|

وزير الداخلية التركي (بشير آتالاي)
وقبل توجهه إلى بغداد، للمشاركة في أعمال
اللجنة الثلاثية المشتركة، التركية -
العراقية - الأمريكية، صرّح، متفائلاً،
بأنه ذاهب إلى بغداد من أجل وضع اللمسات
الأخيرة على مشروع مشترك؛ لأجل تصفية حزب
العمال الكردستاني، وإغلاق مخيم مخمور
للاجئين الأكراد في إقليم جنوب كردستان،
وإجبار اللاجئين على العودة إلى تركيا.
اللاجئون الأكراد أُجبروا على ترك أراضيهم
والهروب من سطوة سياسات الإنكار والإمحاء
التركية المجحفة، التي كانت تطبّق على
الشعب الكردي في تسعينات القرن الماضي،
وما تزال. بأي وجه حق يطلب آتالاي من
اللاجئين الأكراد العودة دون أن تنتفي، من
تركيا، أسباب هجرتهم، والأكثر غرابة في
الأمر، هو البحث في قضية عودتهم إلى
أراضيهم، في هذه الفترة، التي تشهد فيها
تركيا مزيداً من التوتر والعنف ضد الشعب
الكردي، لا سيما بعد انتفاضه في عموم مدن
وقصبات شمال كردستان وتركيا؛ تنديداً
بتشديد السلطات التركية لعزلة السيد
عبدالله أوجلان (زعيم حزب العمال
الكردستاني) عبر نقله إلى حجرة جديدة أضيق
وأسوأ تهوية من سابقتها، وكذلك سخطاً على
قرار المحكمة الدستورية التركية العليا
بإغلاق حزب المجتمع الديمقراطي، الذي كان
يُمثل الأكراد في مجلس النواب التركي
بواحد وعشرين برلمانياً، ويسيطر على
ثمانية وتسعين بلدية .
هذه ليست المرة الأولى التي يُعلن فيها
آتالاي، وباقي المسؤولين في حكومة حزب
العدالة والتنمية الحاكم، عن قرب موعد
نهاية العمال الكردستاني. بالطبع، آتالاي،
وغيره من المسؤولين الأتراك، لا يطلقون
مثل هذه التصريحات جزافاً، وهم عندما
يفعلون ذلك، فغالباً، ليس بغرض الدخول في
حرب نفسية مع المقاتلين الأكراد وحركة
التحرر الكردستانية، لا سيما أن الحرب
النفسية لم تعد تفيد في هذا الصراع؛ بسبب
تعرف كل طرف على قدرات وإمكانات الطرف
الآخر. ولكن، إذا كان هذا صحيحاً، فما هو
جدوى التصريحات النارية التي يُطلقها
المسؤولون الأتراك عن قرب نهاية العمال
الكردستاني؟ هذه التصريحات هي، بلا شك،
دليل الاستقواء بالآخرين، وأولهم أمريكا،
ومن ثم العراق باعتباره الطرف الثالث في
اللجنة الثلاثية، الآنفة الذكر، والمكلّفة
بمتابعة ملف حزب العمال الكردستاني
والقضاء عليه.
لم تتصاعد حدّة تصريحات المسؤولين
الأتراك ضد العمال الكردستاني إلا بعد
زيارة رئيس الوزراء التركي (رجب طيب
أردوغان) الأخيرة، في السابع من الشهر
الجاري، إلى واشنطن، ولقائه بالرئيس
الأمريكي (باراك أوباما) وكبار المسؤولين
في البيت الأبيض. أول قنبلة فجرتها تركيا
في وجه الأكراد بشمال كردستان، بعد اللقاء
المذكور، كان قرار إغلاق حزب المجتمع
الديمقراطي، الذي شكل صدمة للشعب الكردي
وعموم القوى الديمقراطية في تركيا، وكان
بمثابة الضربة القاضية لجميع جهود ومساعي
السلام، التي بذلها الحزب على مدى السنوات
الخمس التي عاشها، وشهد له عليها البعيد
قبل القريب. واليوم، نرى بأن تداعيات لقاء
أردوغان بأوباما، أعادت مجدداً، وبقوة،
موضوع تصفية العمال الكردستاني على لائحة
مباحثات الطرفين، الذي لم يكن يوماً، في
الواقع، بعيداً عن مناقشات ومساومات
الطرفين.
أسلفنا، في البداية، بأن آتالاي انطلق
متفائلاً إلى بغداد. كذلك خرج منها
متفائلاً، وكان معه الحق، فنتائج اللقاء
الذي جمعه بممثلي طرفي اللجنة الآخرين
(أمريكا والعراق) ، وحسبما أُعلنت، تصبّ
في مصلحة تركيا بحربها المنشودة على
مقاتلي الكردستاني وقواعده في إقليم جنوبي
كردستان، فقد صرح آتالاي، في مؤتمر صحفي
عاجل، بعد إنهاء اللجنة الثلاثية أعمالها
في بغداد، قال فيه بأنه تم اتخاذ قرارت
وتدابير مملوسة سيكون لها إسهام كبير في
جهود اللجنة الثلاثية من أجل تصفية العمال
الكردستاني، فضلاً عن تصفية مخيم مخمور،
وتأكيداً منه على أهمية دور إقليم جنوب
كردستان في هذه الحرب، والتي وكأنها لن
تتم من دونه، أو على أقل تقدير، ستفشل في
حال عدم مشاركته ودعمه لها، قال آتالاي
بأن القسم الأول من الاجتماع انتهى بنجاح،
في انتظار القسم الثاني منه والذي سيعقد
في أربيل.
جمع آتالاي "بروتوكالاته" التي تمخضت عن
الاجتماع الثلاثي متوجهاً إلى مدينة
أربيل؛ للالتقاء بالمسؤولين الأكراد في
الإقليم، وهو على يقين تام بأنهم لن
يردّوه خائباً، لا سيما بعد النتائج
"الجيدة جداً" التي حصل عليها في بغداد،
واتفاق الأطراف الثلاثة الرئيسية، فيما
بينها، على حسم المسألة، وأيضاً، بسبب ما
خلفته زيارة وزير الخارجية التركي (أحمد
داود أوغلو) إلى الإقليم، أواخر شهر تشرين
الأول الماضي، من انطباع أوليّ جيد لدى
المسؤولين الأتراك بأن القادة الأكراد في
الإقليم متفقون معهم فيما يخص قضية
الكردستاني وتصفيته، مهما كانت الطرق
والوسائل المستخدمة لأجل تحقيق هذا الهدف،
خاصة وأن رئيس الإقليم (مسعود البارزاني)
كان قد أعلن عزمه على فعل كل ما بوسعه في
هذه القضية. آتالاي لم يحصل في أربيل على
ما ابتغاه، وعاد خائباً، جاراً وراءه ذيول
الخيبة، ودلالات خيبة مباحثاته في أربيل،
هي مغادرته المسرعة من الإقليم، وعدم عقده
لأي مؤتمر صحفي، لا في الإقليم، ولا في
تركيا، أو الإدلاء بأي تصريحات عن نتائج
لقائه برئيس الإقليم ورئيس حكومته، على
عكس ما فعله في بغداد حين خرج إلى وسائل
الإعلام بابتسامة عريضة، محدثاً إياها عن
النصر العظيم الذي حققه هناك. الشيء
الوحيد الذي عُرف عن نتائج لقاءاته في
أربيل، هو ما صرحت به إدارة الإقليم عن
تأكيدها لآتالاي على تقديم التعاون
والمساعدة للطرف التركي؛ من أجل تسوية
قضية العمال الكردستاني بالطرق السلمية.
موقف إدارة الإقليم هذا، إن كان صحيحاً،
لابد أن يكون قد أثار حفيظة آتالاي، وقضّ
مضاجع السلطات التركية، التي كانت تنشد
الحرب وتقرع طبولها ضد حزب العمال
الكردستاني، وكانت تنوي كذلك استدراج قوى
الإقليم في حربها هذه، والتي يبدو أنها لن
تكون .
|