|
صدام وحكم الاعدام
درويش محمى
منذ القاء القبض عليه واخراجه من جحره
وحفرته ، وأنا اتابع كل تفاصيل سجنه
ومحاكمته ، وبشغف ولهفة اتلقى اخبار ابنته
وحتى حفيدته ، ومحامييه الدليمي والنعيمي
، والامريكي كلارك واللبنانية بشرى ، لم
تفتني جلسة واحدة دون ان اشاهدها " اقصد
المحاكمة ولا اقصد المحامية"، حتى انني
وللمرة الاولى في حياتي ، بدأت اتغيب عن
اعمالي وواجباتي ، بعذر وبدون عذر ،
لاتابع جلسات المحاكمة المملة ، واحدة تلو
الاخرى ، وجاء الفرج صباح يوم الاحد ، 5
نوفمبر 2006 ، واشفق علي القاضي ولم يشفق
على صدام ، واصدر بحقه حكم الاعدام ،
وتحررت اخيراً من التلفاز ، كما تحرر
الكرد والعرب عراقيين وكويتيين من ظلم
صدام ، وتحول هذا الاخير من متهم الى مدان
، و بعونه تعالى بعد شهرين او ثلاثة اشهر
، سيصبح هذا البعثي المدان في خبر كان .
ساصارحكم واعترف بحقيقتي، ولن اكتم عنكم
اثمي وخطيئتي، وربما يلومني ويشتمني
العديد من ابناء جلدتي، ان افشيت لكم
بحقيقة موقفي يا سادتي ، يوم صدور الحكم
على الطاغية والمجرم صدام حسين التكريتي،
وهو الذي قتل وانفل مئات الالاف من قومي
وابناء ملتي ، وبطش بالاحرار من اقراني
وشركائي في عقيدتي ، وتسبب في سيول من
الدموع ، وجيوش من اليتامى والارامل ،
ومقابر جماعية علنية وخفية ، واستخدم
الاسلحة العادية والكيمياوية ، واحرق ودمر
قرى ومدن كردية وشيعية ، وعمد الى التخريب
والتعريب، ونكل بالقريب والغريب ، وسفك
بالصغير والكبير ، حتى اصبح نيرون زمانه ،
وإماماً لهتلر واقرانه.
سأعترف وليكن ما يكن ، لم افرح وامرح كما
فعل البعض ، واشفق على صدام وارفض الاعدام
، واكتفي بحبسه وحجزه لنكون بمعزل عن شره
وبطشه ، ولست مع اعدامه وقتله ، لا خوفاً
من الحرب الاهلية ، ولا خشية من الهجمات
الارهابية ، ولا رحمة بصديقه عبد الباري
عطوان ، ولا تلميذه عبد الاميرعلوان ، ولا
خشية من قلم كاتب الكوبنات مصطفى بكري ،
ولا خوفاً من تهديدات صالح المطلق ، ولا
ضراوة حارث الضاري ، بل لانني مجرد انسان
، والقتل هو القتل ولو كان قصاصاً عادلاً
واحقاقاً للحق ، وامر كريه وشنيع ومنفور
ومرفوض .
للسماء عدالتها وقوانينها ، كاليل والنهار
، والاسود والابيض ، والموت والحياة ،
والبداية والنهاية ، والخير والشر ، انها
قواعد كونية ثابتة ، نلعب معها وهي تلعب
بنا، ونحن البشر نخضع لتلك القواعد ولا
نصنعها بل نجري في فلكها، ونختار لانفسنا
اسماء وعناوين ، والقتل والظلم لعبة شريرة
وبشعة لها رجالها ولايجيدها البعض ،
ويختارها البعض الاخر ويتقنها ويلعبها
بمهارة ، وقد ينقلب عليهم الامر ويختلط
حابلهم بنابلهم ، كما حدث مع الطاغية
الشرير صدام ، فيتحول بين ليلة وضحاها ،
من لاعب الى ملعوب به ، ومن قاتل الى
مقتول .
في صباح يوم اصدار الحكم ، وقبل ان تبدأ
جلسة الحكم بساعة ، جلست امام التلفاز على
بعد متر واحد ، حتى لا يفوتني الحدث
التاريخي ، وانظرفي عيني القاتل عن قرب
وهو يحكم بالقتل ، لا انتقاماً ولا تشفياً
به ، بل حتى ارى كيف يتلقى المجرم حكم
الاعدام ، وهو العتيد في اصدار الاحكام ،
واليوم يجد نفسه في الطرف الاخر، ويقف في
مكان الضحية ، ويسمع ما كان يسمعه للاخرين
، واخيراً بدأ القاضي بتلاوة الاحكام ،
وجاء الدور على صدام ، وحكم بالاعدام ،
وكنت خائفاً ومرتعباً وكأنني اجلس بجواره
في القفص"اعوذ بالله"، لم افرح ولم اغضب ،
ولم ارقص فرحاً من بهجتي ، ولم ابكي من
شدة حزني ، وكأن شيئاً لم يحدث ، ولم ارى
سوى الخوف والرعب ، وحبل مشنقة في عينيه
القاسيتين ، مثله مثل كل القتلة والطغاة
الجبناء .
عذراً من ضحايا الانفال والاهوار ، وعذراً
من اليتامى والارامل ، وذوي الضحايا ، لا
اشارككم بهجتكم وفرحتكم ، لان قطرة دم
واحدة ، لضحية من ضحايا حكم البعث ، اغلى
واثمن من ارواح كل البعثيين الاشرار،
عذراً لانني ابغض الاجرام كما اكره
الاعدام ، والمشكلة ان هناك مليون ومليون
صدام .
درويش محمى
كاتب كردي سوري
d.mehma@hotmail.com
|