|
إن النتيجة المنطقية
لسياسات النظام الخاطئة
داخلياً وخارجياً منذ
خمسة وثلاثين سنة وأكثر
هو هذا الحال الذي آل
إليه سوريا، أولا : عزلة
داخلية شعبية ، البون
شاسع بينه وبين الشعب ،
فهو معزول عن معظم شعبه
أي عن أكثر من 80 % من
السكان الذين يعيشون تحت
خط الفقر وهذا لا يعني إن
20% الباقية هم مع النظام
( دائرة الحكم الضيقة )
هذا غير صحيح، لأن هؤلاء
مع مصالحهم فقط وليسوا مع
أي نظام أو ضد أي نظام،
وهم عملياً أصحاب الرايات
البيضاء المرفوعة لأي
نظام يأتي ولو كان أجنبيا
،في الواقع لقد تهاوت
الورقة الشعبية الداخلية
منذ زمن مع العزلة
الداخلية والانهيار على
كافة الأصعدة السياسية
والاقتصادية والأخلاقية ،حيث
تسود فوضى عارمة في
البلاد ،ولكن إتباع سياسة
القمع والإرهاب والانشغال
والمناورة بالقضايا
الخارجية غطت على الأوضاع
الداخلية كلياً وتركتها
في حالة سبات واستقرار
شكلي فاشستي مستور مثل
الجمر تحت الرماد كان
بحاجة إلى نفخة بسيطة
ليظهر مدى زيف وبطلان
ادعاءات الاستقرار
والوحدة الوطنية المزيفة
والمفروضة بالقوة
المخابراتية .
إن الورقة الداخلية هي
أساساً الجوهر والجبهة
الخلفية القوية لدى كل
نظام لمواجهة الإخطار
والصعوبات السياسية
والاقتصادية التي قد تعصف
عادة بالبلدان ولكن تفريط
النظام بهذه الورقة (
تفريط بمصالح الناس )
لصالح سياساته الخارجية
جعل النظام يبحث عن مصادر
أخرى لحمايته وتقوية
نفوذه السلطوي إلا إن هذه
المصادر ليست مستقرة
وآمنة دائماً لأنها
محكومة بالمصالح الدولية
المتغيرة باستمرار وفق
تذبذب هذه المصالح .
وليست الورقة العربية
العلاقات السورية العربية
بأفضل حال من علاقاته مع
شعبه فوصلت الأمور في هذا
الجانب إلى أسوأ نقطة ،فسوريا
ألآن تمر في أسوأ مرحلة
في علاقاتها مع محيطها
العربي وخاصة أن هذا
المحيط أصبح موالياً
للغرب أكثر من أي وقت مضى
وميالاً للتعايش مع
إسرائيل ولقد انتهى زمن
الدعم المالي والسياسي
الذي كان النظام السوري
يتلقاه من العرب بحجة
مواجهة إسرائيل أو نتيجة
وقوفه إلى جانب التحالف
الدولي في حرب الخليج
الأولى أو بسبب تواجده في
لبنان باسم الشرعية
العربية ، وأقسى ضربة
تلقتها سوريا وفقدتها
وزنها العربي والإقليمي
الاستراتيجي هو انسحاب
جيشها من لبنان بعد
اغتيال رفيق الحريري تحت
الضغط الدولي ،وهي فقدت
هذا الوزن أيضاً عندما
فقدت القدرة على التحكم
بالملف الفلسطيني بعد إن
تغير شكل الصراع من
الصراع العربي
الإسرائيلي إلى الصراع
الفلسطيني الإسرائيلي
وسعي القيادة الفلسطينية
في التسعينات من القرن
الماضي وراء التوصل إلى
سلام منفصل مع إسرائيل
عبر اتفاقيات اوسلو . ومع
تخبطات النظام السوري في
سياساته الخارجية لم تعد
سوريا دولة محورية
إقليمية مهمة وخاصة مع
تدهور علاقاتها مع مصر
والسعودية- حيث كانت تشكل
معهما محوراً ثلاثي
الأبعاد سياسي سوري
واقتصادي وديني سعودي
وسكاني مصري- والارتماء
في أحضان إيران وتتالت
الإخفاقات السورية في
الآونة الأخيرة مع تلقي
منظمة القاعدة الإرهابية
في العراق الضربات
الموجعة مما دفع بالنظام
بالهرولة في ربع الساعة
الأخيرة نحو تركيا لخلق
أزمة حدودية تركية-
عراقية فشجعت تركيا على
اجتياح إقليم كردستان إلا
إن هذه الورقة انحرقت
بسرعة أمام المعارضة
العربية والدولية
والبراغماتية الكردية
التي وقفت أمام اية
محاولة تركية لزعزعة
الوضع المزعزع أصلا في
العراق ،على ارض الواقع
لم تبق أمام سوريا عربياً
وإقليميا سوى الورقة
اللبنانية المتمثلة في
انتخاب رئيس دستوري جديد
في لبنان ولكن كل الدلائل
توحي إن الرئيس المقبل لن
يكون بأمر وقرار سوري أو
رئيساً موالياً لسوريا
وبنهاية هذا الملف الساخن
وحلحلته تكون سوريا قد
أفلست تماماً عربياً
وإقليميا وعند ذلك لا
نستبعد أن يلجأ النظام
السوري إلى خلط الأوراق
وخلق أزمة وإشعال حرب في
لبنان عبر أصابعها مثل
حزب الله وبعض المنظمات
الفلسطينية المتواجدة على
الأرض اللبنانية ولن تكون
النتيجة عندئذ إلا وبالاً
على سوريا إن لم تكن
الضربة القاضية التي قد
لا تفيق منها النظام .
إما على صعيد العلاقات
السورية- الخارجية فأن
سوريا تتعرض اليوم
لضغوطات هائلة من أمريكا
والاتحاد الأوربي كما
تعيش عزلة دولية سياسية
واقتصادية خانقة رداً على
سياساتها ومواقفها
وتدخلاتها الإقليمية
ورعايتها للإرهاب العالمي
ولن تنقذها من هذه العزلة
الدولية تحالفاتها مع
إيران المعزولة أصلا
وتركيا المنبوذة شرقاً
وغرباً ولأن الدولتين لا
تنظران إلى سوريا كحليف
استراتيجي قوي فلكل منهما
مصالحهما الخاصة ولا يمكن
أن يمضيا مع سوريا إلى
نهاية الطريق الوعر
فسوريا ضمن هذا الحلف هي
الحلقة الأضعف .
في المحصلة النهائية
والمنطقية لسير الأمور في
المنطقة نجد أن الظروف لا
تسير لصالح النظام السوري
بعد إن فقد كل مكونات
سياسته الاستراتيجية ،زعزعة
مكانة سوريا في
لبنان،تضعضع موقع سوريا
في الميدان العربي
الإسرائيلي ، انهيار
الدور السوري في التوازن
الإقليمي ،تدهور علاقات
سوريا مع أمريكا ،وهكذا
إن التراكمات الكمية من
الأخطاء السابقة ستؤدي
حتماً لتغييرات نوعية وفق
قوانين الطبيعة والمجتمع
مهما حاول النظام الوقوف
أمام حركة التاريخ أو
إيقاف عجلة التغيير.
.
|