|
الإصلاح ضرورة داخل الحركة
الكردية
عزيز برو
طوال قرون طويلة كان العرف هو
الذي ينظم حياتنا و بموجب هذا
العرف كان السلطان أو الأمير و من
ورائهم الأغا أو الإقطاعي هو الذي
يقر القانون و لهذا كان هو دائما
فوق القانون. و في العصر الحديث
تحولنا من العرف الشرقي إلى
القانون المدون و لكن بقيت آثار
العرف في حياتنا و من ضمنها أن من
يقر هذا القانون يبقى خارجا عن
سلطته , هذا المرض الاجتماعي
والسياسي أنتقل الى حياتنا
الحزبية منذ تأسيس أول تنظيم
سياسي كردي في سوريا و خاصة إن من
شكل أول حركة سياسية كردية ((
خويبون )) كانوا في واقع الأمر من
الأغوات و الأمراء الذين هم عادة
في مجتمعنا فوق القانون من جهة ,
و كانوا من الجهة الرسمية خارجون
عن القانون أصلا في نظر الدولة
الكمالية .
و مع نشوء الحزب الديمقراطي
الكردي في سوريا ووضع النظام
الداخلي له المأخوذ من أنظمة
الأحزاب الشيوعية وقتها و التي هي
استنساخ للنظام الداخلي لأول حزب
شيوعي في روسيا القيصرية بداية
القرن العشرين .
هذا النظام الذي تشكل منذ مائة
عام و الذي ما زال ينظم حياتنا
الحزبية باستثناء بعض التغيرات
الطفيفة فيه , أثبتت حالات
الانقسام العديدة التي تعرضت لها
الحركة الكردية من جهة و ضرورات
المرحلة الحالية التي تأخذ
الديمقراطية شعارا لها من جهة
أخرى , بأنه يحتاج إلى إعادة
النظر في بعض مقترحاته و حذف أو
إضافة فقرات أخرى بهدف الوصول إلى
درجات أرقى في سلم الديمقراطية
داخل السلم الحزبي .
هناك مقولة مشهورة تقول إن أي
ثورة في الشرق تنتهي بمقتل قائدها
, و نحن الشعب الكردي مع الشعوب
الكثيرة في الشرق تنطبق علينا هذه
المقولة . و على سبيل المثال في
بداية القرن العشرين و بمقتل
المار شمعون سقطت الحركة الآشورية
رغم الدعم الذي تلقته من الروس و
فيما بعد من الفرنسيين و
الانكليز.
أما الثورات الكردية فمنذ
البدرخانيين (( ثورة بدرخان
الكبير و فيما بعد يزدان شير ))
في بوطان و مرورا بعبيدالله نهري
في كردستان الشرقية حتى الشيخ
محمود الحفيد في السليمانية مرورا
بالشيخ سعيد ﭙيران و إحسان نوري
باشا في آكري و سيد رضا في ديرسم
إلى أن وصلت إلى البرزاني في
كردستان الجنوبية .
كانت جميع هذه الثورات مرتبطة
بشخص هؤلاء القادة فأحيانا كثيرة
مع مقتل قائد الثورة أو أسره أو
انسحابه إلى خارج ارض كردستان
كانت الحركة تتوقف و تنتهي مع
مغادرته ...
أي أنه كان دائما ينظر إلى قائد
الثورة على إنه المخلص الذي يجمع
في شخصه كل صفات القوة و الحكمة و
حتى بعض الصفات الخارقة , كما كان
يشاع عنهم ..
و مع سقوط هذا القائد الذي يجمع
في شخصه كل صفات القوة و الحكمة و
ما إلى ذلك ...
فما لهذا الشعب المسكين أن يفعل
إذا كان ابن الإله هذا قد عجز عن
تحقيق الخلاص .
و لكن السؤال هنا : هل تخطينا نحن
الكرد تلك المرحلة و أصبحنا بمنأى
عن هكذا تخيلات لقادتنا ؟
دعونا نترك القادة الكرد في
الأجزاء الأخرى و نبقى داخل
حركتنا الكردية السياسية في سوريا
.
فلنسأل مثلا : فلنسأل مثلا : إذا
قرر أحد هؤلاء الأمناء العامين أو
رئيس لأحد الأحزاب الكردية رفع
الصفة الحزبية عن شخصه أو خطفته
يد المنون ، ماذا سيبقى من ذاك
الحزب المسكين ؟
ألم يقم هذا الزعيم أو ذاك
باختزال الحزب كله في شخصه أو
فلنطرح السؤال بصيغة أخرى :
ما هي نسبة الذين سيتعرفون على
الحزب الفلاني دون ذكر اسم صاحب
الحزب كما جرت العادة و ليس أمينه
العام إذا فالمرض ما زال ساريا
بشكله العام رغم وجود بعض
الاستثناءات التي تستحق منا كل
التقدير ..
يشكوا العديد منا من تشرذم الحركة
الكردية في سوريا و تشتتها و
يدعون الحركة الى التوحد , و لكن
لتحقيق هذه الوحدة نحتاج إلى
إزالة العقبات . ففي البداية لا
يمكننا إنكار وجود بعض الاختلافات
الفكرية و السياسية بين الأجنحة
الثلاثة المتواجدة في الساحة
الكردية التي تمثل اليمين ((
أغلبية أحزاب الجبهة و التحالف ))
و يسار الوسط ((يكيتي و آزادي ))
و أقصى اليسار بقيادة pydو
لكن هذا الاختلاف الفكري ربما
يعيق تحقيق الوحدات الاندماجية و
لكنه لا يعيق وجود جبهة كردية على
شاكلة منظمة التحرير أو الجبهة
الكردستانية في كردستان الجنوبية
للمطالبة بالحقوق القومية الثابتة
للشعب الكردي في كوردستان سوريا و
الأكراد المتواجدون في المدن
السورية الأخرى ...
و من جهة أخرى نتساءل ما الذي
يعيق الفصائل الكردية داخل التيار
الواحد من الوصول إلى الوحدات
الاندماجية رغم تلاشي الخلافات
الفكرية و السياسية فأننا سنعود
الى بيت القصيد و هو الأنظمة
الداخلة لان أي خطوة حقيقية
باتجاه الوحدة تحتاج أولا إلى
الإصلاح الداخلي داخل كل فصيل فمن
أين تبدأ الإصلاحات الداخلية ؟
إن العقبة الأولى و الأهم تكمن في
اختزال الحزب في شخص رئيسه أو
أمينه العام , و لكن لو حددنا
دورة واحدة أو دورتين للأمين
العام أو رئيس الحزب هل ستزال
العقبات أمام تحقيق تلك الوحدة
داخل التيار الواحد ؟
أعتقد إن الجواب سيكون كلا ,
فعلينا أن نبحث عن السبب الآخر و
الذي يكمن في نظري في تشكيلة
اللجان المركزية و بشكل خاص
مكاتبها السياسية ..
فأغلب هذه الأحزاب منشقة عن بعضها
ليس بسبب خلافات فكرية أو في
أساليب النضال إنما بسبب خلافات
شخصية تتعلق بالمناصب الحزبية و
المؤامرات و التكتلات و ما الى
ذلك ...
طبعا نستثني من ذلك انشقاق عام
1965م الذي نتج عن كلا من اليمين
و اليسار الكرديين و لكي نتمكن من
تجاوز هذه الخلافات نحتاج الى بعض
التغيير في تشكيلة المكاتب
السياسية بشكل خاص و اللجان
المركزية بشكل عام ..
و يكون ذلك بإضافة دماء جديدة الى
هذه اللجان بأن نحدد نسبة معينة
من المقاعد في اللجان المركزية و
مكاتبها السياسية للجيل الجديد
ممن هم دون الخامسة والأربعين و
أن تخصص نسبة أخرى لتمثيل المرأة
داخل هذه اللجان ..
كما يمكننا أن نفرض إرادة
الأغلبية في القواعد من خلال
الديمقراطية شبه المباشرة بالأخذ
بمبادئ الاقتراح و الاستفتاء .
فالاقتراح يقدمه عدد معين من
أعضاء الحزب و إذا أقرته اللجنة
المركزية يتحول الى قرار , أما
إذا رفضته فيتحول الى الاستفتاء
العام , فإذا أقرته غالبية أعضاء
الحزب يتحول الى قرار تلتزم
اللجنة المركزية به .
كما إن الاستفتاء داخل الحزب يتم
بدعوى من اللجنة المركزية في
الأمور التي تمس السياسة العامة
للحزب و المواضيع التي لا تتوفر
فيها الأكثرية داخل المركزية أو
إذا طلب ثلث المركزية ذلك أو نسبة
معينة من أعضاء الحزب , كما إنه
يحق للعضو المفصول من المركزية أن
يطلب الاستفتاء على إقالته , و
بهذا نرى إن مبدأي الاقتراح و
الاستفتاء يقويان من الوحدة داخل
الحزب و يمنعان التذمر و
الانشقاقات .
أما الشيء الآخر فهو مبدأ
المحاسبة الغائب داخل الحركة
الكردية و بخاصة للقيادات و لهذا
نرى ضرورة إيجاد لجنة الرقابة
المركزية (( محكمة الحزب )) و
التي تراقب مدى تقييد هيئات الحزب
بتطبيق برنامجه و نظامه الداخلي و
مدى التزامه بالديمقراطية داخل
المنظمات الحزبية , و تراقب
النشاط المالي للحزب و تنظر في
شكاوى أعضاء الحزب , و تكون هذه
اللجنة مستقلة تماما فهي لا تخضع
إلا لسلطة المؤتمر الذي ينتخبها و
يكون أعضائها من خارج الهيئات ((
الفرعية ـ المنطقية ـ المركزية ))
. و الخطوة العملية الأولى لتحقيق
التقارب الكردي هي تربية الأعضاء
الحزبيين و تهيئتهم للعمل مع أي
فصيل كردي آخر و إنهاء دروس
التخوين و العمالة التي تلصق من
قبل كل فصيل بالآخر , و دفع و
تشجيع الرفاق الحزبيين للاتصال
بأعضاء الأحزاب الأخرى و عقد
لقاءات على مستوى القواعد و الشيء
الآخر هو أن مرحلة النضال السري
تتطلب أساليب معينة و هذه
الأساليب كانت في كير من الأحيان
تقوض من الحياة الديمقراطية داخل
الحزب و تؤثر سلبا على عمل
الكوادر الحزبية و نشاط الحزب
ولهذا فأننا اليوم بحاجة الى
النضال العلني لأن الوسائل
المتبعة للنضال داخل الحركة
السياسية الكردية إجمالا هي
الوسائل الديمقراطية السلمية و
هذا النوع من النضال لا يحتاج الى
السرية و خاصة إن أي عمل أخرق
تقوم به السلطة سيكلف النظام
ألبعثي السوري أكثر بكثير من
الخسارة المحتملة للحركة الكردية
.
كما إن القيادة السياسية للحركة
الكردية بحاجة الى التعيين الصحيح
لشكل النضال و لكن على أن لا تهمل
الأشكال الأخرى وإن لم تكن ممكنة
في هذه المرحلة و عليها أن تكون
مرنة حتى تتمكن من مجاراة متطلبات
المرحلة و أخيرا هناك توضيح لا بد
منه فكثيرا ما ينتقدون الانقسامات
داخل الحركة الكردية في سوريا فما
أريد أن أقوله هنا إن الانقسامات
داخل الحركة السياسية و لحسن الحظ
بقيت داخل الحركة بين الفصائل و
لم تعمم على الجماهير الكردية في
كردستان سوريا بعكس الأجزاء
الأخرى من كردستان , فالشعب
الكردي في كردستان سوريا وصل الى
درجة من الوعي يمكنه من تحديد
الخط السياسي الواجب السير فيه و
كل من يتخلف عن هذا الخط أو يسير
بعكس إرادة الجماهير فانه يعزل
نفسه .
و يبقى الشارع الكردي كما عهدناه
موحدا سواء قاده حزب واحد أو رزمة
من الأحزاب .
|