|
لمحـة :
"أهلا بكم في رحاب
الجزيرة "هذه العبارة،
تحديداً شكلت المشهد
الأول الذي التقطته عدسة
الكاميرا، أثناء تجوالها
في أرض الخابور، أرض
سنابل القمح، و الذهب
الأبيض، والأسود ، أرض
الحضارات المتعاقبة، أرض
جمعت كل ألوان الطيف
الاجتماعي، من العرب، وا
لكرد، و الأرمن، والآثور،
ليشكلوا- معاً - فسيفساءً
رائعاً، و مجتمعا مصغراً،
هو في التهاية صورة عن
المجتمع السوري الجميل ،
ككل، بل و ليكمّل هذا
التنوع الاثني، تنوع ديني،
متمثل بالإسلام، و
المسيحية، و الإيزيدية ،
و لكن، ثمة مشهد ما، لا
يغفل للعيان، و يجعلنا
نشعر بالأسى، و هو أن هذه
الأرض، الطيبة ، المعطاء،
احتفظت بتسميتها كمنطقة
نامية، على مر العقود
نامية تعليمياً .. نامية
ثقافياً.. نامية صناعياً
..وخدمياً....إلخ..، و
نحن احتفظنا بأسمائنا،
أيضاً، كأبناء مناطق
نامية ..........وكأن لا
نمو البتة......!!
تساؤلات حول المشهد
الثقافي في المحافظة:
عندما نعرج على المشهد
الثقافي في المحافظة،
فثمة أسئلة كثيرة، و
متكاثرة، تحاول اجتراح
أجوبة عنها في زحمة
الظواهراللافتة للنظر،
ومنها على سبيل المثال:
- لماذا تزداد الهوّة بين
(ثقافة العاصمة) و
الثقافة المحلية؟
- لما لا توجد "صحيفة
محلية" جادة تبحث عن
خصائص المكان الذي تصدر
فيه، و تهتم بتقديم خدمات
إعلامية متنوعة، لسكانه
مراعية ثقافته العامة ؟
- لماذا صالتا السينما
الموجودتان في مدينة
الحسكة، إحداهما(سينما
القاهرة) تحولت ل"صالة
أفراح" و الأخرى (سينما
دمشق) تكاد ملامحها تختفي
من الغبار الذي غطى بابها
الحديدي منذ سنين طويلة ؟
- لما لا توجد في المركز
الثقافي آلية تطوير
إصدارات الكتب حيث أنك
قلّما تعثر على كتاب
بإصدار حديث ؟كي تتوالد
أسئلة موازية في المقام
نفسه :
هل المشكلة مشكلة
اقتصادية ؟ أم مؤسساتية ؟
أم له علاقة بالهموم
الثقافية التي أصابت
الفكر بالتشظّي ؟ أم ماذا؟؟
مسؤولون يجيبون:
خلال الحديث مع مدير
المركز الثقافي في محافظة
الحسكة، د. أحمد الدريس،
حول مجمل ما أشرنا إليه،
راح يجيبنا قائلاً :
تعتبر محافظة الحسكة
منطقة نامية ثقافياً،
بمعنى أن الثقافة فيها
ليست بمستوى المحافظات
الأخرى، من حيث الكم، و
ليس من حيث الكيف،
فالمحافظة متعطشة للثقافة،
و هذا مؤشر إلى أن
المحافظة بحاجة إلى
المزيد من الاهتمام
الثقافي، و بالمجمل العام،
فالواقع الثقافي مبشر، و
لكن نتوق الى المزيد من
الإنجازات ......!
س: السينما تعكس
مجتمعاتها، فجمهورية مصر
العربية، ابتدعت فنّ
صناعة السينما، لما
للسينما من أهمية كبرى ،ترى
ما هو سبب غياب السينما
في المحافظة؟
- في الحقيقة أنجزنا
الدراسات في هذا المجال ،
و قرأنا الواقع، و فكرنا
في إحياء دور للسينما،
لكن الأمر لا يبشر من حيث
الإقبال الجماهيري، حتى
في المحافظات الكبرى،
هناك عزوف عن دور السينما
،يبدو أن المزاحمة قد
جاءت من الفضائيات التي
تعرض للمتلقي جميع أشكال
الأفلام ،و هو في بيته، و
نحن نحاول سدّ هذه الثغرة
في نوادي الفيديو....!
* ما هو سبب عدم وجود اي
صحيفة محلية جادة، تضع
تحت المجهر ما يعيشه سكان
المحافظة، من آلام و آمال،
أسوة بغيرها من المحافظات،
خاصة بعد صدور قانون
المطبوعات رقم 50لعام
2001؟
- إنشاء أي صحيفة ،بحاجة
إلى بنى و كوادر، و هي
متوافرة في المحافظة،
بشكل جيد، و زملاؤنا
الإعلاميون عملوا على هذا
الخط، و تمت المراسلات،
ولكن دمجت ثلاث محافظات
في صحيفة واحدة، و هي
صحيفة الفرات، و هناك
نشرة متواضعة، تصدرها
وزارة الثقافة، باسم دوحة
الخابور، و توزع مجاناً.....!
بينما يرى مدير
المركزالثقافي أن المشكلة
تكمن في الكم ،يختلف رئيس
اتحاد الكتاب في الحسكة
محمد باقي محمد معه، فيرد
المشكلة إلى الكيف (النوعية
الجيدة) فيقرأ الواقع
الثقافي من منظور مختلف،
بقوله:
ثمة انحسار في المشهد
الثقافي في المحافظة، و
هو جزء من الانحسار العام
الذي تشهده بقية
المحافظات لصالح
الفضائيات المتعددة، و
التي تسيّد نمطاً
استهلاكياً عجيبًا، هذا
الانحسار، يعكس نفسه ،على
مستوى حضور النشاطات، كماً
و كيفاً، كما يعكس نفسه
على العاملين في الحقل
الثقافي، كمبدعين، إذ قد
يظهر على صعيد الكم، أن
ثمة تطوراً ما ،لكن
النظرة المتأملة ،المدققة،
سرعان ما تكتشف أن ثمة
تحت السطح، شيئاً من
الاستهلال، و بالتالي ثمة
قلة في النوعية الجيدة، و
هذا القليل الجيد ،سيشكو
من ندرة في المنابر التي
تتصدى لتقديم نتاجه، إن
كان على صعيد الصحف
المتخصصة، أو على صعيد
دور النشر التي تمتنع عن
نشر هذا النتاج، و تعتبره
شكلاً من أشكال المغامرة
غير محسوبة العواقب،
لمصلحة أسماء مجهولة.
صحيح أن مديرية الثقافة،
تحاول جهدها- للتغلب على
هذا الانحسار، و في هذا
الإطار، فق! د اختتمت منذ
أيام مهرجانها المسرحي
المركزي، كماإن فرع اتحاد
الكتاب العرب، يحاول هو
الآخر أن ينشط هذا المشهد،
لكن المسألة برمتها، تفوق
جهد هذه الجهات، إنها
أزمة بنيوية، تطال
الاجتماعي، و الاقتصادي،
و الثقافي، في مرحلة
انتقالية ،حتى سعر الكتاب
،يفرض نفسه، كعائق ،في
وجه ضخ الدم في المشهد
الثقافي، الكتاب غال، و
عليه الثقافة كبضاعة، إذا
جاز لنا التعبير، صعبة
المنال، بالنسبة لشرائح
واسعة من الناس، و عليه
أيضاً، فنحن مطالبون بجهد
مضاعف لمعالجة هذا
الانحسار، و هذا يتطلب
تعاوناً وثيقاً، بين
مختلف الجهات، و ذلك إن
الموضوع يطال دور الأسرة
،و المناهج التربوية، و
نظام الأجور، و نمط
الحياة ككل...!
أما رئيسة المكتب الثقافي
بفرع شبيبة الحسكة- خنساء
ابراهيم- فترد المشكلة
إلى افتقاد طاقات، أو
برامج لإخراج المواد
الخام الموجودة في
المحافظة، بقولها: هناك
مواد خام كثيرة في
المحافظة ،و لكن، دائماً
تفتقد لطاقات، أو برامج
لإخراجها ،عبر التاريخ
الحالة الثقافية كانت
تخضع لتجاذبات لها علاقة
بمسائل شخصية، مثلاً مدير
مركز ثقافي ما ،مهتم
بحالة ثقافية معينة، بعد
ذهابه، الحالة الثقافية
تضيع في دوامات الغياب، و
يحدث هناك تقريب لبعض
الأشخاص، على حساب
الإمكانات الحقيقية
الموجودة ،فيخلف رد فعل
لدى المثقفين، بأنه ليس
لديهم مكان، و المسألة
الأخرى ،هي هاجس أبناء
المحافظة، كل من يمتلك
الموهبة في أي مجال كان ،يفكر
بالاستقرار في المركز (العاصمة)،
ففي فترة السبعينيات، و
الثمانينيات، كان هناك
ازدهار ثقافي نوعاً
ما،على م! ستوى المديريات،
و المنظمات الشعبية، و
على المستوى المحلي، و
الأهلي، و كانت هناك
جمعيات ثقافية جميلة ،مثل:
منتدى الخابور الأدبي، و
أسس لأكثر من ظاهرة
ثقافية...!.
و انطلق منها أكثر من
شاعر، و في سؤالها عن
إهمال آليات الثقافة، ترى
أن التمويل، هو المشكلة
الأساسية في المحافظة ،حيث
إنه تقصير من جانب
الهياكل الثقافية، في
تخصيص جزء من الميزانية،
لسد هذه النفقات عند وضع
الموازنات السنوية .
* أما عن سبب تزايد الهوة
بين ثقافة العاصمة و
الثقافة المحلية، فتجيب
بأن المسافة الطبيعية،
يجب أن تكون
موجودة،الثقافة المركزية
تضع سياسات عامة (خطوط
عريضة )لتفعيل الحياة
الثقافية، و لكن يبقى
للمحافظات هويتها، و
سماتها الشخصية، فأنا لا
أتوقع أن وزارة الثقافة
ملزمة للتوجه لتشكيل لجان
لإحياء التراث في
المحافظات، فالمسؤولية
مسؤوليتنا أولا و أخيرا ً
،و نحن حقيقة مقصرون في
المواجهة، و تضيف:إن موقع
محافظة الحسكة من
التطورات السياسية، و
الاجتماعية التي تحدث في
العالم، له أهمية، حيث لا
يمكننا عزل المحافظة عن
ما يجري في العراق، أو
تركيا مثلاً لما للمحافظة
من خصوصيتها المكانية
المميزة ،إضافة إلى
التنوع الاثني، و الديني
خلق علاقات جديدة، خارج
كل إطار مثل علاقة (الكرفنة)،
و هذه الظاهرة لا توجد
خارج المحافظة .
مثقفون يكملون رسم اللوحة
الثقافية
الأستاذ الكاتب و الشاعر
إبراهيم اليوسف :درجت
العادة، حين تناول الواقع
الثقافي في أية بقعة
جغرافية ، أن يتم التركيز
على ما هو رسمي، منها ،
لدرجة عدم تصور ما هو
خارج أسوار ما هو رسمي.....!
ولكن ، في تصوري الشخصي
أن أكثر هذه المؤسسات
الرسمية- وبعيداً عن
التشخيص- بات يتراجع،
يوماً وراء يوم ، لدرجة
أنها تتعامل مع النشاط
الثقافي، رقمياً ، لتنفيذ
خطط الجهة الأعلى، حيث
أنها فقدت مصداقيتها، ولم
يعد يحضر أيّ نشاط ثقافي،
إلا أعداد قليلة جداً من
المعنيين،بحكم العادة ،
أو الإدمان، أو المجاملة
، أو لمتابعة بعض الأسماء
الإبداعية المساهمة في
إقامة هذا النشاط ، أو
ذاك، دون أن يتم ملء الصف
الأول في أية قاعة ثقافية
بهذا الحضور الهزيل، كمّاً....!.
ولقد جاء المهرجان
المسرحيّ الأخير في
محافظة الحسكة ، ليؤكّد
أن هناك جمهوراً عريضاً،
وهو في الأصل، نشأ
بالموازاة مع ما هو رسمي
، بعيداً عنه ، ويمكنه بثّ
الرّوح، والدم، في المشهد
الثقافي في حال توافر
مقومات التفاعل الإيجابي
، وإن كنا نجد بأن أسماء
مسرحية مهمة، أحياء ، أو
أمواتاً، كان يمكن
الاحتفاء بها، أيضاً،
وتكريمها،وإن تم استذكار
كثيرين من مبدعي فناني
المحافظة ، الذين عرفوا
محلياً وعالمياً، في آن
واحد.......!.
لقد كان ممكنا ً جداً،
تفعيل سائر المنابر
الثقافية الموجودة، بحقّ
مفردتنا ، لدرجة أننا
بدأنا لا نجد موطء كلمة ،
في الوقت الذي لابدّ فيه
من تحرير الكلمة،
وإطلاقها، لا فرض لغة
واحدة، على الحوار وضمن
محدّدات مسبّقة، ممقوتة،
للإجابة عن أسئلة اللحظة
المكانية، لاسيما أن
الجزيرة هي لوحة
فسيفساء،ومن حق كل مكون
ان يعبر بلونه الخاص به
لتتكامل هذه اللوحة
أعرف أن ملايين الليرات
تنفق باسم هذه النشاطات،
وكان من الممكن خلق حالة
ثقافية جد ّمهمّة ، في ما
لو رفعت كل القيود سوى
الشرط الإبداعي.....!
من هنا ، فإن حالة
ثقافة أخرى- باتت تنشأ ،
منذ عقود ، ألا وهي
ثقافة البيوت- حيث يتداعى
متعاطو الثقافة ،إلى خلق
حالة ثقافية ، غير رسمية،
لا تتوقف عند حدود
الأمسية الأدبية ، شعراً
ونثراً ، بل تتجاوزها إلى
المحاضرة، بل و المسرحية،
والأمسية الموسيقية، ولعلّ
أسماء جديدة باتت تقدم
أوراق اعتمادها ، في حقول
إبداعية كثيرة، ويمكن
التعويل عليها ، لأنها في
قرارتها أقرب إلى ما تقول
، دون أن تكترث بأية صوى،
أو خطوط حمراء مرسومة ،
دون تصادي صوتها الذي
تطلقه على طريقتها في
أربع جهات الوطن، والعالم.......!
الاستاذ فراس محمد كاتب
قصة قصيرة، ينظر إلى
الواقع الثقافي في
المحافظة بقوله:
إذا القينا نظرة عن كثب،
على المشهد الثقافي في
المحافظة، نجد أنه يعيش
في حالة من الركود، و
يرجع ذلك، برأيي إلى
تضافر مجموعة من العوامل
أولها : - غياب رؤية
واضحة لوزارة الثقافة لسدّ
الفراغ الثقافي و إهمالها
للمؤسسات و المنشات
الثقافية.
ثانيها: تنحّي كثير من
المثقفين،أو بالأحرى
تغييبهم عن المشهد
الثقافي، نتيجة احتكار
قلة قليلة لهذا المشهد، و
فرض رؤيتهم الأحادية،
الأمر الذي دفع هذا
المشهد لأن يراوح في
مكانه، و أن يتراجع
القهقرى، كما يمكن أن
تقولي أيضاً بأنه توجد
هوة واسعة بين المؤسسات
الثقافية(على قلتها) و
الجماهير ،مما يؤدي إلى
غياب التفاعل،إضافة إلى
غياب الدعاية للأنشطة
الثقافية، و يمكن الحل
برأيي في تناول النقاط
التي تم ذكرها بشكل
موضوعي، و إن اللجوء إلى
طريقة النّعامة في تناول
المشهد الثقافي سيكون لها
تداعيات على مختلف الصعد
كلمة أخيرة
قديماً قيل: إن الشمس لا
يمكن أن تغطى بغربال،
فالمشهد لا يخلو من ملامح
إبداعية، وصلت إلي
العالمية التي تاتينا من
خلال بعض الأسماء التي
خرجت من المحافظة مثل
الفنان التشكيلي عمر
حمدي(مالفا)، و الكاتب
سليم بركات، وآخرون
كثيرون
ومن هنا، فإنني لأرفع
صوتي عالياً مع صوت كل
المثقفين في المحافظة :
انصفونا نحن أبناء
المناطق النامية حتى لا
نضطر أن ننكس أعلامنا
التي رفعناها في يوم من
الأيام عاليا فوق رؤوسنا
طالبة اعلام سنة رابعة -
الحسكة
|