| |
علاقة
الأديان بالحرب والسلم
كلمة الشيخ الدكتور محمد معشوق
الخزنوي
مدير مركز إحياء السنة للدراسات
الإسلامية
القامشلي -سوريا
في مؤتمر
( دور الدين في العلاقات
الدبلوماسية وصناعة السلام )
الذي نظمه
المعهد الدولي لأبحاث السلام
(prio)
في قاعة المؤتمرات بفندق
هولمينكولن بارك- أوسلو- النرويج
في الفترة الواقعة ما بين 7/2
و9/2 / 2005بعنوان
علاقة الأديان بالحرب والسلم
المحاور :
ـــــــــــــــــــــــــ
آ - المقدمة
ب - العناصر :
أولاً : تعريف الدين
ثانياً : علاقة الأديان ببعضها
ثالثاً : دور الأديان في إيقاد
الحروب
رابعاً : دور الأديان عموماً في
صناعة السلام
خامساً : دور القراءة الإسلامية
الصحيحة في الحوار و صناعة
السلام
ج - الخاتمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المقدمة
إذا كان من المفيد أن تسود
المجاملات في مثل هذه المؤتمرات
التي تعنى بالعلاقة
بين الأديان ودورها في صناعة
السلام العالمي ، فإن من الأنفع
الوقوف بكل
موضوعية عند دراسة هذه العلاقة
لنستطيع قطف الثمار المرجوة من
هكذا مؤتمرات ،
ولذلك اسمحوا لي قبل أن أتحدث عن
الأديان والسلم أن أعرف الدين ثم
أبين علاقة
الأديان بالحروب بين البشر ،
ليتسنى لنا بعد ذلك الحديث عن
علاقة الأديان
بالسلم والسلام .
أولاً : ما هو الدين :
يتألف كل دين من جذر غيبي عقدي
يؤمن به كل متدين ينبثق منه أو
يضاف إليه نظام
أخلاقي تنبثق منه أو تضاف إليه في
معظم الحالات قواعد عملية للسلوك
اليومي .
والأصل في الدين أن يكون الترابط
وثيقاً بين الجذر الغيبي العقدي
من جهة وبين
النظام الأخلاقي والقواعد العملية
للسلوك اليومي من جهة ثانية . أي
أن الأصل
في الدين أن ينبثق النظام
الأخلاقي وأن تنبثق قواعد السلوك
من الجذر الغيبي
والعقدي . إلا أن ثمة من ينظر إلى
هذه العلاقة على أنها علاقة
إضافية ليست
لازمة بالضرورة ، بمعنى آخر يرى
البعض أن الجذر الغيبي العقدي
إنما يأتي من
عالم ما وراء الطبيعة ، بينما
النظام الأخلاقي وقواعد السلوك
مصدرها عالم
الواقع .
ومع أن كثيراً من الأديان تسند
الجذر الغيبي إلى قوىً مجهولة
بشرية أو غير
بشرية ، إلا أن الأديان الكبرى
المعروفة تسند الجزر الغيبي إلى
الله ، وتسند
إلى الله أيضاً النظام الأخلاقي
والقواعد العملية للسلوك اليومي .
وهذه
الأديان هي المعروفة بالأديان
السماوية وهي ذات الأثر الأكبر في
التوجهات
الدينية السائدة في عالمنا . مثال
ذلك حسب الترتيب الزماني لنـزولها
من السماء
اليهودية والمسيحية والإسلام .
ثانياً : علاقة الأديان ببعضها :
الدين السماوي الأول تاريخياً
والمعروف والمتبع حالياً من قبل
أمة من الأمم هو
اليهودية , وأثر هذا الدين ظاهر
في الدينين السماويين اللاحقين .
ومن حيث أن
اليهودية هي الأولى تاريخياً فهي
لا تعترف بالدينين الآخرين - على
الأقل
بمقتضى ما يراه المؤمنون بها -
واليهودية بما أنها الأقدم فهي
بين الأديان
الثلاثة أقلها وضوحاً وأكثرها
خضوعاً للتفسيرات والتأويلات
المتباعدة . وهذه
سنة الله في الكون والزمان .
أما المسيحية فقد كانت ترى نفسها
في أول عهدها على أنها نقض تجديدي
لليهودية
يغلب فيها جانب النقض على جانب
التجديد . ثم تطورت علاقة
المسيحية باليهودية
عبر العصور حتى انتهى بها الأمر
ولاسيما بالنسبة لمعظم المسيحية
الغربية إلى
تغليب جانب تجديد اليهودية فيها
على جانب النقض . والحديث في هذا
الأمر يطول
وليس مكانه الأمثل هنا .
بناءً على ما سبق فالمسيحية من
حيث أنها دين سابق تاريخياً
للإسلام هي كما
يرى معظم المؤمنين بها لا تعترف
بالإسلام . ثم إن المسيحية هي
أكثر وضوحاً من
اليهودية ولعلها أقل منها خضوعاً
للتفسيرات والتأويلات المتباعدة
وذلك بحكم
تأخرها عن اليهودية . وكلمة ((
لعلها )) هنا أساسية تشير إلى
صعوبة معيارية .
ثم إن الإسلام وهو ثالث الأديان
السماوية تاريخياً يرى نفسه
الرسالة الأخيرة
والنسخة الجديدة المصدقة للنسخ
السابقة والناقضة لما تعلق بها من
بدع عبر
الزمن ، ولذلك ورد في القرآن ما
يقارب من /17/ موضعاً كلمة ((
مصدقاً لما بين
يديه )) بل يطالب الإسلام أتباع
هذه الديانات بالعودة إلى أصول
دياناتهم
ليحققوا مرضاة ربهم كما قال ((
وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله
فيه ))
المائدة /47/ وقوله (( قل يا أهل
الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا
التوراة و
الإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم))
المائدة /68/ ولذلك أجاز تناول
أطعمتهم
والتزوج منهم ونهى عن مجادلتهم
إلا بالتي هي أحسن ، فالإسلام
يعترف باليهودية
والمسيحية وإن كان يرى نفسه كما
لهما ، وبما أن الإسلام تنـزل بعد
الدينين
الآخرين فهو أوضح منهما وقد يكون
أقلهما خضوعاً للتفسيرات
والتأويلات
المتباعدة .
ثالثاً : دور الأديان في الحروب :
بعد هذا يحق لنا أن نتساءل كيف
كانت العلاقة بين الأديان
السماوية الثلاثة وهي
تمثل معظم مساحة التدين في
الحضارات التي لعبت الدور الأول
في تاريخ البشرية
خلال ما يزيد على ألفي عام .
الحق يقال لقد كانت في معظمها
علاقة حرب ولا يخطئ كثيراً من
يقول : إن الأديان
والسماوية منها خاصة كانت
المسؤولة الأولى عن سفك كثير من
الدماء مع الاختلاف
في المسؤولية بين دين ودين ويستند
هذا الاختلاف في المسؤولية في
الغالب إلى
التقدم الزماني لدين على الآخر أو
التأخر عنه واعترافه به كنموذج
للتدين أو
إلغائه وشطبه .
ومع أن نماذج الصراع الديني متوفر
في تاريخ اتباع كل الديانات بما
فيها
اليهود والمسيحييون والمسلمون
وغيرهم إلا أنه يمكنني أن أشير
إلى الحروب
الصليبية التي دعاها المسلمون
باسم حروب الفرنجة كنموذج حي
وحديث لمثل هذه
الصراعات ، بالرغم من أننا نعلم
بأن المسيحية هي دين سلام بامتياز
ولكن هذا ما
حصل ، و صحيح أنه كان لهذه الحروب
أسبابها السياسية والاقتصادية غير
أن من
الواجب أن نتذكر أن هذه الحروب
كانت تستظل برموز دينية وكان أول
من دعا إلى
شنها هو البابا أوريان الثاني .
كذلك يمكنني أن أذكر حروب المذاهب
المسيحية في
أوربا منذ احتجاج (( لوثر )) إلى
أن توجت عام 1648م بصلح ((
وستفاليا )) ولا
أنسى أن منطقة الشرق الأوسط تشهد
منذ نهاية الحرب العالمية الأولى
حالة مستمرة
من سفك الدماء بدءاً من الجنرال
البريطاني (( اللنبي )) الذي كان
يرى أن
احتلال جيشه للقدس قد وضع نهاية
لحروب الفرنجة ومروراً بزميله
الجنرال الفرنسي
(( غورو )) الذي كان يفتخر دائماً
بأنه يحقق مهمة الصليبيين ولذلك
ضرب برجله
قبر صلاح الدين قائلاً : ها نحن
قد عدنا يا صلاح الدين ، وانتهاء
بالنـزيف
المستمر منذ أكثر من نصف قرن في
فلسطين وهو أيضاً باسم الدين كما
يعرفه جميعنا
.
هذا وإن للحرب في العلاقة بين
الأديان مبررها الديني المحكم ،
فالمؤمن بدين
معين يرى دينه هو الحق بل الحق
الوحيد. وما يترتب على إيمانه بأن
دينه هو الحق
الوحيد واجب يقع عليه مؤداه نشر
دينه كمهمة دينية وإنسانية معاً ،
وأنه إذ
يقوم بهذه المهمة فهو يقوم بها
لصالح غير المؤمن بدينه كي يوصل
إليه الإيمان
رغم ما قد يتعرض له من أذى ،
وللمضطلع بمثل هذه المهمة في
الأديان مكان رفيع
في بنائها . لقد كان إنقاذ الآخر
غير المؤمن من عذاب النار عن طريق
الحرب حجة
نبيلة جداً ذقنا ويلاتها حقباً
وقروناً .
رابعاً : دور الأديان عموماًفي
صناعة السلام :
ينبثق السلم في العلاقة بين
الأديان من جذرين متكاملين :
الجذر الأول : داخلي في كل دين
مؤداه احتفاء كل دين على حدة
بالسلم حتى أنه
يمكن القول : إن الدين والسلم
مترادفان وأن السلم قيمة دينية ،
وبالرغم من
الاختلاف في مفهوم السلم يتيح
الدين سلماً داخلياً في نفس
المؤمن ويتيح السلم
بين المؤمنين . أما السلم مع غير
المؤمنين فأمر ملتبس في معظم
الحالات ، وهنا
نأتي إلى الجذر الثاني .
الجذر الثاني : و هو خارجي في
طبيعته إذ ينصرف إلى علاقة دين ما
بدين آخر
مؤداه أن الأديان كلها من عند
الله وأنها تمثل رسالة واحدة
اختلفت أساليب
إيصالها إلى الناس، فتعددت
الأديان أو بالأصح الدين واحد وهو
الاستسلام لإرادة
الله، ولكن تعدد الرسل والشرائع
حسب اختلاف الناس طبيعة وزماناً
ومكاناً ،
وهذا الجذر هو إسلامي بالدرجة
الأولى وهو كذلك لا هوتياً
وتاريخياً بينما جاءت
إليه المسيحية أو إلى معظمه بعد
فترة من ولادتها ولعل اليهودية -
وعلى الأقل
من وجهة نظري - لم تبلغه في
الغالب من اتجاهاتها , ومن الممكن
بالطبع أن نرد
إلى التاريخ هذه التراتيبية في
اختلاف الأديان الثلاثة من حيث
تبنيها لهذا
الجذر , فمن البدهي - تقريباً -
عدم اعتراف الدين السابق بالدين
اللاحق ن ومن
البدهي تقريباً أيضاً اعتراف
الدين اللاحق بالدين السابق .
بمقتضى الجذر الأول يمكن القول :
إن كل دين يسعى إلى السلم , فمن
الواضح أن
احترام الحق في الحياة إنما هو
اللبنة الأولى في كل دين ومؤدى
هذه البديهية أن
قتل النفس البشرية وهي التي خلقها
الله محرم على كل مؤمن في تعامله
مع أي من
أبناء البشر سواء كان هذا الابن
مؤمناً بذات دين المؤمن أو مؤمناً
بدين آخر ،
أو هو غير مؤمن بأي دين أصلاً .
ولكن كيف يمكن التوفيق بين هذا
الجذر وبين الجذر الآخر الخارجي
الذي بموجبه
يرى المؤمن نفسه مطالباً بهداية
غير المؤمن بكل سبيل ممكن بما في
ذلك الإكراه
الذي قد يصل إلى حد القتل
المتناقض حتماً مع السلم . هنا
يأتي دورنا كرجال دين
في ترشيد هذا الجذر وتنجيره بحيث
لا يحدُّ من حماس المؤمن في دعوته
والتبشير
برسالته كأداء واجب ديني وإنساني
تجاه الآخرين وفي نفس الوقت لا
يدفعه ذلك إلى
ممارسة القهر والإكراه والقتل
تجاه المخالفين , وذلك من خلال
النصوص الدينية
التي يمكن أن تضع النقاط المضبوطة
على حروفها الصحيحة ، وإسلامياً
يمكنني أن
لا أحتاج إلى مزيد من جهد وعناء
في العثور على مثل هذه النصوص في
القرآن
الكريم والسنة النبوية وأظن أن
الديانات الأخرى لن تعدم نصوصاً
في هذا الإطار
علينا أن نستكشفها ونستغلها في
كبح جماح المتدين في دعوته مع
شعورنا سلفاً
بصعوبة المهمة بالنسبة للأديان
السابقة تجاه الأديان اللاحقة
وخاصة في المجال
اللاهوتي ولكن مع هذه الصعوبة يجب
العمل ولا ينبغي اليأس من أجل خير
البشرية .
خامساً : دور القراءة الإسلامية
الصحيحة في صناعة السلام : من
خلال ترشيد
الدعوة الدينية ونشر روح التعددية
وحرية العقيدة وبالتالي تحقيق
السلام
الإقليمي ثم العالمي .
القراءة الإسلامية الصحيحة في هذا
المجال تدور حول محاور متعددة
ومهمة يجب على
الدعاة المسلمين الوقوف عندها
ملياً وترجمتها إلى واقع ملموس في
علاقتهم مع
الآخرين خدمة لدينهم وللإنسانية
جمعاء وهذه المحاور هي :
1- الكرامة الإنسانية عامة : فكل
إنسان لأنه إنسان بغض النظر عن
عرقه أو جنسه
أو معتقده أو لونه أو لغته له
كرامته ومكانته اللائقة به كخليفة
لله في إعمار
هذه الأرض مصداقاً لقوله تعالى ((
ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في
البر والبحر
ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على
كثير ممن خلقنا تفضيلا )) الإسراء
/70/
وتأييداً لهذا المبدأ قام رسول
الله صلى الله عليه وسلم لجنازة
يهودي فلما
اعترض عليه أصحابه وقالوا إنها
جنازة يهودي0 قال لهم معلما :
أليست نفساً 0
الحديث .
2- الاختلاف بين البشر طبيعي :
فقد اقتضت مشيئة الله وحكمته وجود
الاختلاف في
الطبائع والعقائد والسلوك والخلق
كما في الخلق ولله في ذلك حكم
ومقاصد عامة ،
وعلى الإنسان أن يعلم أن سعيه إلى
استنساخ صور بشرية واحدة في كل
شيء هو ضرب
من الخيال والمستحيل بمقتضى حكمة
الله ومراده ، وهذا ما عبر عنه
القرآن الكريم
في قوله تعالى (( ولو شاء ربك
لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون
مختلفين إلا من
رحم ربك ولذلك خلقهم )) هود
/118-119/ ، وقد صدق الله تعالى
في ذلك فجمال الحياة والكون
بالاختلاف
والتفاوت وليس في أن نكون
متشابهين متماثلين كقطع غيار صماء
لآلة واحدة حتى
يتم توزيع الأدوار فيما بيننا
وليتم إعمار هذا الكون بناءً عليه
. قال تعالى (
ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة
ولكن ليبلوكم في ما آتاكم
فاستبقوا الخيرات إلى
الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما
كنتم فيه تختلفون )) المائدة /48/
.
3- الدنيا قاعة امتحان وحرية
الاختيار مضمونة لتتم العملية
بنجاح : فالدنيا
مزرعة الآخرة وعلى الإنسان أن يشق
طريقه باختياره حتى يتحمل هو
مسؤولية
اختياره أما إذا فقد الحرية في
الاختيار فبإمكانه أن يتملص من
المسؤولية ويلقي
بوبال ذلك على من أكرهه إذا كان
العمل خاطئاً وهو بالتالي لا
يستحق العقوبة
وبالعكس هو لا يستحق الجزاء
والمكافأة إذا كان عمله صالحاً
لأنه كان مكرهاً
ومجرد آلة جامدة بلا اختيار نفذت
إرادة غيرها قال تعالى :
(( تبارك الذي بيده الملك وهو على
كل شيء قدير الذي خلق الموت
والحياة ليبلوكم
أيكم أحسن عملاً وهو العزيز
الغفور )) الملك /1/ .
4- الهادي هو الله : فالإنسان
عليه أن يدعو بالمعروف واللين ثم
بعد ذلك ليس
عليه شيء فهو مطالب بالدعوة وليس
مطالباً بالهداية كما قال تعالى
(( ليس عليك
هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ))
البقرة /272/ وقال تعالى (( إنك
لا تهدي من
أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ))
قصص /56/ ، وليس مطلوباً من
الداعية أن يكون
رجل أمن يقود الناس بسياطه
وزبانيته كما قال تعالى (( وما
أرسلوا عليهم حافظين
)) المطففين /33/ والإنسان ليس
مكلفاً بمحاسبة الإنسان بل الله
وحده هو يحاسب
عباده كما قال تعالى (( إن إلينا
إيابهم ثم إن علينا حسابهم ))
الغاشية
/25-26/ ولا يطالب الإنسان على
تقصير غيره وهلاكه كما قال تعالى
(( ولا تزر
وازرة وزر أخرى )) الإسراء /15/
وقال تعالى (( عليكم أنفسكم لا
يضركم من ضل
إذا اهتديتم )) المائدة /105/ .
وإن على الإنسان بعد الدعوة
بالحسنى أن يفوض
الأمر إلى الله ويتضرع إليه
بالدعاء كما قال القرآن حكاية عن
سيدنا عيسى عليه
السلام (( إن تعذبهم فإنهم عبادك
وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز
الحكيم ))
المائدة /118/.
5- لا إكراه ولا غصب : مما سبق
تبين لنا أن الإسلام لا يسمح
بإكراه الناس
وغصبهم على تغيير معتقداتهم .
أولاً كرامة للإنسان وثانياً لأن
الإسلام ليس
بحاجة إلى جيل منافق يبطن الكفر
لأنه اختياره في سره ، ويظهر
الإيمان خوفاً من
سيوف الجنود وسياطهم ولذلك قال
تعالى (( لا إكراه في الدين قد
تبين الرشد من
الغي )) البقرة /256/ . وقال ((
وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن
ومن شاء
فليكفر )) الكهف /29/ .
6- اللين في القول والدعوة :
المسلم إذا رأى باباً يظن أنه
مدخل للخير ومفتاح
لتحقيق هذا الخير يجب عليه أن يدل
الآخرين عليه بأسلوب منطقي محترم
يعطي
للآخرين مكانتهم ويحافظ على
شخصيتهم ويرفع من كرامتهم دون
اللجوء إلى الحط من
شخصية الآخرين ومن إنسانيتهم كما
قال تعالى (( ادع إلى سبيل ربك
بالحكمة
والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي
أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن
سبيله وهو
أعلم بالمهتدين )) النحل /125/ ،
وقال (( ولا تستوي الحسنة ولا
السيئة ادفع
بالتي هي أحسن ... )) فصلت /33/ .
7- التذكير ببشاعة الظلم عموماً
وقتل النفس خصوصاً : حيث أن رسالة
الأديان
تدور في جزء كبير منها حول تحريم
ظلم الإنسان لأخيه الإنسان , وإن
أي إنسان هو
إما أخ له في الدين أو نظير لـه
في الإنسانية والخلق , وحتى في
أحلك الظروف
حيث يدافع الإنسان عن نفسه وحقوقه
حثه الإسلام على أن لا يتجاوز
الحد كما قال
تعالى(( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا
عليه بمثل ما اعتدى عليكم ))
البقرة /194 أي
دون زيادة (( ولا يجرمنكم شنآن
قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو
أقرب للتقوى ))
المائدة /8/ بل حث على العفو
والتنازل عن حقه (( وإن تعفوا و
تصفحوا وتغفروا
فإن الله غفور رحيم)) التغابن
/14/ وبالجملة فإن حياة الإنسان
محترمة وموقرة
والاعتداء عليها جريمة منكرة ،
وفي ذلك يقول الله تعالى (( ولا
تقتلوا النفس
التي حرم الله إلا بالحق ))
إسراء/33/ وقال تعالى(( من قتل
نفساً بغير نفس أو
فساد في الأرض فكأنما قتل الناس
جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا
الناس جميعاً
)) المائدة /32/ .
8- المساواة بين البشر : بحيث
يعلم أن الجميع هم عباد الله
ومتساوون في الحقوق
والواجبات في هذه الدنيا والله
وحده يفصل بين عباده يوم القيامة
والناس مؤمنين
وكفاراً هم عبيد الله شاءوا أم
أبوا وإليه ينتسبون شاءوا أم أبوا
كما قال
القرآن (( وإلهنا وإلهكم واحد ))
العنكبوت /46/ وقال أيضاً (( قل
أتحاجوننا في
الله وهو ربنا وربكم )) البقرة
/139/ وعلى العبد أن ينظر إلى
الناس جميعاً من
هذه الزاوية على أساس نسبتهم إلى
الله وبمقدار ذلك يعظمون في نظره
ويقدم لهم
الاحترام والخدمة كما قال رسول
الله ( الخلق عيال الله وأحبهم
إلى الله أنفعهم
لعياله )) .
وعلى هدا الأساس أستطيع القول :إن
أكثر هده الصراعات التي نراها هنا
وهناك هي
ناتجة عن اختلال في موازين العدل
والمساواة بين بني البشر وإني
كمسلم كردي
يمكنني أن أضرب مثلاً بشعبي الذي
يزيد تعداده على الأربعين مليونا
لا زال رغم
كل الظروف يعيش على أرض أجداده
التي يعود تاريخ حضارتهم فيها إلى
ألاف السنين
وقدموا خلالها للحضارة الإنسانية
ما يشهد به التاريخ راغبا أو
كارها وتوجوا
دلك بخدماتهم التي قدموها للحضارة
الإسلامية وإخوانهم المسلمين من
العرب
والترك والفرس وظل يخلص لكل هده
الشعوب وعانى ولا زال يعاني في
سبيل دفع
العدوان عن أي من هده الشعوب ولكن
الذي حصل أن هده الشعوب المجاورة
أو على
الأقل أنظمتها تنكرت لحقوق الكرد
وتناست جهودهم في بناء حضارة
شعوبهم بل حتى
في خدمة ثقافاتهم ولغاتهم كما حصل
بالنسبة للغة العربية وليت هده
الشعوب اكتفت
بعدم المكافأة لكنها مع الأسف
تجاوزت الحدود في قهر هدا الشعب
وظلمه وتذويب
شخصيته بمنعه من التكلم بلغته
والاعتزاز بثقافته ودلك عبر حملات
التعريب
والتتريك والتفريس ولما عجزت عن
تحقيق هدا المطلب لجأت إلى القتل
والإرهاب
وحروب الإبادة الجماعية عبر دفن
الناس أحياء واستعمال أسلحة
الدمار الشامل
تماما كما يفعله الغادرون من
الشركاء كما قال تعالى ( وإن
كثيراً من الخلطاء
ليبغي بعضهم على بعض) ,
إنني الآن لست معنيا بسرد مأساة
الكرد ومعاناتهم على منبركم هدا
ولكنني فقط
أضع بين أيديكم مثالا حيا لو
اجتمعت كل مساجد الدنيا وكنائسها
ومعابدها على أن
تحول هدا الواقع الذي يعيشه الكرد
مع غيرهم إلى سلم ووئام فلن
تستطيع وستفشل
ما لم تأخذ بعين الاعتبار دفع
الظلم عن هدا الشعب وإعادة حقوقه
إليه وتعويضه
عما لحق به من حيف عبر القرون
ومنحه حقه في الكرامة الإنسانية
التي كفلها الله
لكل البشر العيش الآمن على أرض
أجداده بحرية وكرامة دون استغلال
أو ظلم أو
استعباد .
9- ترسيخ ثقافة الحوار : بناء على
المبادئ السابقة فإن على المسلم
أن يعلم أنه
جزء من كل هذا العالم وهو لن
يتمكن من أداء رسالته في إعمار
الأرض وخلافة الله
فيها إلا بالتعاون مع سائر البشر
والتنسيق معهم والتحاور معهم فيما
يصلح هذا
الكون وهو إحدى غايات وجود
الإنسان على هذه الأرض كما قال
تعالى (يا أيها
الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى
وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا
إن أكرمكم
عند الله أتقاكم ) الحجرات/13/
ويمكن للمسلم أن يدرك أهمية
الحوار من خلال
ما كان لهذا الحوار من شأن في
حياة المسلمين الأوائل بحيث أن
امرأة حاورت
النبي صلى الله عليه وسلم وجادلته
دفاعاً عن حقوقها وفي سبيل إقرار
تلك الحقوق
إلى درجة أن الله تعالى أثنى
عليها والتمس لها المخرج من
مشكلتها وسمى السورة
القرآنية كلها باسم / المجادلة /
تثميناً لحقوق المرأة وثقافة
الحوار فقال
تعالى ( قد سمع الله قول التي
تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله
والله يسمع
تحاوركما إن الله سميع بصير)
المجادلة /1 /.
هذا وإن تعميق وترسيخ ثقافة
الحوار لا يمكن و لا يتأتى بجهد
شخصي أقوم به أنا
أو أحدكم بل هو مهمة الدولة
والأهل والمدارس والجامعات
والإعلام والهيئات
الاجتماعية والاقتصادية والعلماء
والدعاة ورجال الدين وغيرهم
والأهم من كل
هؤلاء هم الأسرة ثم المدرسة ثم
نحن الدعاة ورجال الدين الذين
تعتبرنا الجماعات
مرجعيات لها وناطقين رسميين باسم
الله - تعالى الله عن ذلك -
قلت الأسرة أولاًَ : لأنها تشكل
أول قنوات الاتصال بين المجتمع
والأفراد وهي
الوسيط الحضاري بينهما , و غالباً
ما يتقبل الأبناء من الأسرة القيم
والمثل
والسلوكيات من دون نقاش ولذلك
فمنازلنا نحن المسلمين أو
المسيحيين أو اليهود -
لا فرق - حين لا تضبط توجهاتها
بشكل سليم ولا تحدد مسارها في
الاتجاه الصحيح
والوسطي والمعتدل فإنها ستكون
مرتعاً للنزعة الدينية المتفردة
في العقيدة
والقول والسلوك و الفعل والخلق
وستكون مرتعاً |