|
فنان يهرول على الرصيف ... !!!
أحمد موسى
دخل عليًّ ذاك الفنان الكردي في مكان عملي
( د- س ) راسماً لوناً داكناً لوجهه .
ربما هي المرة الأولى ، التي أشاهده على
هذا الحال . سلّم بتلكؤ غير خاف حرقة
المأساة التي جرها إليًّ ، ربما أراد أن
يدشن لي يوماً ينقل فيها خبراً خاصاً ،
فقد نسي المسكين أنى صبيحتي لا تبتعد عن
صباحه الحافل بمصيبة جديدة قد صادفته .
بدا جلياً وكأنه يصارع المستحيل يخفي
احمراراً رقد في عينيه. وقف برهة فجاش
بالبكاء « المستغيث » يطلب الحول والقوة ،
تماماً في هذه اللحظة توقف « الزملكان »
فقط أذني ؛هو الشيء الوحيد ، الذي ظل
نشطاً ، يحسب عدد تنهيداته المتلاحقة
فاختلط الجمع . ذكرني بجدي - رحمه الله -
وهو يحتضر ساعته الباقية .
فاحترق كياني مرتين . الأولى استحضرت
ذاكرتنا المآسي المتشابهة إن لم تكن
متطابقة ،والثانية عويل الأمهات على فلذات
أكبادهم شهداء آذار. انتصر الضعف على
مقاومتي للصورة الواقفة أمامي ، فوجدت
نفسي أشاركه ما هو عليه دون أن أسأله. لكن
" الرجال قلّما يبكون إن لم تحفر المصيبة
حفرة كبيرة في أعماقهم " ( فالقول لجدتي
هذه المرة ) . كاد يهوي على الأرض وهو
يرتجف ، فتدخلت لإمساكه .
بدأ يسلح نفسه بالهدوء ،على الأقل ليستعين
رجولته المنتهكة كالباقين ، ليسرد ما حصل
معه ، لكن حنجرته أوقفت الخدمة بعض الشيء
فلم تكن تستطع أن ترمم كلماته المتقطعة
،ولم تلجم صدى لفظه المبحوح حول الجسد .
نأى برأسه متمتماً يتحدث معي تارة ومع
ذاته تارة .
نعم أنا فنان ،وقدري هو كوني كردي ، مثل
قامشلو تلك المدينة قدرها أن وقعت في أعلى
الشمال السوري ، وربما قدرها أن يكون
الكرد هم الأكثر كثافة فيها، يعيشون على
خارطة - مستأصلة – أو منسلخة حتى من تلك
الكتب التي تدرس في المناهج التدريسية
قاطبة . فالمراقب لشأن الكرد في سوريا ،لن
يتعثر في كشف الاستئصال لمجرد أن غذّى
فضوله أو أراد تثبيت صحة الإدعاءات
الكردية بهذا الشأن . أو ليس 12 آذار
الدامي 2004 – وهؤلاء الشهداء – كل
المجريات وما تتالت بعدها من اعتقالات
اعتباطية ، وغيرها .. أسقطت الشبهة عن تلك
الكتابات الكردية التي كتبوها– داخل وخارج
– الحقل السياسي التي كانت تتحدث بلغة «
المستغيث » عن الآلام اليومية المعاشة،
والحرمان، والتمييز السافر الذي يعانيه
ذاك الكردي المسكين .
آذار بيومه الثاني عشر شاهد عيان – أبدي -
،وضحت صورة الحقيقة المتروكة للتاريخ . أو
ليست تلك الأرواح - كانت تعيش ربيعها -
زهقت بغير حق بفعل آلة القتل الأمني . كل
هذا فقط لأنهم شعب يودون العيش بسلام–
ويحبون بسمة الأطفال – بعيداً عن المقاصل
،ربما قد لا يكفي هذا بحق هؤلاء ،والحديث
يطول .... ويطول ..
ها نحن ذا نقع الآن بين فكي كماشة جديدة .
فصانعها هذه المرة هو ، ( عبد الله الراوي
) ،ذاك المخلوق قد حمل لواء الابتزاز يطوف
بيننا . فمن جهة يهددنا في أشرطتنا ،التي
إن حوت أغنية تتحدث عن يومياتنا الكئيبة
،فتسحب الأغنية مقابل الطبع . وقد مارسها
مع آخرين والأمثلة مازالت على قيد الحياة
فلان .. وفلان .. ومن جهة ثانية يحرمنا حق
الشهرة إن لم نذعن لما يشترطه . فوق هذا
كله ندفع حق الطباعة والصور تلك هي التي
من واجبه تكفلها . فقط لأنه الوحيد الذي
يعمل في هذا الحقل . أو ربما هناك ما يحاك
في الظلام والأزقة السوداء ، حيث لا ندري
. أم إن فضائياتنا الثمانية لها سياسة –
عدم – التدخل في شؤون الغير ، أقول ربما
قد يدفعهم الاعتقاد إننا الكرد السوريون
ما زلنا لا نملك تذكرة الدخول إلى عالمهم
. أم لأننا سنبقى نفتخر بهويتنا الكردية
،و نعتز بوطنيتنا السورية . أم يجب على
ذاك الشعب « المستغيث » أن يقضي ما بقي
منه يهرول على الرصيف .
|