فتح الله
حسيني
إذا ترقبنا بمرارة وحرارة بالغة
الحدة حالتنا السياسية المشتتة ،
الممزقة كطبل رماه عاشق في وادي
الخديعة ، سنلحظ –بكل ألم وأسف –
اننا مازلنا في بداية مشوار طال
ديمومته على مدى أكثر من أربعة
قرون لاعقود ، وسنقول لذواتنا
سراً : كم نحن باردي الدم ،
وسنسأل ذواتنا أيضاً : لماذا هذا
الغياب عن الخرائط أيها الوطن.
كلمة وقالها سياسي كردي في ندوة
جماهيرية حاشدة " ليتني كنت
حزبياً عادياً في حزب كبير ،
بدلاً من أن أكون فرد مارشال في
حزب صغير " هو قول على قول ،
وتكهن لاتهكم اننا بتنا نخجل
كردياً من تجربتنا التي طالها
التهميش كقضية قومية ملّت من
رتابة وأناقة كلماتنا ، ولم تهتف
لشغب ربما هو الملاذ في نهاية
الأمر المرير .
هذا الوطن ، كم تحمل عبء زيف
الزائفين ، وتقولات اللامبالين
إلا بالحضيض ، إهتمامه بلا حرية
الآخرين على حساب بقعة أرض نحّنُ
إليها بلا إرادة فاضحة منا ،حنيننا
الى ماض مدمى ، غير متهور ، في
فسحة تأمل ، أو في جلسة بار أو في
حضرة جلساء مقهى أو بين أقران
موقع عمل ، أو مرور الكرام الى
الجامعة أو الى المدرسة أو الى
الجهنم وبئس المصير .
بعيداً عن اللعب بالايحاء ،
واللهو الذهبي على مدار الكلمة ،
أجد نفسي أردد :هو زمن مرّ ،
يحمّلنا واجبات تركناها جانباً
منذ أول انقلاب سياسي تخندق فيه
بعض الحزبيين لصالح الابتعاد عن
البعض الآخر ، هو مدّ على جزر
يرمي بأوهامنا قبل أحلامنا الى
متاهاته ، قبل أن يرموا يوسف في
الجُُبّ ، ويركع الشمس والقمر له
ساجدين .
في ذاكرة سوادء هي مِلكٌ للكرد ،
ثمة محالات ، القادمات من السّواد
أيضاً ما يظنه الكردي قد ولى في
واقع مشين ، مهين ، وثمة قضايا
تؤلم الحالم ببذخه في منح الروح
الى روح كادت أن تشيخ ، وعقول
كادت أن تصبح في ميادين البصيرة
شكوى الضالين ، هي ذاكرتنا ولامفر
من تعب الذاكرة في أوانٍ منضوٍ
تحت مؤشر ومؤخرة الكلام .
كلما قلنا سيأتينا المُخلص،
المُنقذ ، نرتطم بترهات حاجوج من
هنا وماجوج من هناك ، وأركان
أرضنا الكبرى تهتز على اعتقال
كردي في دمشق وآخر في حلب وسبعة
في القامشلي ، وعشرون في رأس
العين و ستة في عامودا ، وثلاثة
في ديريك ، وخمسة في تربه سبيه ،
وعشرة في أعين المخابرات في
الدرباسية ، ولانكّل ولا نمّل من
بيانات الإدانة ، والاستنكار ،
حيث لاأحد يسمع صوتنا ، ولا أحد
يقول ولو بينه وبين نفسه الله
يعطيه العافية ، خوش حكي أو خوش
رجال .
كوابيس هذا الزمن المرير ،الشرير
، المنتظر هلاكنا ، الهلاك الذي
نرتبه على نار هادئة مثل تفوهنا
بلامعنى بالكلام ، بالزعيق الذي
مللناه ، بالشتيمة التي هدّت
الأكتاف التي حملت يوماً خيمة
لكردي مشرد على أطراف المدينة ،
للأبصار التي ترقبت نوم اللاجئ
هناك ، متسائلاً كسليم بركات " أي
قلب للسماء أن ينام المرء كل ليلة
بقلب مكسور " ، هو حد البهاء لا
البلهاء أن تجد نفسك بين وقت وآخر
أنك بتّتَ تُرددُ ما يخشاه
الآخرين بكسلهم وجشعهم ، وهم الى
يوم الدين ضالين ، منسيين.
وللزمن آخر ..
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر
اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع