|
|
|
إعلان دمشق ... ومسيرته المتعثرة
دلوفان دشتي |
 |
|
19.
07. 2008- rojava.net
|
|
بداية ً أرى أنه من واجبي أن أشكر تلك
الجهود التي بذلت لتوحيد ما أمكن توحيده
من أطياف المعارضة الوطنية السورية في
إطار واحد, وهذا يعني بالضرورة وضع النظام
أمام بعض التحديات التي من شأنها, إن تم
التعامل معها بشكل إيجابي مسؤول, أن تساهم
في حلحلة بعض من المسائل الغير متفق
عليها. فالإعلان بحد ذاته هو خطوة متقدمة
ومتطورة من قبل المعارضة الوطنية للنضال
السياسي للخروج بالبلاد من أزمتها الخانقة
التي طالت كافة نواحي الحياة. إنني لا
أقلل من أهمية الإعلان كخطوة نضالية, ولكن
على أن تكون مرحلية مؤقتة وليس بمثابة
قانون أو دستور دائم يلتزم به الموقعون
عليه في المستقبل.
يتضمن الإعلان نقاط إيجابية عديدة
بل ومضيئة. فهذا التوافق الغير مسبوق في
تاريخ سوريا منذ الخمسينات من القرن
الماضي, يعتبر بحد ذاته منجزا ً هاماً.
وبالإضافة إلى هذا فإنه (الإعلان) يتطرق
إلى مناقشة مسائل ضرورية في حياة الشعب
السوري بشكل لافت للنظر, مثل مسألة النضال
من أجل تأمين السبل الديموقراطية في تداول
السلطة, والدعوة إلى استقلال القضاء
استقلالا ً تاما ً, وفصل السلطات الثلاث
عن بعضها, واستقلالية الجيش كمؤسسة عسكرية
مهمتها صيانة استقلال البلاد والدفاع عن
الوطن والشعب, وتفعيل دور مؤسسات المجتمع
المدني, مثل النقابات والاتحادات
والمنظمات الشعبية, وإفساح المجال أمام
هيئات ومنظمات حقوق الإنسان.
إن المتتبع لمسيرة إعلان دمشق
وما صدر عنه حتى الآن من إعلام, يمكنه أن
يلاحظ سلبية الموقف من الشعوب المتعايشة
في سوريا وخاصة الشعب الكردي. وفي الأسطر
القليلة القادمة سأحاول أن أتطرق إلى بعض
ما أراه سلبيا ًفي مسيرة إعلان دمشق
للتغيير الوطني الديمقراطي في نسختيه.
فتبدأ المرحلة الأولى من تاريخ الإعلان 16
/ 10 / 2005 حتى تاريخ 1 / 12 / 2008 حيث
تم تشكيل المجلس الوطني لإعلان دمشق
للتغيير الوطني الديمقراطي.كما إنني عندما
أبدي ملاحظاتي الشخصية فلا يكون ذلك من
قبيل فتح الباب أمام المتربصين به وإنما
فقط لوضع النقاط على الأحرف, حسب رأيي
المتواضع, بغية تلافي الأخطاء قدر ما
أمكن.
إن الإعلان هو صك اتفاق أو ميثاق
بين أطراف عديدة من المعارضة ذات أجندات
مختلفة ومتنوعة اتفقت على الحد الأدنى من
المطالب. إنه يحدد الخطوط العامة للأسس
النظرية التي أجمعت عليها اتجاهات سياسية
وفكرية وحقوقية متعددة, ولذلك كان خطوة
جريئة وفريدة من نوعها, اقتربت ببرامجها
النظرية من أغلب فئات الشعب فلامست
مشاعرهم, وقد ساهم هذا في التغطية
الإعلامية الواسعة. ولكن سرعان ما تراجع
الموقعون عليه تدريجيا ً عن تلبية مطالب
الناس وطموحاتهم. هذا من ناحية, ومن
الناحية الأخرى فقد بدأ عدم التجانس
السياسي يظهر على السطح مبينا ً أن
التقارب الفكري المأمول بات ضعيفا ً ً,
حيث لم يعد الاتفاق على الخطوات العملية
في معظم الحالات, بل على العكس تماما ً
فقد انحصرت فعالياته في إطار إصدار
البيانات وإطلاق العنان للنداءات
والبلاغات. وهذا ما أدى إلى انحسار
الالتفاف الجماهيري الذي بات يقترب من
الصفر في أكثر الأحيان.
ولعل أحد أسباب هذا التراجع يعود
إلى البرامج الغامضة والمبهمة التي تبث
الخوف من المستقبل في النفوس. إن دور
التيارات الإسلامية, التي انضوت تحت لواء
الإعلان, كان ولا يزال غامضا ً, وخاصة في
شكل التغيير المستقبلي المنشود الذي يسعى
إليه كل الأطراف الموقعة على الإعلان. فلا
ندري فيما إذا كان هذا التغيير ليبراليا ً
ديموقراطيا ً أم أنه سيكون يساريا ً,
قوميا ً أم ذو توجه ديني إسلامي. وأكثر من
ذلك, ترى بعض الأطياف السياسية يذهب إلى
متاهات الحسابات الحزبية الضيقة, وبعضها
الآخر لم يستطع الخروج من ترهات الماضي
ودهاليزه, متمسكا ً بثوابته الإيديولوجية
التي تتعارض مع الفكر الديمقراطي, ولعل
خير مثال على هذا انسحاب أو تجميد حزب
الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي
لعضويته في الإعلان, لأن ممثليه لم يحصلوا
على الأصوات التي تؤهلهم لعضوية ( الهيئة
الرئاسية ) للمجلس الوطني. لقد تفاعلت كل
هذه الأسباب مع بعضها لتضعف قوة هذا
الإطار التوافقي, إذ لم يعد صالحا ً ليكون
المركز الأساسي للاستقطاب السياسي
المعارض.
والآن لنذهب معا ً إلى قراءة بعض
الفقرات من الإعلان الأول, وما تلاه من
بيانات وبلاغات, وصولا ً إلى البيان
الختامي لإعلان المجلس الوطني لإعلان دمشق
للتغيير الوطني الديمقراطي. فقد جاء في
سياق ما يهدف إليه الإعلان " ضمان حرية
الأفراد والجماعات والأقليات القومية في
التعبير عن نفسها, والمحافظة على دورها
وحقوقها الثقافية واللغوية, واحترام
الدولة لتلك الحقوق ورعايتها في إطار
الدستور وتحت سقف القانون". نرى أن
الإعلان يؤكد على كون القوميات المتآلفة
أقليات قومية, وليست شعوباً, تنحصر حقوقها
في المجال الثقافي واللغوي فقط, دون أن
يكلف الموقعين عليه أنفسهم عناء البحث في
نسبة تواجد كل واحدة من هذه القوميات على
حدة وتاريخية وجودها, وهذا ينكر على الشعب
الكردي, على الأقل, تاريخ وجوده الطويل
على هذه الأرض, التي هي أرض آباءه
وأجداده, ودفاعه الدائم عن تراب وطنه
سوريا ضد الاستعمار, في كل المراحل
التاريخية دون استثناء, ومشاركته في بناء
الوطن السوري في أحلك المراحل وأصعب
الظروف, دون أن يتذمر يوما ً أبدا ً.
أما عن الحقوق اللغوية للقوميات
فإنه يحصرها فقط في ( التعلم ), دون أن
يكون لأية قومية الحق في المطالبة بتعليم
لغتها في مدارس رسمية ولا في أية مؤسسات
خاصة. أضف إلى كل هذا أن الإعلان يتجاهل
تماما ً كون اللغة الكردية هي اللغة
الثانية في سوريا, ويجب أن تعامل على هذا
الأساس. إن ما سبق قوله يتأكد لنا أكثر في
الإهمال المتعمد لمصطلح ( الشعب الكردي ),
بل يرد بدلا ً منه ( المواطنون الأكراد )
في أماكن كثيرة ومتعددة, وشتان بين
المصطلحين أو التسميتين, من حيث المفهوم
الفلسفي والمدلول السياسي, وإن دل هذا على
شيء فإنما يدل على تأكيد اختزال الحقوق
القومية فقط في الحقوق الثقافية واللغوية
للقوميات غير العربية بل وصهرها. ويتضح
هذا أكثر فأكثر في بيان الأول للإعلان حيث
جاء فيه بالحرف : "الإسلام الذي.... يعتبر
المكون الثقافي الأبرز في حياة الشعب
والأمة. تشكلت حضارتنا العربية
في إطار أفكاره ....... ". وهنا
لابد من وقفة طويلة وطويلة جدا ً حيث
التصاق الضمير ( نا ), الذي يدل على جمع
المتكلم, بكلمة ( حضارة ), ووصفها بأنها (
عربية ). أليس هذا اعتراف صريح من
الموقعين بأنهم جميعا ً, ودون أي استثناء,
ينتمون إلى القومية العربية؟ ثم ألا يعتبر
هذا إلغاءً كاملا ً للقوميات الأخرى؟ ولعل
ما شد انتباهي إلى هذه الجملة هو ما جاء
فيما بعد, ضمن الأسس المتوافق عليها,
الفقرة التالية " التأكيد على انتماء
سورية إلى المنظومة العربية, وإقامة أوسع
علاقات التعاون معها, وتوثيق الروابط
الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية التي
تؤدي بالأمة إلى طريق التوحد ".
وهنا وضعت خطين تحت كلمة (الأمة) التي هي
مصطلح قومي أو (قوموي) كما يفهم من سياق
هذه الفقرة.
ويتطرق الإعلان إلى مناقشة الإحصاء
الجائر, الذي أجري في محافظة الحسكة حصرا
ً عام /1962 /م, مشيرا ً إليها ببضع كلمات
فقط, فيقول " ولابد من إعادة الجنسية
وحقوق المواطنة للذين حرموا منها, وتسوية
هذا الملف كليا ً". نلاحظ أنه تجاهل تماما
ً توضيح هذه التسوية. أفلا يحق إذن لكل
كردي مجرد من الجنسية أن يتساءل عن هذه
المستوطنات والأراضي التي سلبت من أصحابها
ومنحت للمستقدمين من محافظات أخرى بحجج
واهية؟ ألا تستحق معاناة هؤلاء طيلة نصف
قرن تقريبا ً أن يتم التفكير فيها ولو
بالتعويض عليهم بجزء مما يستحقونه؟ رغم
أنني على يقين تام بأن لا شيء على وجه
المعمورة يساوي شعور المظلوم بالغبن ولو
لساعة من الزمن.
بقي أن أشير إلى ملاحظتين, أولاهما
هي أنه قد يقول مدافع عن المجلس الوطني
لإعلان دمشق بأن تاريخا ً جديدا ً قد بدأ
منذ تاريخ تشكيل هذا المجلس في 1/ 12
/ 2007 , فأرد عليه بأنه " ينطلق المجلس
من روح وثائق إعلان دمشق جميعها, ومن
التجربة التي مررنا بها في العامين
الماضيين" . علما ً بأن بيان مكتب رئاسة
المجلس لم يأت بجديد , اللهم سوى كون "
سورية جزء من الوطن العربي " دون أن يتطرق
إلى النقاط السابقة أو يعترف بالأخطاء
التي وردت في إعلام إعلان دمشق سابقا ً,
مما يعني إبقاءها دون معالجة, وخاصة أن
المجلس ليس هيئة جديدة ولا كيانا ً سياسيا
ً مستقلا ً عما كان يعرف سابقا ً باسم "
إعلان دمشق " , ولكنه وجد ضمن الهيكل
التنظيمي للإعلان ذاته. والملاحظة الثانية
تكمن في دعوة إعلان 16 / 10 / 2005 , في
معرض الحديث عن التغيير الوطني
الديموقراطي وبناء الدولة الحديثة إلى "
بناء دولة حديثة, يقوم نظامها الأساسي على
عقد اجتماعي جديد. ينتج عنه دستور
ديموقراطي عصري ...... ". وقد تأكدت هذه
الدعوة في البيان الختامي لاجتماع المجلس
الوطني لإعلان دمشق المؤرخ في 1 / 12 /
2007 إذ جاء فيه " يقوم هذا التحول الهام
على إعادة بناء الدولة المدنية الحديثة,
التي تتأسس على عقد اجتماعي يتجسد في
دستور جديد, يكون أساسا ً لنظام برلماني,
........ ".
ورغم مرور أكثر من سنتين ونصف على
الإعلان, وعدة أشهر على تشكيل المجلس
الوطني, لم تتشكل الجمعية التأسيسية
المنتخبة ( المنتظرة ), التي تكون مهمتها
الأساسية وضع مشروع دستور جديد للبلاد
بدلا ً من الدستور القديم. وهنا لا أقول
بأن وعود الإعلان ومجلسه الوطني هي على
شاكلة وعود السلطة الاستبدادية, التي تؤجل
دوما ً بحجج ومبررات واهية. إنني لا أقول
هذا لأنني لا أريد ولا أتمنى أن تكون هذه
المعارضة الديموقراطية كتلك السلطة
الأمنية. أما إذا كانت الاعتقالات
المتكررة في صفوف أعضاء الإعلان ومجلسه
الوطني هو سبب هذا التسويف الغير مبرر,
فإن السلطة لن تخفف من حملات الاعتقال بل
ستزيد من وتيرتها لإبطال مفعول الإعلان
وكبح جماحه. لذا لابد لهذه المعارضة
الديمقراطية أن تثبت قوتها وتوحدها
ومصداقيتها النضالية فتستمر في الخط
النضالي الذي وضعته لنفسها, وخاصة في وضع
مشروع دستور جديد, لتثبت للسلطة أن اعتقال
بعض أعضاء الأمانة لن ينال من تصميمها
وإصرارها على المضي قدما ً في سبيل
التغيير المنشود.
|