل طلقات الرشاشات
الثقيلة .
تلمست طريق دوريتي ، فانحدرت باتجاه مبنى
قيادة شرطة المحافظة ، ويدي اليسرى تقبض
على يد محمود ، فقد كانت كتفه تصطدم بكتفي
من حين إلى آخر ، فأدركت أن بصره لا
يستطيع اختراق كتل الضباب ، إلى أبعد من
متر واحد على أكثر تقدير .
ومن مسافة ليست ببعيدة ، بان لي وهج أحمر
خفيف ، تسلل في تباطؤ وكسل إلى الأجواء
المحيطة بالمنطقة ، سابغاً على المكان
لوناً احتفالياً هادئاً ، يتحرك بتحرك
ذرات الضباب . عندئذ ،عزمت على تقريع حراس
تلك النقطة ، لدى وصولي إلى مركز حراستهم
، فما كان يؤرقني في الدوريات الليلية مثل
رؤيتي لحارس قد يوقد نارا ً ليتدفأ عليها
، أو ليعد عليها إبريقاً من الشاي ، ليجذب
بذلك زملاءه الذين ينفر النوم من جفونهم
أحياناً . وتبادر إلى ذهني أن الدورية
ستكون متعبة وشاقة هذه الليلة .
لكنني ما أن اقتربت من الشارع المتفرع
المؤدي إلى (جامع المئذنة ) هكذا أسماه
الزملاء لإصابته بقذيفة إسرائيلية ، ففتحت
فيها تجويفاً هائلاً يظهر للعيان عن بعد
ما أن اقتربت من
تلك المتفرعة حتى قرع مسامعي صوت أجش
أمرني بالتوقف . فتوقفت ومعي الشرطي محمود
...فأمرني ثانية : أن اقترب ..فاقتربت بعد
أن أوصيت مرافقي باليقظة والحذر . سألني
الصوت القادم من جوف الظلام ، ولكن برفق
هذه المرة : كلمة السر ؟ فبحت بها..
خرج حارس مركز القيادة مكمنه ، واقترب مني
حتى شعرت بأنفاسه تلامس وجهي ، تفحص
ملامحي للحظة .. تنهد وضحك مرحّباً : هذه
ساعة الشاي يا قائد الدورية . في تلك
اللحظة فقط ، أحسست بالذنب لمجرد التفكير
بتوبيخ الشباب ، لاعتقادي بأن الحراسة قد
تكون مهملة ، وصارحت الحارس بذلك ، ثم
اعتذرت عن شرب الشاي ، وأكملت دوريتي .
في نقطة الحراسة التالية استوقفني الحارس
، وكالعادة طلب مني أن اقترب إليه ،
فاقتربت .. سألني عن كلمة السر، فأسمعته
إياها .. دعانا للجلوس .. شكرته وقبل أن
أغادر المكان سألته : هل أوصيك بالحراسة
؟, فأجاب وهو يجمع قبضته اليمنى: لن
نهملها يا قائد الدورية ، يجب أن نستحق
وبجدارة، أننا حراس المدينة المحررة...
توهج الوطن في داخلي أكثر من أي وقت مضى ،
وبدا لي متجسداً في كل الأحياء والشوارع
والساحات التي كنت أقطعها أثناء دوريتي ،
ولم يكن يزيدني اعتزازاً إلا أصوات الحراس
، التي كانت تفاجئني عند كل تقاطع ، وعند
كل زاوية تلفها العتمة ويكتنفها الضباب :
قف.. قائد الدورية يتقدم .. كلمة السر..
تابع دوريتك (أو تفضل ) .
زحفت إشعاعات الفجر الأولى ، وانجلت الحجب
الضبابية عن الرؤية قليلاً ،وبدأت المدينة
الجاثمة على الأرض تكشف عن ملامحها .
عشرات من البيوت الصغيرة تناثرت حجارتها ،
مئات من الأبنية التصقت سقوفها بالأرض ،
بعد أن أطبقت على الجدران بنوافذها
وأبوابها ، جذوع أشجار (الأوكالبتوس )
ارتدت الشحار وارتمت على الطرقات في فوضى
لا مثيل لها .
انقبض صدري شيئا فشيئاً ، ضاق عليّ ذلك
الفجر الربيعي الرطب ، فوجدتني أقف رغما
عني ، وبعفوية مطلقة صرخت : يا اللّه..يا
للوحشية !!
وبمثل عفويتي جاءني صوت محمود : إنها أكثر
من وحشية . تملكتني الدهشة ، حدقت في عيني
محمود ، وقلت في سري : أيعقل أنه كان يعيش
ذات الإحساسات التى كنت أعيشها ؟؟.
وقبل أن أنطق بحرف واحد ، بادرني مرافقي :
نعم أيها القائد .. من يستطيع رؤية
القنيطرة وهي في حالها هذه ، دون أن يقول
بأنها وحشية ...؟ إنها أكثر من وحشية .
توقف محمود عن الحديث لفترة ، وكان ينقّل
ناظريه بين وجهي وبين أنقاض المدينة وأردف
متابعاً حديثه : (إذا ضاقت بكم الصدور
فعليكم بزيارة القبور ). دعنا نعرّج على
مقبرة الشهداء ، لقد بتنا على مقربة منها
باتجاه الشرق .
سيطرت عليّ كلماته البسيطة المشحونة
بالصدق ، وتسللت إلى أعماقي ، ولم أستطع
معارضة رغبته ، فأعلنت موافقتيّ على الفور
، وتحركنا على طريق المقبرة ...
كانت المقبرة محاطة بسور إسمنتي لا يرتفع
عن الأرض كثيراً ، تراصفت على طوله أشجار
الصنوبر ، تداعبها نسمات الصباح ، فتحتك
قممها بحركات انسيابية ، لتصدر حفيفاً
ناعماً ، تنقل المرء إلى أجواء ملؤها
الخيال . وعلى مدخلها انتصب قوس مرتفع ،
توقفنا تحته...
رفعت بصري إلى أعلاه ، وتمعنت طويلاً
في الكتابة التي استقرت عليه . ربت محمود
على كتفي فأخفضت رأسي ،ثم التفت إليه
وقرأت له : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في
سبيل اللهِ أمواتاً ، بل أحياء عند ربهم
يرزقون ) . طوقني محمود ، وضمني إلى صدره
، حتى سمعت نبضات قلبه ، و بهدوء بالغ قال
: صدق الله العظيم . وولجنا البوابة ،
فاستقبلنا الممر المرصوف الذي يؤدي إلى
أضرحة الشهداء . وعبر المسافة التي تفصلنا
عن الأضرحة ، لمحت شاهدة إحداها ، ظل بصري
معلقاً بها ، كنت أمشي بخطواتٍ واسعة ،
لكن شعوراً كان يخالجني ويوحي لي بأن هذا
الممر لن ينتهي ، وتوهمت بأني أراوح في
مكاني ، ومع ذالك لم أستطع أن أبعد نظري
عن الشاهدة تلك ... وللحظة ، بدت لي
الشاهدة وكأنها تتحرك ببطء ...لاحظت ذلك
ولم أتوقف عن المسير .
رويداً رويداً ، بدأت الشاهدة تتكور !!
امتدت منها ذراعا إنسان . وعلى جناح
السرعة تحسست زناد بندقيتي ، كان محمود
يتحدث إلي ، كنت أسمع صوته ، لكنني لم أكن
أتبين شيئاً من حديثه. نَبَتَ من قمة
المشاهدة رأس إنسان ، تلونت .. نعم تلونت
بخطوط سوداء وحمراء وبيضاء . صوبت بندقيتي
باتجاهها ..أو باتجاهه ، لحظة واحدة وأضغط
على الزناد . فاجأتني الشاهدة بصوت ملائكي
عذب ما سمعته من قبل : ماذا تفعل يا بني
؟! .. أترفع رشاشك في وجهي ؟؟!!
تراخت يداي .. ثم تسلسل هذا التراخي إلى
جسدي بكليته ، وانتشر فيه بسرعة مذهلة ،
سيطر عليّ ذلك الصوت الرخيم ، وألّحت عليّ
رغبة جامحة لسماعه ثانية ، فوددت لو أنه
يكمل حديثه ، وأنصتُّ بكل الخشوع الذي
تعلمته ، والذي ما تعلمته بعد ، جاءني
الصوت ثانية ، فخيّل إلي بأنه قادم من
الفضاء الأعلى :
أهلا بك يابني في زيارتك لأضرحتنا ، نحن
الشهود الأبديون للمجزرة .. هل أحدثك عن
المجزرة ؟ ولم تنطق شفتاي بهمسة .
حسناً يا بني.. لقد أمضينا عدداً من
السنوات ، نشاهد فيها جنود الاحتلال
يعربدون في شوارع المدينة ، وكانوا يرقصون
على جثثنا ، كنا نموت ونموت ونموت...
يا بني كان يوم التدمير الشامل ، أقسى
الأيام وأوحشها . اقتلعوا كل شيء
بجرافاتهم .. وما عجزت الجرافات عن
اقتلاعه ، نسفوه بالمتفجرات ، وقبل الرحيل
، فتحوا نيران رشاشاتهم الثقيلة .. كانوا
يحتفلون بتدمير القنيطرة .. يا لذلك
الاحتفال المرعب . أوَ تعرف مشفى الجولان
..؟ المركز الثقافي العربي ؟ . سينما
الأندلس ، (سراي ) الحكومة ؟... مؤكد أنك
تعرفها جيداً ، وحدها التي لم تستسلم
لجرافاتهم ومتفجراتهم ، فانتقموا منها
شرإنتقام ، لقد حولوها إلى حقول يتدرب
عليها رماة الصواريخ المضادة للدروع ، مع
ذلك فقد ظلت شامخة تتحدى حقدهم الأسود .
يا بني احرصوا على بقاء القنيطرة مدينة
سورية الوجه واللسان ، دعوها تحدث الأجيال
القادمة عن مجزرتها ، فالقنيطرة يا بني
بوابة زمن الانتصارات القادمة ...
تضاءل الرجل الشاهدة ، اختفت يداه ثم رأسه
، وانسحبت كتلة من الألوان باتجاه الشرق
نحو جبهة الشمس المشرقة لتوها .
شيء ما في داخلي دفعني لمتابعة الحديث مع
صاحب الصوت العذب ، وخرجت من صمتي دفعة
واحدة ، وصرخت بأعلى صوتي : أين أنتَ أيها
الرج....أيتها الشا...؟؟ من أنت بحق
السماء ، من أنت ؟. وصحوت على صوت محمود
وهو يأخذني بين ذراعيه : مع من تتحدث أيها
القائد..؟! .
نظرت حولي .. بحثت عن الشاهدة ، تفحصت وجه
محمود أبحث عن جواب ، فوجدته وقد طغت عليه
علائم الحيرة والاستغراب : لاشيء لاشيء ،
دعنا نعود إلى مخفرنا .
سلكت الطريق عبر الأنقاض ، وكان محمود في
أثري .
|