|
إفساد الجيل مسؤولية من ؟
عدنان عجيل
يقول المفكر العربي طيب تيزيني: "
يجب إفساد من لم يفسد حتى يصبح
الجميع مدانين تحت الطلب ".
تيزيني يشير إلى فساد عام عربياً
،وهنا أشير إلى حالة خاصة (
الحالة الكردية ) قامشلو نموذجاً
حيث لا يمكن إحداث قطيعة بين
العام والخاص فكل خاص هو عام بشكل
من الإشكال
ومن خلال دراستي الإحصائية بين
طلاب وطالبات الثاني والثالث
الثانوي ، بعد ان طرحت عليهم
السؤال التالي : " ماهي أكثر
الاقنية الفضائية التي تشاهدونها
؟ ".
أشارت إجاباتهم إلى النتائج
التالية : 78% يشاهدون الكليبان
والأغاني الهابطة .
7% برامج دينية .
10% رياضة .
3% اخبار .
2% أفلام كرتون .
لا شك بان هذه النتائج تشير إلى
ظاهرة خطيرة لدى الشباب تستدعي
منا الانتباه والاهتمام إذا كان
حقاً يهمنا بناء مجتمع سليم وجيل
فعال قادر على تحمل المسؤولية
وتجاوز الأخطاء .
هذه الظاهرة تقودنا إلى التساؤل :
لصالح من يتم إفساد الجيل وتشويه
الوعي ؟ وبتعبير أخر من المسؤول
عن إفساد الشباب ؟
في ظل الأنظمة الشمولية التي تضغط
بكل ثقلها على البني الاجتصادي
والسياثقافية لتكريس هيمنتها
والمحافظة على بقائها ، تظهر
جلياً السمات التالية : ( انتشار
البطالة والبطالة المقنّعة – فساد
النظام القضائي – انتشار متسارع
لرياضة العابثة والفن المنحط –
سيادة الاعلام الكاذب – تحكم
اصحاب المال بالقرار السياسي )
وهنا تقوم النظم السياسية
الشمولية بعملية غسل الادمغة عبر
الاخطبوط الاعلامي لتحويل الفرد
إلى كائن ضعيف مشوه وفاقد الهوية
يعبرعن خوائه الداخلي وخصائه
الفكري عن طريق التماهي والتقمص
وتقليد الاقوى في ثقافته وطريقة
عيشه فيهتم بتوافه الامور وقشورها
.
واذا كانت هذه الأنظمة تكرس حالة
التخريب والا فساد بوعي مسبق
وتخطيط مدروس فاننا نساهم ايضاً
بدون وعي في مساعدة هذه الأنظمة
لتحقيق المزيد من الفساد والافساد
.
كيف نكون اداة للافساد بدون وعي ؟
الاجابة تحيلنا إلى تحليل البنية
التربوية للاسرة .
- واقع الأسرة الكردية ( قامشلو
نموذجاً ) : مع تنامي ثورة
العولمة وسيطرة القيم الاستهلاكية
بدأت العلاقات الاجتماعية
الحقيقية تتراجع لتحل محلها
العلاقات المكيافيلية وتغلغلت هذه
العلاقات حتى بين افراد الأسرة
بين الازواج والاباء والابناء
وبات الاب يقضي معظم الوقت خارج
المنزل لتأمين المتطلبات
المتزايدة وينخرط في الواقع
المادي الاستهلاكي تاركاً كل
القيم والمبادئ الروحية خلف ظهره
، فلا يجد الوقت للقيام بدوره
التربوي ولايعيرها أي اهتمام
ناسياً بان الانسان لايحيا بالخبز
وحده ،ويصبح همه الوحيد الدخول مع
الآخر في سباق ماراتوني مادي و
يرغب في اكتساب العالم حتى ولو
فقد ذاته و " ماذا لو كسبت العالم
وفقدت نفسي " وبفقدان الذات يفقد
المقربين اليه وبهذه الطريقة
اللاواعية التي تفتقر إلى الف باء
التربية يساهم في عملية الافساد
دون قصد . هل يعقل ان لايعرف الاب
إلى أي صف وصل ابنه ، وفي أي
مدرسة يكون ، ومتى يذهب ومتى يعود
، ومن يصاحب ! ! ، فليس هناك
انسان فاسد بطبعه بل التربية
تجعله كذلك .
- الأم: قال هارون رشيد لأبنائه
لم أظلمكم أبدا لأنني اخترت لكم
إما صالحة .
فالام هي الدعامة الاساسية في
العملية التربوية وعلى عاتقها تقع
مسؤولية الاصلاح والافساد ،فاذا
كانت تجهل مبادئ التربية السليمة
وكيفية التعامل مع الطفل فانها
ستساهم في تكوين شخصية ضعيفة
قابلة للانحراف بكل سهولة ،
وعليها ان تدرك بان الاستمرار في
النقد والقمع والسخرية والاستهزاء
وتحريم الطفل من العطف والحنان
ستخلق لديه مشاعر الذنب والتبكيت
والعصاب مستقبلاً . كما ان
الافراط في التدليل والاستجابة
لجميع رغباته تؤدي إلى افساده لان
الحسم ضروري في بعض المواقف .
وقلما نجد الام التي تعي هذه
الحقائق التربوية حتى بين
المتعلمات فالانثى في المجتمعات
المتخلفة تهتم بطلاء اظافرها
واحمر شفاهها و الشكليات اكثر من
أي شئ آخر وهذا ما عبرت عنه
الدكتورة نوال السعداوي : " ان
الصحف والمجلات تخاطب المرأة
كطبقة من الجلد تحتاج إلى انواع
خاصة من الكريم و كرموش تحتاج إلى
تغذية وشفاه تحتاج إلى طلاء . "
المرأة في المجتمعات الاستهلاكية
تتحول إلى مجرد جسد لعرض منتوجات
التجميل و تستحوذ هذه التوافه على
تفكيرها وتشغلها عن وظيفتها
التربوية وتبعدها عن جوهر القضايا
فيتحول المنزل إلى ساحة صراع
وينعكس ذلك سلباً على هدوء الأسرة
وتماسكها ، ان جو الأسرة المشحون
بالتوتر وعدم التفاهم و انعدام
الصدق و الاحترام بين الوالدين
تخلق لدى الطفل شخصية عصابية
انطوائية او عدوانية فالقدماء
قالوا : " اعطيني طفلاً لابني لك
العالم " لان التربية الاولى هي
التربة الصالحة لبناء جيل سليم او
فاسد .
كلنا نركض وراء شكليات الواقع
الاستهلاكي لنرمي بذواتنا في آتون
الفساد عن وعي او دون وعي ناسين
بان اطفالنا يحتاجون إلى عطاء
معنوي واهتمام روحي وتربوي وقيمي
وبذلك اصبحنا جميعاً مساهمين في
عملية إفساد الجيل .
ونحمّل الحركة الكردية هذه
المسؤولية من خلال تراجع دورها
التربوي والثقافي واهمالها في
احتواء الاطفال والشباب فالحركة
الكردية معنية باحتضان الاطفال
والشباب وتوجيههم قيمياً وثقافياً
وعليها ان تعي اهمية هذا الدور
التاريخي وتعمل على احلال مبدأ
الثقافة محل مبدأ السخافة وتوجيه
الوعي للاستفادة من الجانب
الايجابي في ثقافة العولمة .
|