|
توظيف التراث في أدب الأطفال
عبد المجيد
قاسم
Mejeed1973@hotmail.com
إن الثقافة هي مرآة الشعوب وإحدى
أهم أوجه الحضارة الإنسانية ,
والتراث بدوره يشكل أساساً متيناً
لذلك المنبر الحضاري ، وعلى
أرضيته الخصبة تُزهر الكثير من
أصناف الأشجار المثمرة والورود
والرياحين .
والتراث لغوياً هو ما يتركه
الإنسان لمن يخلفه أو يأتي بعده ,
ولقد كان التراث على مر العصور من
أهم الينابيع التي رفدت نهر الأدب
بالعطاء المتدفق , إلا أن توظيفه
يصبح ذا مكانة أكثر تميّزاً عندما
يتعلق الأمر بأدب الأطفال , وذلك
لتنوعّ أشكال التوظيف والاستثمار
فيه ، وقد اُعتمد التوظيف مع
بدايات ظهور أدب الأطفال وكان أهم
المصادر لكبار كتّاب الأطفال في
العالم مثل لافونتين و ( تشارلز
بيرو , وفرانسيس أوزبور وروبرت
سامبر , وهانز أندرسون وكامل
الكيلاني )(1) وقد تمكّن أدب
الأطفال بفعله من تحقيق نهضة
متكاملة في تاريخه الحديث .
وتوظيف التراث في أدب الأطفال
يعني استحضار فترات محددة من
التاريخ "سواءً من خلال مواقف
أوشخصيات أو حوادث"، أو الاستلهام
من التراث الشعبي المروي أو
استغلال قصص وحكايات أو كتب
تراثية عالمية "مثل كتابي كليلة
دمنه و ألف ليلة وليلة الّلذين
يحتويان على الكثير من الحكم
والمواعظ والانتصار للحق ،
وأجواءٍ من المرح والفكاهة
"وانتقاء ما هو مناسب للطفولة ،
واختيار النماذج التي تستحق أن
تكون قدوة للأطفال , ثم العمل على
إعادة صياغتها وإكسائها لوناً
يتناسب وروح العصر الذي يعيش فيه
الطفل .
ويمكن تبسيط المادة التراثية على
شكل قصة أو قصيدة أو مسرحية أو
مقالة ، ومن صوره مثلاً: كأن
نعرّف الأطفال بشخصية تاريخية
مهمة ، ونجعلها تتحدث عن نفسها
وعن مولدها ونشأتها وإنجازاتها
وعرض نماذج من إبداعاتها وأعمالها
بأسلوب مبسط ومناسب ويعتبر الشعر
أكثر الأجناس الأدبية طواعية
لاستثمار التراث ، وأكثرها مقدرة
على استلهامه .
وتكمن أهداف التوظيف في أن يطّلع
الأطفال على تراثهم وأن يتعرّفوا
بالشخصيات الهامة في تاريخ أمتهم
, كما يهدف إلى غرس الكثير من
القيم والمثل في نفوسهم ، حيث
تترسخ في الأذهان من خلال العبرة
التاريخية ، بالإضافة إلى توسيع
آفاق معارفهم وإكسابهم الخيال
الخصب والواسع .
إلا أن هذه العملية تحتاج إلى
شروط معيّنة لتحقيق نجاحها , وأهم
عنصرين للتعامل مع التراث كما
يحدّدها الشاعر سليمان العيسى هما
: ( الرؤية الجديدة واللغة
الجديدة فالرؤية الجديدة تعني
الحاضر وتبعث الحياة فيه وتجعله
دوماً جديداً في شرايينه ، واللغة
الجديدة هي الوسيلة التي تجعل من
هذا الماضي البعيد شيئاً قريباً
إلينا ومألوفاً منا ) (2) إذاً :
فلابدّ لنجاح التوظيف من قراءة
التراث بشكل جيد وفهمه فهماً
سليماً ، وتقديمه برؤى وعاطفة
جديدة ومتطوّرة ؛ يستطيع التأثير
في المستقبل وتغيره نحو الأفضل أي
"قراءة معاصرة للتاريخ" وهذا لا
يعني التغير في صلب الموضوع ، أو
تحويله عن حقيقته أو حذف الحاضر,
كما أنه في الوقت عينه لا يعني
اعتماد
الجمود والتكرار والاكتفاء
بالتقليد واجترار الماضي ؛ بل هو
عملية منظمة ومدروسة , يُستوحى
منها ما يخدم الحاضر ويخدم
المستقبل .
يقول الأستاذ أحمد إسماعيل
إسماعيل : ( التاريخ في الفن ليس
تصويراً لما حدث بل لما يحدث وما
يمكن أن يحدث)(3) كما لابد أن
يحقق هذا التوظيف الأهداف
التربوية والأهداف الفنية معاً .
وكما سبق وأن ذكرنا فانّ التراث
يمثل اللوحة الأكثر وضوحاً في
التعبير عن أصالة الشعوب , وأحد
أهم مقومات وجودها وبقائها , وأن
من الضروري توظيف هذا الجانب
الهام من حياتها , توظيفاً يتيح
للنشء التعرّف على تراثه , كما
يجب ويطّلع على الفترات المشرقة
من ماضي أسلافه .
فإن التراث الكردي الغني جداً ,
والمتأثر بحضارة تمتد جذورها
عميقاً في أرض الزمن , والحافل
بالأساطير والملاحم الشعبية
والمحطات التاريخية المضيئة
والمشرقة , وبحكايا النضال ضد
الظلم ومناهضة التسلّط , وبالقصص
والنوادر والحكم , والزاخر
بالشخصيات العظيمة التي كانت لها
أدواراً هامة في الفترات التي
عاشتها , يستحق أن يكون منهلاً ,
ومرتعاً خصباً يستوحي منه كُتاب
الأطفال عشرات القصائد والقصص
والمسرحيات , يرتوي منها أطفالنا
, ويطّلعوا من خلالها على ماضي
الآباء والأجداد , فما أكثر تلك
الجوانب التي يمكن توظيفها عن
الحياة الريفية الكردية , وعن
حياة الفلاح البسيط وكفاحه المرير
لتحصيل لقمة عيشه , ومقارعته
للإقطاع والاستغلال , وعن الفترات
الاجتماعية المختلفة التي عاشها
المجتمع الكردي , بما احتواه من
نضال إنساني يعزّز من انتصار الحق
والعدل والجمال .
وما أغزر التاريخ الكردي بالثورات
والانتفاضات ضد القهر والعبودية ,
بدءاً من انتفاضة "كاوا الحداد"
وملحمة "دمدم قلا" , مروراً بنضال
الإمارات الكردية في العهد
الإسلامي كثورة "محمد بيك" في
راوندوز , وثورة "البدر خانيين"
في بوطان , وبسالة أبناء العشائر
الكردية التي قاومت الحملات
الخارجية تحت لواء القائد صلاح
الدين الأيوبي , وانتهاءً بثورات
"ديرسم وآمد ومهاباد" , ومقاومة
الاستعمار الغربي الحديث , "وهذا
ما يتناسب مع الفئة العمرية
الثانية من مرحلة الطفولة" , بشكل
يتم فيه التركيز خلال عملية
التبسيط وإعادة الصياغة على القيم
الإنسانية النبيلة , وليس على
المشاهدات والنتائج المأساوية ,
وعلى الانسجام بين العناصر
الواقعية والعناصر الخيالية , لأن
عملية التوظيف تعني إعادة بلورة
الماضي لكي يكون أكثر قبولاً في
الحاضر , كما أن تاريخ الكردي
يكتظُّ بالشخصيات التاريخية
البارزة التي عكست الكثير من
القيم الإنسانية , وساهمت في بناء
صرح الإبداع العالمي , كشخصية
"صلاح الدين الأيوبي , وكريم خان
الزندي , والشيخ سعيد بيران ,
والبرزاني , وأحمدي خاني , وملاي
جزيري" , وأيضاً على الشخصيات
النسائية اللواتي أظهرنّ الكثير
من مظاهر القوّة والحكمة كشخصية
"عادلة خاتون" .
بالإضافة إلى استغلال القصص
والحكايات والنوادر والحكم , التي
تحمل من المعاني والإشارات
الإنسانية دلالات كبيرةً , ثم تتم
عملية تحويلها إلى قصص ومسرحيات
مبسطة , وإلى قصائد شعر وأغان ,
كل ذلك بصياغتها في موضوعات
تتناسب مع مدارك الأطفال وتنسجم
مع مستوى نضجهم "العقلي
والانفعالي واللغوي" بعد أن
تتناسب فيها الحوادث المنطقية ,
وبشكل لا يُغفل فيها معطيات العصر
الذي يعيشه الطفل , ثم تعرض
بأساليب مشوُقة ومثيرة تحفّز خيال
الطفل , وتستثير عواطفه , وتعمل
على تعميق انتمائه الإنساني ,
وإلى غرس قيم جميلة في أعماقه ,
وتنمية ذائقته الجمالية , وليكتمل
عنصريّ "الموضوعية والتشويق" في
المادة المقدّمة وتتحقق بالتالي
الغايات التربوية والترفيهية .
ويمكن أيضاً الاعتماد في التوظيف
على حكايات تراثية عالمية كانت
ومازالت مصدراً لمعظم كُتاب
الأطفال في العالم , بما تحتويها
من أهداف , تسعى لإشباع رغبات
الطفل في المغامرة والاستكشاف ,
وتنمية ملكاته العقلية كما أنها
تعرّفه بعادات وتقاليد مختلفة ,
وعلى تعدد البلدان والشعوب ,
بالإضافة إلى إمتاعه وإسعاده ضمن
أجواء من المرح والتسلية , مثل
حكايات "علي بابا" و"علاء الدين
والمصباح السحري" , و"رحلات
السندباد البحري" , حيث أن القصص
من هذا النوع توسّع آفاق الأطفال
, وترحل بهم في عوالم مختلفة ,
وتزيح عن صدوره مكبوتات ما يعتمل
فيها , ومن المهم الحذر من القصص
التي تغرق في السحر والخرافة ,
لأن في ذلك ضرر كبير على الطفل .
ومن الجدير القيام به اليوم
التنقيب في مكنونات التراث الكردي
المبعثر تحت الأنقاض والذي يعاني
الضياع والاندثار إلى حد كبير ,
ثم انتقاء ما هو مناسب للطفولة من
تلك الشجرة الممتدة بجذورها في
عمق الأرض , وإعادة اللمعان لتلك
الكنوز الدفينة وتقديمها للذين
تفوق قيمتهم الحقيقية قيمة الكنوز
والجواهر .
الهوامش :
1) الموقف الأدبي العدد /400/ آب
2004 ـ العيد جلولي ص/20/
2) المصدر نفسه ـ محمد عزام ص/17/
3) مسرحنا المأمول ـ أحمد إسماعيل
إسماعيل
|