Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

رائحة الحرائق

عبدالوهاب طالباني

استراليا
يبدو ان الذاكرة لا يمكن ان تنسى عنفوان بعض الاحداث ، فتبقيها طرية ، وتعيدها الى السطح بأقل حرشة مستفزة لها ، وهكذا فحرائق ولاية نيو ساوث ويلز الاسترالية عام 2002 التي حولت غابات خضراء منذ الازل ، احتفظت بطهارة ونقاوة طبيعتها الساحرة الى حطام وحطب اسود استفزت ذاكرتي ، الصور المرعبة لهذه الحرائق التي اطلعت عليها صدفة هذه الايام ، اعادت الي مشاهد تلك النيران التي مازالت تشتعل في ذاكرة بلادي الام... الواقعة هناك على منحدرات زاكروس قرب عرائش النجوم منذ دهور ، تلك النيران التي ما زالت تضرب في العشب الاخضر والغابات العذراءلآكثر من ثلاثة ارباع بلادي وتقتل قطعان الغزلان وتطرد طيور القبج الجبلي من اعشاشها وتذبح الانسان وتقتلع لسانه وتمحي لغته وتحرق حقول القمح وتدمر بيته وسقيفة مواسم الصيف.

واول حريق ، جسد مشهد البشاعة في ذاكرتي والتي رأيتها بأم عيني ، كانت تلك الحرائق التي اشعلنها طائرات الحكومة العراقية في 11 ايلول 1961 بغابات مضيق " دربندي بازيان" بين مدينتي كركوك والسليمانية ، تلك الحرائق التي بدأت منها محاولات حرق المشاعر الوطنية الكوردية واغراق كوردستان بكل بشرها وامالها وحقوقها وثقافتها وتاريخها وشعرها في اتون من الدخان الاسود ... والرماد. فقد احرقت الطائرات غابات الصنوبر والبلوط ، وحولتها الى اكوام من الاشباح السوداء ، واستهدفت الفصائل الاولى للثورة الكوردية الحديثة ، هؤلاء الذين يجب ان تخلد اسماؤهم وتكتب بحروف من نور ونار على بوابة المضيق الذي شهد معارك الشيخ الحفيد الخالد ايضا في عشرينات القرن الماضي ، فأرتبطت بشاعة تلك الحرائق والتي تلتها في كل الارض الكوردستانية... ببشاعة استهداف الانسان الكوردي لأسباب هو غير مسؤول عنها. فما ذنب هذا الشعب اذا كان القدر قد صممه كورديا ومن ارومة تختلف عن ... ارومة (شعوب الله المختارة!).

ولقصص النار والحرائق معان اخرى ، منها المعنى الرومانسي في السفر الثوري لشعوب الشرق ومنها الشعب الكوردي ، وقصص النار ليست محصورة ببشاعة حرائق الغابات ...والبشر وحدهما ، فالنيران التي توقد على رؤوس الجبال ليلة ال" نوروز" ترسم حدود بلاد الكورد في هذا الليل البهيم الذي تعيشه و هي الاجنحة النارية لجياد منطلقة بين الشعاب لتبلغ نهاية فصل الصقيع ، وبداية الربيع الزاهي ... مثلما تصفق بلهيبها لمهرجان التحرر والخلاص من الانظمة العنصرية التي لا ترتوي الا بالشرب من نهر الدماء التي تسفكها دون وجه حق.

وموقد" النار الازلية" ، واصداء تجليات ملاك الخصب والحياة "اناهيتا" التي تمسك بيدها الاعنة الاربعة ..المطر والريح والسحاب والندى في سهول كركوك ما زالت تضيء عتمة الليالي ، وفي غسق فصول الثلج تأتي بالعنفوان ، وتفك عن الارواح قشعريرة البرد في براري بابا كور كور ، وتوقظ دفيء الارض ، ولترتفع السنة نيرانالموقد الازلي كفنار للقوافل التي تتهادى بين سهول " كه رميان".

للنار حكايات في النسغ الصاعد المشتعل في جسد اهل الجبل الكوردستاني....

وللحرائق التي لم تنته بعد ، والتي ما زالت تأخذ من حواشي القلب في ازقة ديار بكر الحزينة واحياء قامشلو المتحدية ، و خيام الكورد اللاجئين في مدينتهم كركوك ، وفي العيون الصارمة المترقبة لاهلنا في سنندج وكرمنشاه ، هذه النيران ما زالت تجرجر تواريخنا هناك في موطن الالم ، وهنا في البيوت المسكونة بوجع البعاد عن وطن النرجس وال"نوروز" ، او في عصف الموت لشهداء كورد منسيين في السجلات الرسمية ، قضوا بين الاسلاك الشائكة بنيران الجندرمة ، او في بطون القرش في البحار الغريبة.




 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE