|
الحوار المتمدن -
العدد: 2011 - 2007 / 8 /
18
الشك وتأويل التأويل
مادام العقل والخيال
البشري المتنور قد أنجز
الكثير من مراحل التطور
مما منحنا الان القدرة
على الشك في كل شئ ، بما
فيه الشك في التاريخ و
الفكر ومرتكزات الابداع
والوعي الجمالي وجميع
النظريات والمذاهب أي
الشك في المفاهيم جميعها
سواء الكونية
اوالبيولوجية منها
اوعلاقة الذات بالأنا
الأخرى
الخ فركز كل هذا
مفهوما جديدا هو ان
الانسان يعني الحرية وهو
سيد عالمه وذاته . لكن
الشئ المهم هو أن الخطوات
الاولى لمرحلة الشك في
الوعي الانساني ذاته قد
أنجزت أيضا عندما بدأ كل
من ماركس ونيتشه وفرويد ،
الشك في المفاهيم السابقة
ووضعوا تأويلهم الجديد
لها وصاغوا مفاهيم جديدة
، وبهذا فانهم اعتبروا
تاريخيا فلاسفة للشك الذي
من خلاله فرضوا الحداثة
في الفلسفة والفكر ووضعوا
البذور الاولى لما بعد
الحداثة .
و الفن الحداثي والمسرح
بالذات نشا أيضا نتيجة
للشك في مفاهيم فاجنر
التراجيدية وفكرته حول
الفن المركب والتي سبقت
ستانسلافسكي ( ونظريته في
واقعية الفعل وإعادة خلق
الشخصية ) على إعتباره
أول من وضع النظرية
الجديدة في عمل الممثل
وكذلك انتونين آرتو (ومسرح
القسوة الذي طالب من خلال
مفاهيمه ذات الطابع
الفلسفي لتطوير نظرية
العرض ورفض الواقع على
المسرح وفرض الواقع الا
بداعي البصري في العرض
كبديل وربط المسرح بالحلم
عندما أكد بأن المسرح :
هو الذي يجعلنا نحلم ونحن
مستيقظون ، ويكف أن يكون
مسرحا ، إذا تخلى عن هذه
المهمة) ومفاهيم برشت (والتغريب
المسرحي ) وصموئيل بيكيت
( ونصوصه البصرية التي
أكد فيها نظرية بصرية
لكتابة النص المسرحي الذي
يعتبر اساس لمرتكزات النص
البصري الذي نفكر به ،
بالرغم من أن بيكت يكتب
نصا بصريا يبحث من خلاله
في الوجود المطلق للآشياء
، ووضع الانسان المتورط
بوجوده في دائرة العدم ،
ومن هنا ينشا جحيم
العلاقة بينه والآخر ،
وعدم فهم العالم والأشياء
المحيطة ، وما رواياته
أيضا إلا نصوص درامية
بصرية عن الوجود والعدم )
ومع غروتوفسكي ( بدأ
تأويل الجسد وعلاقته
بالفضاء الديناميكي ) ،
وهم جميعا فرضوا وعيا
حداثيا لأنهم قاموا
بتاويل جديد للمفاهيم
السابقة وإكتشفوا طرائق
واساليب جديدة ، وهنا
بكون من الضروري في مسرح
مابعد الحداثة قراءة
مفاهيمهم ونصوصهم
ونظرياتهم بتأويل جديد
يعتمد منطق تأويل التأويل
أو التأويل المضاعف ( حسب
إمبرتو إيكو ) من خلال
التزام نزعتي الشك وتطوير
النزعة النقدية لجميع
القيم والقوانين الفنية
التي أصبحت الان ثابتة
مما عمق سكونيتنا
الابداعية في المسرح
وبالذات النص الادبي
المغلق وتطوير نظرة
المؤلف من أجل كتابة النص
البصري . وهذا النص
البصري الذي يكتبه مؤلفا
بصريا ويخرجه مخرجا بصريا
أيضا هو فقط الذي يدخلنا
جميعا الى زمن ومسرح ما
بعد الحداثة .
ديناميكية اللغة البصرية
يكمن موت المسرح المعاصر
في حيثيات سوق العرض
والطلب التجاري والمباشرة
الواقعية والاعلامية
المقيتة وهامشية معالجاته
الآلية لمشاكل الذات
والمجتمع ونسانه جوهر
الانسان الحقيقي ، و كذلك
سذاجة الكثير من
المعالجات التي تعتبر
خدمات إعلامية بصيغ
مسرحية ، إضافة الى سيطرت
اللغة الأدبية السردية
التي يفرضها النص الادبي
المغلق الذي تعتمد عليه
الكثير من التجارب
لامسرحية ماعدا بعض
الاستثناءات . أما
مستقبله فيكمن في خلق لغة
النص والعرض البصريتان و
إكتشاف أسرارها سوية مع
المتفرج المتفاعل ،
وطبيعة الاسئلة التي ترفض
الاجوبة الجاهزة و تحفز
على المعالجة الانسانية
الحقيقية لمشكلة الانسان
في لحظة فناءه ووسط
عدميته بالرغم من أنه
يطمح للديمومة وينظر الى
المستقبل . و يبدأ خلق
هذه الاسئلة التي لا
تستقيم إلا من خلال اللغة
البصرية منذ البذرة
الاولى لكتابة النص ،
بمعنى ألا يكتب المؤلف
نصه بلغة أدبية وينتظر
المخرج ويتكل عليه ليحول
نصه الى أنساق بصرية في
العرض .
ولكن أي نص بصري هذا الذي
من المفترض أن ينبئنا
بمستقبل العرض البصري
ويؤثر على البصر والبصيرة
؟؟
يرتكز هذا النص البصري
على ركيزتين يجب أن يخدمى
بصريات العرض :
1) اللغة الحوارية
البصرية ( البعد البصري
والمادي للكلمة وغنى
دلالاتها التأويلية )
2) لغة تداعي الأنساق
البصرية في الفضاء
الابداعي البصري ( أي
الحوار بين ذاكرة الجسد
وتداعيات الفضاء بما فيها
ذاكرة الاشياء والانساق
الاخرى ، وبين الفنان
البصري ـ المخرج والممثل
ـ و المتفرج)
ان هذين الجانبين اللغة
الادبية البصرية والتداعي
البصري للأنساق هما
اللذان يعيدان خلق اللغة
الفنية بصريا سواء كان
ذلك في النص أم في العرض
، فمن خلالهما يمكن أن
نعيد الكلمة وأبعادها
الأدبية السردية
والحوارية
إلى كينونتها التأويلية
والدلالية والبصرية في
زمن جديد هو زمن العرض
البصري ، وهذا ينطبق أيضا
على الأنساق
الاخرى للعرض مثل الذاكرة
الجسدية للممثل وذاكرة
الاشياء ، أي خلق
كينونتهما و تداعياتهما
البصرية، منذ البذرة
الاولى التي تكون النص
وتتطور بعد ذلك في العرض
البصري الذي يعمل على
تعميق وإغناء ابعادها
الميتافيزيقية نتيجة
لإمكانات التأويل التي
يمنحها والتي تؤدي الى
تغير الزمن الابداعي وزمن
المشاهدة من واقعي
الى زمن بصري(إبداعي )،
ويتغير أيضا معنى المكان
، من ديكور ـ هندسي الى
سينغرافياوحركية الفضاء
البصري
النص الادبي والنص البصري
لقد حدد تاريخ المسرح
العلاقة بين المؤلف
والمخرج اوبين النص ـ
العرض والمتفرج على الشكل
التالي :
ان يكون النص والعرض
خطابا ( سياسيا
واديولوجيا في الكثير من
الاحيان ) ووسيلة توصيل
أفكار المؤلف والمخرج
للمتفرج أي ان النص
ومكونات فضاء العرض هما
وسيط بين المؤلف ـ المخرج
وبين المتفرج :
ولكن اذا اعتمدنا مفاهيم
ومفردات الهرمنوطيقيا
الفنيومينولوجية (
التأويل الظاهراتي )لاكتشفنا
علائق ودلالات اخرى لها
علاقة بأنساق بصرية تمنح
النص والعرض إمكانية
التاويل البصري ، فتكون
المعادلة أكثر تكثيفا حيث
تتحول من علاقة المؤلف
بالنص باعتباره خطابا لبث
افكاره ( النص كوسيط )
الى علاقة جديدة بين النص
( الذي يكون بالضرورة
بصريا ) ككيان ابداعي
مستقل وبين المتفرج (
الذي يجب ان يمتلك القدرة
على ان يكون متفاعلا حتى
يفهم بصريات النص ـ العرض
) :
مؤلف + كتابة بصرية = نص
بصري
مخرج + رؤية و تداعي بصري
= عرض بصري
متفرج + نص و عرض بصري =
متفاعل
اذن من خلال هذا نتوصل
الى نص بصري وعرض بصري
ومتفاعل بدلا من النص
الادبي والعرض التقليدي
والمتفرج الهامشي . إذن
المتفرج المتفاعل هو الذي
يبحث عن لذة الفكرية
لبصريا ت النص والعرض ليس
لأجل الحصول على الاجوبة
وانما من خلال البحث في
الاسئلة المصيرية التي
يمنحها النص والعرض ، اذن
النص والعرض البصري هما
اللذان يخلقان متفرجا
متفاعلا .
ولهذا فاننا يمكن ان ندعو
النص المسرحي غير البصري
، بالنص الادبي المغلق
لانه النص الذي يتحدث
بالوسائل الادبية عن كل
شئ حد الثرثرة ، و يقدم
الاجوبة والحلول والنتائج
الشافية و الجاهزة لمختلف
المشاكل ، بدون ان تكون
هنالك مساحات او انزياحات
يمكن ملاها وتكملتها
بالرؤيا اوالتداعي البصري
، ومثل هذا النص الادبي
السردي المغلق على ذاته
لا ُيكتب بلغة مسرحية
بصرية ، و لا يتعامل مع
فضاء العرض البصري، وانما
يتعامل مع فضاء الادب
وإلتباساته السردية ويمنع
أي تأويل بصري ظاهراتي ،
ولايعني إطلاقا
بميتافيزيقيا الخيال
البصري . ولهذا السبب
أصبحت المشاهدة ولذة
المسرح الان معقدة لدرجة
كبيرة ، بل أدى الى
امتناع قطاع كبير من
الجمهور المتفاعل
والمتعاضد عن ارتياد
المسرح . وقد اكتشف
انتونين آرتو السبب
الحقيقي لسايكولجية
المشاهدة حينما أكد:
( اذا كف الناس عن عادة
الذهاب الى المسرح ، فذلك
لاننا قد اعتدنا ـ طوال
اربعمائة سنة ، أي منذ
عصر النهضة ـ على شكل
روائي ووصفي للمسرح ،
مسرح يقوم على سايكولوجية
رواية الحكاية ) ، اذن
تقوم مشكلة المسرح على
كونه مسرحا أدبيا و سرديا
وسايكولوجيا . فإذا كان
هذا التشخيص في بداية
القرن العشرين فكيف الحال
ألان في بداية الألفية
الثالثة عندما يكون وعينا
مشبعا حد الابتذال
الثقافي الذي يتميز
بالسرد الاعلامي ـ
الدعائي الهامشي والمجاني
وتوجيه الثقافة والنتاج
الابداعي لخدمة
الاديولوجيا والاهداف
السياسية الاخرى في
الكثير من الاحيان . وفي
مقابل هيمنة السرد الادبي
على المسرح ، وحتى يتخلص
المسرح من كونه مسرحا
مغلقا يعتمد السردية
النفسية الفائضة مما يؤدي
به ان يتحول الى مصحة
لمعالجة الامراض النفسية
اقترح آنتونين ارتو
المسرح المادي الذي لا
يلتقي مع المسرح الادبي
النفسي ،وبمعنى آخر انه
اقترح(مسرحا تسحق الصور
المادية العنيفة فيه
إحساس المتفرج وتبهره ،
وتشده الى دوامة من القوى
العليا ) وهذا المفهوم هو
الذي يدعونا للتفكير
بالنص والمسرح البصري .
النص غير البصري
والاغتراب
ان مؤلف النص الادبي
المغلق في المسرح يعمق
اغتراب نص العرض والفضاء
الابداعي ومهمات المسرح
عموما امام المتفرج
المتفاعل ، لذلك فمثل هذا
النص هو اغتراب لآنية
العرض البصري و للمتفرج
في ذات الوقت . لان مثل
هذا النص كتب ضمن
انشغالات تهدف إلى تحديد
وتركيز وهيمنة الأطر
الأدبية على فضاء العرض
وإهمال الوسائل البصرية
وجعلها ثانوية ، او جعلها
تخدم البعد التفسيري
للصياغات الأدبية
والمضامين الواقعية
والنفسية المقيتة ، وبهذا
فان النص المغلق هنا لا
يسمح بالإمكانيات البصرية
للمخرج والممثل ويحدد أفق
خيالهما ،وخاصة القدرات
التعبيرية للممثل التي
تعتمد على أطلاق الأسرار
الابداعية للذاكرة
الجسدية المطلقة لديه
والتي يتكامل إبداعها في
فضاء ديناميكية العرض .
ومن جانب آخر فان النص
الأدبي والعرض التقليدي
غير البصري يخلقان
الاغتراب أيضا في وعي
وروح المتفرج ولا ينسجمان
مع طبيعة الحوار الذي يتم
بين العرض البصري
والمتفرج المتفاعل وبذلك
يفقدان الاتصال فيما
بينهما، لان المشاكل
المعالجة لا ترتبط
بعالمنا ، وما عولج يمكن
أن ينتمي إلى كل الأنواع
الفنية الأخرى ماعدا
المسرح ، لانه مسرحا غير
بصري ، لا يثيرنا إطلاقا
. حيث ان المعالجة تمت
بوسائل غير بصرية ، وعلى
هذا الأساس فان صداهما لا
يتردد في روح المتفاعل ،
أي إن مثل هذا النص
الأدبي يساهم في اغتراب
حاضر وآنية العرض. وبهذا
فانه يفقد أهم خصوصية
يتميز بها العرض البصري
وهي التواصل مع المتفرج
المتفاعل من خلال وضعه في
قلب العالم المعاصر ،أي
وضعه في وجود العالم .
ان تداعي الرؤيا البصرية
للمخرج لإبراز إمكانات
الأنساق التي تكّون فضاء
العرض يشكل لغة تجسيدية
ودلالية وتأويلية لخلق
التأثير والاتصال بين
خيالين ، خيال المتفرج من
جانب وخيال الممثل ـ
وذاكرة الاشياء ـ المخرج
من جانب آخر .لذلك فان
المعادلة في النص و العرض
البصري المعاصر ، تفرض
أدوات ووسائل ومفردات لغة
بصرية جديدة نفسها ،
فتختلف جوهريا عما كانت
عليه في النص المسرحي
الادبي المغلق مثل :
فالمخرج وتداعياته
البصرية ( خالق الفضاء
البصري للعرض ) يأخذ دوره
محل المؤلف (مبدع النص
البصري الذي أوحي بالعرض
المستقبلي ) ويبرز جسد
الممثل وكينونة الاشياء
في الفضاء البصري ـ
الابداعي كذاكرة جسدية
تعمق مفردات التأويل
للموسيقى واللون والظل
والنور و السينغرافيا
وغيرها من الانساق الاخرى
، مما يعمق إيقاعياً
إستقلال وجود ها الجديد
الذي يظهر ككينونة جديدة
في زمن غير واقعي ، أي
يتكامل في الزمن البصري
وميتافيزيقيا الخيال. لان
التأويل والايحاء
والدلالة هي التي تكثف
هذا الوجود . ومجمل كل
هذا يساعد المتفرج على ان
يكون متفاعلا في فردوس
ألابداع الفني :
ويمكن أن نفهم بان
المفردات التي تكّون
بصرية العرض اختلفت عن
المفردات البصرية للنص ،
لان بصرية العرض متأتية
نتيجة لديناميكية الانساق
في الفضاء البصري
والذاكرة الجسدية للممثل
وميتافيزيقيا ذاكرة
الاشياء التي لها قدرة
تأويل فضاء العرض ، وهذ ه
تكون زمن الرؤيا البصرية
الابداعية على خشبة
المسرح. وبصرية النص
والعرض هنا لم يتفردا
كوسيط لنقل أفكار المؤلف
والمخرج وإنما امتلكت
استقلاليتها التاويلية .إذن
إن تداعيات الفعل والصور
والذاكرة الميتافيزيقية
المطلقة لجسد الممثل
وميتافيزيقيا ذاكرة
الاشياء في الفضاء البصري
يتشكل وجودها في بذرة
النص البصري التي توحي
بالعرض البصري ، الذي
يؤسس للبعد الرابع في
الفضاء والزمن في الطقس
المسرحي.
ويكشف النص و العرض
البصري تلك الصور واسرار
الحوارات واللغة المستترة
، وتلك الرؤى المحجوبة في
الزمان الواقعي للمتفرج .
وانطلاقا من هذا تصبح كل
موجودات ومفردات فضاء
العرض خاضعة للزمن
الابداعي البصري الذي
يعتمد على ميتافيزيقيا
الخيال ، فتنبثق الافكار
والصور مشعة ومثيرة
ببراءتها وأصيلة ومبتكرة
Original لتبهرنا وكأنها
تنبثق من السديم
الكوسمولوجي في البرزخ
الكوني .
ومن الضروري ألا يفهم هذا
بطريقة توحي بان الوسائل
المرتبطة بالخيال مثل
دلالة الصورة والتأويل
يكون هدفها تفسير الكلمة
أو خلق تطابق في المعنى
للحوار او للنص . وانما
الخيال الديناميكي هنا هو
الذي يشكل كينونة اللغة
البصرية وهو الذي يكثف
الزمان البصري لدرجة ان
هذه الرؤى البصرية تتشكل
أمام وعي وبصيرة المتفرج
المتفاعل كأنها برق أبدي
يتراءى في برزخ يخلق زمن
متوتر بين الصمت والكلام
بين الواقع والخيال بين
الظل والضوء بين الامتلاء
والخواء . برزخ تعبره هذه
الرؤى من الموات الى
الخلق والانبعاث لدرجة
يكون فيها الخيال وما
ينتجه من صور شعرية بصرية
في فضاء العرض كنتاج
مباشر للقلب والروح وهذا
بالتأكيد يخلق للابداع
الفني البصري وجودا في
الزمان .
إن تداعيات الانساق
وعلاقتها بفكر المخرج
البصري في الفضاء ،هو
توريط المتفرج بزمن
الرؤيا البصرية الجديدة
التي يخلقها الفنان
البصري أي الممثل وذاكرته
الجسدية بجانب المخرج
وتداعياته الاخراجية
البصرية لخلق ديناميكية
ذاكرة ا |