|
وتاريخُ الأدبِ العربي متخمٌ بما هو
منقبضٌ وما هو منشَرِحٌ، أي ما بَطُنَ منه
وما ظهرَ، تماماَ كما نقولُ بأن الفاعلَ
مستترٌ تقديره..كذا ، أو أن نقولَ بأن
الفعلَ المضارعَ منصوبٌ بـ أنْ المضمرةِ
بعد حتى ، أو حرفُ الجرِّ ربَّ الذي يختبئ
بعد الواو فتسمى واو ربَّ ، كما في وليلٍ
كموجِ البحرِ... ، ناهيكَ عن الحالاتِ
السبع التي يأتي فيها المبتدأُ مموهاً،
والحالاتِ السبع التي يماثله فيها الخبرُ،
هذا إذا لم يتقدمْ أحدهما أو يتأخرعلى
رفيقهِ وشقيقهِ في تبادلٍ للمواقع،
والكثيرُ الكثيرُ من هذهِ الحالاتِ التي
أزهقتْ كبدَ سيبويه ، الذي قالَ : سأموتُ
وفي نفسي شيءٌ من حتى ، أي أنّه لم يُدركْ
لها مَسْرباً ، و ( حتى ) هذهِ التي لم
تُعرفْ هويتها الإعرابيةِ حتى تاريخ هذه
اللحظةِ، أدخلتْ نمطاً جديداً من اللغةِ
المعقّدةِ إلى حياةِ سيبويه ، فابتكرَ
طريقةً معقّدةً للتخاطبِ معَ غِلمانهِ،
فسألَ أحدَهم ذاتَ فجرٍ : أصعقتْ
العتاريسُ ياغلام ؟. فأجابه الغلامُ :
صَعقلمْ . كنايةً عن أنَّ الدِّيوكَ أو
الدِّيَـكةَ لمْ تصِحْ بعدُ !!!. أي أنَّ
الفجرَ لم يبزغْ بعدُ .
ويا كبدي على ذلكَ الذي اسمه الخليلُ بنُ
أحمدَ الفراهيدي ، الذي دوَّنَ تفعيلاتِ
ستةَ عشرَ بحراً والذي بلَغَ عددُها مئةً
وثمانيةً وعشرينَ تفعيلةً على أقلِّ
تقديرٍ ، وتتراوحُ تفعيلاتها بين
( فعولنٌ ومفاعلينٌ ومستفعلنٌ وفاعلنٌ
ومستفعلاتٌ وفاعلاتٌ وفاعلنٌ وفعْـلنٌ ،
بالإضافةِ إلى الجوازاتِ والزحافاتِ
المجازِ استخدامها في كلِّ بحرٍ منْ هذهِ
البحورِ ) . ولم يبلغ خليلٌ هذا نهايةَ
بحورهِ ، لأن سفينته أوشكتْ على الغرقِ ،
فقال: إنَّ البحور المتبقيةَ هي بحورٌ
مهملةٌ ، وهي لا تُحصى ، كالبحرِ المربعِ
والبحرِ المستطيلِ وربما البحر الأحمرِ
والبحرِ المتوسطِ وبحرِ اليابان أيضاً .
ويقولُ الإعلامي فيصل القاسم على هامشِ
إحدى برامجهِ: درستُ نحوَ اللغةِ العربيةِ
اثني عشرَ عاماً بالعربيةِ وما تعلمتُه،
لكنني تعلمتُه في بريطانيا بالإنكليزيةِ
!!.
وهذا غيضٌ منْ فيضٍ مما اتسمَ به أدبُ
الأعرابِ أو العربُ العاربةِ من الغموضِ
والإبهام، وأما العربً المستعربةُ أي
العربُ من أصولٍ غيرِ عربيةٍ ، فقد دأبوا
على تطعيم أدبِ الأعرابِ بثقافتهم ،
وقارئُ كتابِ الأغاني لأبي فرجٍ الأصفهاني
يدركُ هذه الحقيقةَ ، ومجلداته الاثنتينِ
والعشرين تنبئنا بأروع القصص والحوادثِ
والأشعار المغناةِ التي لا تحتاجُ إلى
مدرسين لفهمها، فأدبُ الأعاجم كما اتُفِقَ
على تسميتِهم ، يزخرُ بالوضوح والشفافيةِ
والتلقائيةِ ، حتى لو تناولوا قصصَ
الشعوبِ الأخرى شعراً أو نثراً أو سردا .
ومن هنا يكتسبُ الأدبُ أوْ لا يكتسبُ
مكانتهُ الطبيعيةَ كجزءٍ هامٍّ من ثقافةِ
الشعوبِ ، وقد أدركَ المتأدبونَ أمثال طه
حُسين هذا الأمرَ فيما بعد. واستدركوه
ثمَّ استنكروه، إذْ لا حاجةَ لعشَرَةِ
مدرسينَ كي يشرحوا لكَ بيتاً واحداً من
الشعرِ الجاهليّ، وقد لا يتفقونَ على
شرحهِ دونَ سند، كهذا البيتِ الذي يبرعُ
صاحبهُ في وصفِ شاوي، وهو يحتاجُ إلى
مُتَرْجِم من العربيةِ إلى العربيةِ:
مَضَيْتُ إلى الحانوتِ
يَتْبَعُني شاوٍ شَلولٍ
مِشَلٍّ شَلْشَلٍ شَوِلُ
وأدبُنا الكردي ومن سماتهِ أنه يتمتعُ
بالبساطةِ المستوحاةِ من طبيعةِ حياتنا ،
ويستخدمُ متأدبونا كلماتٍ مأنوسةٍ
تستسيغُها الأذنُ وترتاحُ لها الأفئدةُ ،
فتتناقلها الألسنُ أجيالاً وأجيالا ، فمن
منّا لا يحفظُ لشاعرنا الكبير جكرخوين
بيتاً أو بعضَ بيت ٍ على سبيلِ المثالِ ،
أو سيدايي تيريج أو فقى طيرا ، أو أي
أديبٍ أو شاعرٍكرديٍّ قرأنا له .
ولكنَّ الطامةُ الكبرى في بعضِ كتّابنا
المستحدثينَ الذينَ يوغلونَ في التكتيفِ
والتغليفِ والتلحيفِ ، حتى كادوا لا
يدركونَ ما يكتبون ، ظنّاً منهم بأنَّ
الناسَ سيعتقدونَ بأنهم يفهمونَ ، ومن هنا
تبدأُ الحكايةُ :
ذاتَ يوم تناولتُ مقالةً من تلكَ
المقالاتِ الموغلةِ في الطَلْسَمةِ ، فما
استطعتُ فكَّ رموزها ، فقرأتها ثانيةً ،
ولم أفلحْ في اختراقِ متاريسها ، وفي
محاولتي الثالثةِ شعرتُ بالصداع يخترقُ
رأسي من مؤخرتهِ وحتى جبهتهِ . وعند ذاك
تركتُ تلكَ الأحجيةَ جانباً، وذهبتُ إلى
مقهىً قريبٍ من بيتي، وطلبتُ من النادلِ
أن يُحضِرَ لي النارجيلة، وبدأتُ أشهقُ
منها حتى غابتْ عن ذهني ملامحُ تلكَ
المقالةِ البائسةِ.
وفي صبيحةِ اليومِ التالي، عدتُ إلى
مقالتي، وتكررَ المشهدُ بحذافيرهِ دونَ
زيادةٍ أو نقصانٍ، ذاتُ الصداعِ وذاتُ
النارجيلةِ وذاتُ الشهيقِ وذاتُ النسيان
لملامح تلكَ المقالةِ الكئيبةِ.
ولأنني كرديٌ ومتحدرٌ من أبوينِ كرديينِ
ومن جدينِ وجدتينِ كرديتينِ فقد تمسكتُ
بالمثلِ الكرديّ والذي ترجَمَته ( وما
العنادُ إلاّ قاتلُ أبي ) ، فقد عدتُ إلى
تلكَ المقالةِ الموبوءةِ بالتشفيرِ، وقلتُ
في سري ( يا أنا يا هيه ) ، ولم أتمكن من
حلحلتها ،وأمضيتُ في أمري ذاك شهراً أو
بعضَ شهر ، وركبني الهمُّ والغمُّ ،
فتساءلتُ : أمِنَ الممكنِ أنني فشلتُ في
فهم اللغةِ وقد تتلمذتُ على يديِّ علامةِ
النحوِ والصرفِ أستاذُنا القدير مصطفى جطل
؟. وبعد أخذٍ وردٍّ تيقَّنتُ بأنَّ العلةَ
ليستْ مني، وعلى حينِ غرةٍ تذكرتُ حديثَ
الإعلامي فيصل القاسم عن النحوِ
والإعرابِ، وقلتُ مخاطباً نفسي: أيعقلُ
أنْ أذهبَ إلى الهندِ مثلاً لكي أتعلّمَ
قراءةَ المقالاتِ العربيةِ باللغةِ
الهنديةِ ؟!.
ولم ترُقْ لي الفكرةُ لغبائِها ، فلجأتُ
إلى شُعيبٍ المغربي الذي يعملُ على إصلاحِ
عجلاتِ السياراتِ المثقوبةِ بترقيعها ،
وقلتُ لعله يجدُ لي شيئاً من سحرِ المغربِ
ككتابةِ حجابٍ مثلاً أو بضع قطراتٍ من
ماءٍ معزوم عليهِ أرشُّها على أطرافِ تلكَ
المقالةِ فأخرجُ مما أنا فيهِ ، فسألني
الرجلُ أن أشرحَ له الأمرَ برمَّتِهِ ،
ففعلت وبكلِّ دِقَّةٍ وأمانةٍ خوفاً من
ألاّ ينجحَ السحرُ ، وكانَ الرجلُ نبيهاً
جداً ولم تأخذ المسألةُ في يدهِ غزلتينِ ،
قالَ والقولُ له : أنفخها يا سيدي وحطها
في الميَّه تبان . ( يا فنان ) ....
|