|
|
الطاغية الذي سيشنق على نخيل بغداد !!
جهاد
صالح
حينما كان في السلطة ومن حوله حاشيته
وزبّانيته من المرتزقة والدجالون, ماسحي
البلاط ومهّرجوا سيادته, يطّبلون ويزّمرون
ويبجّلونه, وانه البطل والحسام ورمز
العروبة, انه حامي العرب ومحرر فلسطين,
وانه الرجل الذي أرسلته السماء لأجل أن
يلقي باليهود إلى البحر, لكنهم لم يخبروه
أن نهايته وخيمة , وان الموت سيكون بيد
شعب العراق المظلوم.
هذه كانت نهاية الطاغية الذي وصل صيته إلى
كل أصقاع الأرض, رجل تمطّى صهوة القتل
والاستبداد , ففنا معظم شعب العراق في
حروب هستيرية , وأباد الكثيرين لعله يشبع
تعطّشه ونزوع روحه للقتل , لعل كؤوس الدم
تثمله وتدخله إلى ممالك النصر والسلطان
الذي لا يقهر.
صدام الذي اخذ السلطة بالقوة والبطش ,
وبنى مملكته الاستبدادية على آلاف من
جماجم شعب العراق , وكتب سيرة حياته بحبر
من الدم الكردي والشيعي وحتى السني , دون
أن تهتز له شعرة واحدة , والمهّرجون من
حوله من الحاشية وزبانية السلاطين , الذين
باعوا الذمم والضمائر منذ أزمان وأزمان في
سبيل منافع شخصية ورفاهية حياتية لا حدود
لها , هؤلاء وبمختلف ألوانهم ما زالوا
بيننا , منهم السياسي والمثقف والكاتب
والإعلامي , وآخرون تسّلموا مناصب سيادية
في دولهم , هذه الشريحة الارتزاقية
والمفتقدة لأخلاق الإنسان ولثقافة حقوق
الإنسان , كانت تصفّق للديكتاتور بحرارة
في كل قصة موت وابادة لشريحة من شعب
العراق , يمجّدون نوازع الطاغية ويهللون
له بالنصر والسيادة وعمل المعجزات ,
ويمتليء صدام المريض بنزعة نرجسية نحو
المزيد من الدم وعذابات الضحايا الأبرياء
, ومن ثم يقوم هؤلاء بتوجيه قائدهم نحو
الإقليمية ومن ثم العالمية لعلّه يسبق
ستالين وهتلر في انتصاراتهم وبطشهم , وما
أن نجد الطاغية إلا وقد دخل في حرب مع
إيران الجمهورية الإسلامية , ولمدة ثماني
سنوات , وليحرق أرواح أكثر من مليون عراقي
في حربه الشعواء , وفي غفلة من الزمان لم
نجده إلا وقد غزا دولة الكويت العربية
المسلمة , ويستبيح لجنوده ومخابراته كل
شيء فيه , فقتلوا ونهبوا وهتكوا أعراض
النساء والرجال ,وحطّم أسطورة هولاكو
المدمرة لكل حضارة وإنسانية , وابن تكريت
المتوحش يمتليء هيجانا ونزوعية نحو عبادة
الانا لديه , غير مكترث بشعب العراق
وحضارة بابل التي كانت شعلة للحضارة
العلمية والإسلامية التي أغنت كل الحضارات
, والحاشية تصفّق وتنحني بهاماتها الكريهة
أمام سطوة الجلاد وانتصاراته الدونكيشوتية
.
بطل معركة القادسية , ومطلق الصواريخ
السبعة نحو اسرائيل , ابو عدي والآن وفي
نفس اللحظة من كتابة هذه السطور حكم عليه
بالإعدام شنقا على كل شيء فعله , فأين
زبانيته لكي يصفّقوا له , أين الخلاص , لم
ترحمه حتى عروبته الكاذبة , ولا إسلامه
المنافق , ولا تاريخه المدجج بالموت والدم
, وقف مذلولا أمام محكمة العراق , نطق
القاضي الكردي بحكم الموت على ديكتاتور
القرن , استنجد بالشعب العراقي , أراد أن
يعود لسلطان الله سبحانه , تجّمد في مكانه
كرجل ثلجي سيذوب بعد أيام تحت هياج شمس
بغداد , لا إن اللعبة انتهت , لن ينفعه
شعب العراق الذي تخلص من طغيانه , ومن كل
دوامات القتل والابادة الجماعية لكل شرائح
المجتمع العراقي . وما حكم عليه بالموت ,
إلا هي نهاية لكل ظالم مسّتبد وهو حكم
الله في عباده من الظّلام والمستبّدين
,انه كان عاقبة وبئس المصير .
لم يكن الحكم بالموت مفاجئة , فقد كانت
هذه النهاية المتوقعة لصدام ولأعوانه ,
ومهما كانت المحكمة , وفي أي ظرف تشكّلت ,
إلا انه يمكننا القول أن هذه المحاكمة
كانت محاكمة لا مثيل لها , وخاصة بالنسبة
لشعوب الشرق الأوسط وكذلك للأنظمة
الاستبدادية وأجهزتها القمعية ؟
المحكمة التي كانت علنية , وبقضاة عراقيين
, والتي نطقت بالحكم استنادا لمواد قانون
العقوبات العراقي , وان اتهمت من قبل
الكثيرين بأنها غير شرعية وغير عادلة
وأنها في ظل الاحتلال.
ونتساءل هنا , هل وجد في العالم العربي
محاكمة عادلة ونزيهة , أو شهدنا محاكمة
لرئيس دولة عربية على جرائمه بحق شعبه ,
وهل هناك دولة عربية واحدة لا ترتبط
بعلاقات مع أمريكا وغيرها من الدول
الغربية , والمعروف أن المصالح السياسية
تفتقد الضمير, لا تعرف دينا ولا صديقا!
لا يجوز أن نكون مزدوجين في رؤانا , حينما
كان صدام يقتل شعب العراق ويبيدهم
بالكيماوي . ويضع الآلاف منهم في معتقلات
جماعية , لم نسمع الضمير العربي يستيقظ من
غفوته وصمته المقصود , ولهذا وجدنا
المعارضة العراقية تستنجد بالحلفاء
وجيوشها لتحطيم الطاغية وتحرير العراق من
بطشه وإرهابه , رغم أن صدام كان حليفا
استراتيجيا لأمريكا وللغرب ,أين كانت
الحكومات العربية من ذلك ولماذا اكتفت
بالصمت , بل كانت تشارك في معركة تحرير
العراق من وراء الكواليس , وكان الإعلام
العربي المشتت ينقل تفاصيل الحرب بكل وضوح
.
وبعد التحرير وإسقاط الديكتاتور وإخراجه
من حفرة لا يعيش فيها سوى القوارض
والجرادين , لم نجد الضمير العربي يفعل
شيئا لصديقها المستبد , فقط الاستنكار
والتنديد بالاحتلال للعراق , وإغراق
العراق بحمامات الدم والموت , الذي يصنع
من قبل أجهزة مخابراتية مجهولة , أو تكون
بمشاركة لجماعات الإرهاب التكفيرية
كالقاعدة وغيرها , فأين كان الصوت العربي
حينذاك , ورغم كل الموت والدمار العراقي ,
استطاع العراق الانتخاب وبناء دولة العراق
الفدرالي الديمقراطي التعددي . وبناء
حكومة جديدة ملونة بكل الطيف العراقي ,
فهل سعى احد ما من العرب شعوبا وحكومات
لنصرة شعب العراق ومباركة حكومته الجديدة
!
مع الأسف كانت الحكومات العربية قاطبة
تكيل بمكيالاتها السياسية , وتتعامل مع
العراق بحذر وخوف , لان تجربة الانتخاب
والحريات والمحكمة العلنية والاقتراع الحر
والمباشر , وحرية التعبير والبساطة في
أسلوب السلطة , هي مفاهيم غريبة على
العالم العربي , الذي تربّى على نهج
الاستبداد والتعيين للحاكم وحاشيته ,
والغموض في أساليب الدولة , وقمع كل ما هو
مخالف للنهج القبلي العشائري المتوارث ,
وليس غريبا أن نجد الكثيرين صدمهم النطق
بحكم الإعدام على رئيس دولة كصدام حسين ,
لأن عقولهم المؤكسدة لا تقبل أن يحاكم
الرئيس على أفعاله , لأن صورة الرئيس في
مجتمعاتنا العربية, هي الهالة التي تسطع
بالنور والحكمة , ولا يجوز محاسبتها أو
المساس بسلطانها ؟
كان من المضحك جدا أن نجد ثلة من المحامين
العرب في جوقة الدفاع عن الطاغية , ومن
المعروف أن المحامون أذكياء ويستطيعون
جيدا أن يحكموا على أية قضية بالنجاح أو
الفشل . من خلال المستندات القانونية
والحجج التي تمكّنهم من كسب الدعوى
والقضية , لكن قضية مثل قضية الديكتاتور
صدام , هي دعوى عصرية ومثيرة ومكسبة بكل
المقاييس القانونية والحياتية. وفي
النهاية المحامون يبحثون عن شيئين : ربح
الدعوى وكسب المال والشهرة , وكانت قضية
الدفاع عن صدام وأعوانه تملك كل هذه
العناصر والأمور , لم تفكر هيئة الدفاع
أبدا بما ستؤول إليها الدعوى , البراءة أم
الإعدام , ورغم أنني متأكد أن قضية صدام
كانت خاسرة منذ البداية, وان المحامون
بدورهم تكهّنوا بذلك ,فمنهم من دافع عن
رمزه الأسطوري الاستبدادي لأنه جزء من
ثقافة الاستبداد هذه , وآخرون دافعوا في
سبيل الشهرة ولا يهمّهم مصير موكلهم ,
وأغدقت رغد ابنة الطاغية عليهم من مال
الشعب العراقي ,الذي حملته معها حينما
هربت من العراق , هيئة الدفاع ورغم
تحذيرات القاضي لهم أن موكلهم مدان و قد
يعدم , لأنهم لا يملكون أية أدلة قانونية
لبراءة صدام , واكتفوا بالمماطلة ومحاولات
استطالة فترة المحاكمة , وتلقين الشهود
الزور , والانسحاب من الجلسات , والوقوف
أمام شاشات الفضائيات العربية كمهرجين
بعيدين عن نبل وقداسة رجالات القانون
والمحامون الشرفاء , فبشرى الخليل
اللبنانية التي لفظتها طائفتها الشيعية في
لبنان وذويها , ومن ثم فشلها في
الانتخابات النيابية في وطنها لبنان , لم
تجد ما تعيد إليها أحلامها في الشهرة
والسلطة سوى الدخول في لعبة الدفاع عن
الديكتاتور , ولم تفكر مع زملائها أبدا أن
هذا الدفاع , هو تحدي واستخفاف بإرادة شعب
العراق , وان القضية هي سياسية وقانونية
معا , وأظهرت مع غيرها من زملائها
المحامين جهلا فاضحا بأصول الإجراءات
القانونية وبمضمون القانون العراقي ومواده
ونصوصه , واكتفوا بالتنديد بالمحكمة وعدم
شرعيتها , وفشلوا في توفير مواد وحجج
قانونية , لخلاص زعيمهم وشيخهم الروحي
الاستبدادي صدام من حبل المشنقة , ومن
القبح أن نجد بشرى الخليل في يوم الحكم
على صدام وعلى قناة الجزيرة تبتسم بلا
مبالاة , بأن المحاكمة باطلة , وتحمل في
يدها موبايلا تزيينه صورة لرمز الموت
والقتل صدام حسين , فأي هيئة دفاع هذه,
وأية أمانة حقوقية تحملها في حقائبها
القانونية , لقد كانت هيئة الدفاع ذات
ميول وعقيدة سياسية بحتة تجاه صدام , لا
دفاعا عن متهم في قفص الاتهام ومهما كان
جنسه أو لونه أو دينه , وفشلت في أداء
واجبها القانوني والحقوقي, ولم تكتفي بعد
صدور الحكم إلا بالنواح على صدام , لأنهم
لا يملكون الشجاعة الإنسانية , لأن
يعترفوا بأن موكلهم قد حطّم شعبا بكامله
تحت شعارات رنّانة مثل العروبة والإسلام
وغيرها , واكتفت جوقة المدافعين بالسير
وراء نهجه هذا , واحتضنوا رمزي كلارك
الأمريكي الذي جاء للدفاع عن صدام ,
وحينما فشل ما كان منه إلا أن يسخر
ويستهزيء من شعب العراق ودولته وقضائه ,
والأقبح تضامن المحامون العرب من بشرى
وغيرها معه, بالتوقيع على أوراق تستهزيء
بمحكمة عراقية لشعب العراق ودولة العراق.
.الذي هو جزء من العالم العربي والإسلامي
, فأين عروبة وإسلام هيئة الدفاع عن
صدام,أين كل أيتامه وعشاقه من المحيط إلى
الخليج !
أم إن العروبة والإسلام هي أغطية تتغطّون
بها حسب أهوائكم , وترمونها بعد أن فضح
أمركم !
صدام وعواد وبرزان اقتربوا من حقيقة الموت
, وباتت أشباح الهلاك تهيم من حولهم , وما
عادت صراخاتهم في طلب النجدة من المجاهدين
, ومن البعثيين , ومن المرتزقة وعصابات
القتل والإجرام تنفعهم , وان مراهنات صالح
المطلق بسبب الحكم بالإعدام لصدام واز
لامه بأن العراق سيتحول إلى بركة ومستنقع
للموت لباطلة ,لأن العراق غارق منذ
البداية في دوامة العنف والقتل , وما تلك
التكهنات الفاشلة إلا عبارة عن بكائيات
على مملكة الاستبداد , وأسف على نهاية
رمزهم الفاشي ومصالحهم الذاتية.
الاستبداد ورموزه ولّت, وما يجب أن نفكر
فيه هو مصلحة العراق وشعبه, والمثير أن
قدر الديكتاتور ومصيره بات بيد الرئيس
العراقي الكردي جلال الطالباني , الذي
عليه أن يوقّع على حكم الإعدام , والمعلوم
أن مام جلال في تصريحات سابقة له , انه لن
يوقّع على حكم الإعدام بصدام , وذلك
لأسباب إنسانية وقانونية تتعلق بتوقيعه
على وثيقة دولية تحرم الإعدام , وانه قد
يلقي بهذا الشرف إلى نائبه في رئاسة
الجمهورية طارق الهاشمي , بالأمس كان صدام
قد حكم على المام جلال بأربعة أحكام
للإعدام بحقه , واليوم يصبح مصير الطاغية
بين يدي عدوه ورئيس العراق المنتخب من شعب
العراق , فأي حكمة سماوية تلك , وأي عدالة
لا تنام أبدا , إنها نهاية للحكم
الديكتاتوري , وللظلم التاريخي الذي لحق
بشعب العراق , واعتقد أن الحكام العرب قد
شعروا بالرعشة وبالبرد ينساب إلى أعماقهم
, وان عليهم أن يعيدوا حساباتهم السياسية
, ويغييروا من طريقة تفكيرهم , وذلك
بالعودة إلى الشعب , وإطلاق الحريات ,
وصيانة حقوق الإنسان, لكي يضمنوا
الاستمرار ويحافظوا على المصير , لا أن
يفعلوامثل صدام الذي استنجد متأخرا بشعب
العراق , لأن نهج الاستبداد والظلم قد رحل
, المطلوب من الأنظمة كلها , تغيير في
المضمون وفي الفكر الشمولي الفردي ,
والسماح لشعوبها تقرير مصيرها , سواء
بالانتخاب أو عن طريق البرلمانات , أو
باللجوء إلى إحياء دساتير عصرية وقانونية
تكفل الحريات والحقوق للشعوب وللأوطان .
نوفمبر 2006
كاتب واعلامي كردي-سوريا
Xebat_s@hotmail.com
.
|