صالح القلاب

الشرق الاوسط
اللندنية GMT 23:45:00 2005
الأربعاء 13 أبريل
لم يعترض على اختيار جلال الطالباني
رئيساً للدولة العراقية، وهو اعتراض لا قيمة له طالما أنه جاء من
خارج العراق، إلا الذين لم تصلهم بعد معطيات ومفاهيم القرن الواحد
والعشرين، أو الذين وصلتهم هذه المعطيات والمفاهيم، لكنها لم تدخل
لا جماجمهم ولا صدورهم، والواضح ان الذين استكثروا على عراقي كردي
ان يصبح رئيساً لدولة عربية، يشكل الاكراد نحو خـُمس سكانها، ما
زالوا يتمسكون بالمفهـوم القبلي العنصري للأمة العربية والذين،
ورغم كل ما جرى من تطورات، بقوا ينظرون الى هذه الأمة من ثقب القيم
النازية والفاشية البالية.
الأكراد في العراق ليسوا طارئين وهم،
أرضاً وشعباً، يشكلون أحد مكونات الشعب العراقي الأساسية، والقومية
الكردية هي القومية الثانية في هذا البلد، بعد القومية العربية،
ولقد لعب أبناؤها أدواراً لا تقل عن الأدوار التي لعبها العرب
العراقيون وعلى مدى حقب التاريخ في الدفاع عن الوطن العراقي
والمساهمة في تقدمه ورفعته وإعطائه هويته الوطنية.
لقد انفجرت المشكلة الكردية، نتيجة
التهميش والإقصاء لهذا الجزء الأساسي من الشعب العراقي، في وقت
مبكر من القرن الماضي ولقد حاولت معظم أنظمة الخمسين سنة الماضية
معالجة هذه المشكلة بالطرق الخاطئة وبالحروب والدمار والتهجير
والحديد والنار، وكانت النتيجة ان الشعب الكردي ازداد تحدياً
ومقاومة، وان قيادته التاريخية اضطرت اضطراراً من أجل الحفاظ على
شعبها وقضيته الى الاستعانة في بعض الأحيان بالمعادلات الإقليمية
والى مد يدها الى الخارج والى دول، من بينها الولايات المتحدة، ما
كانت مضطرة لمد يدها إليها لولا الشعور بخطر الإبادة والتدمير
المنهجي واستخدام أشد الاسلحة فتكاً، بما في ذلك الأسلحة الكيماوية
المحرمة ضد شعب لم يكن يطلب أكثر من مواطنة حقيقية.
والآن وبعد كل هذه التجارب فإنه لم
يعد هناك من حل للقضية الكردية، إلا بأحد خيارين لا ثالث لهما
وهما: إما الاندماج وإما الافتراق.. وهنا فإن المقصود بالاندماج هو
ليس الإبتلاع ولا التذويب ولا طمس الهوية القومية ولا العودة الى
الوضعية السابقة التي بقيت سائدة ومفروضة بالقوة عشرات السنين.
أمَّا الافتراق فإنه معروف فالأمة
الكردية لا يمكن إنكار وجودها وهي جزء أساسي من مكونات هذه المنطقة
مثلها مثل الامة العربية والأمة الإيرانية والأمة التركية، وإذا
كان هناك من حق لكل أمة من هذه الأمم الثلاث في ان تكون لها دولتها
القطرية أو دولتها القومية، فإن من حق الأكراد أيضاً ان يقرروا
مصيرهم بأنفسهم فوق كل وطنهم القومي أو فوق جزء منه على طريق هدفهم
الاستراتيجي وفي اتجاهه.
ولذلك فإنه على الذين يستثقلون رؤية
كردي على رأس دولة عربية ان يبادروا الى التخلي عن مفاهيمهم
السابقة عندما كانوا يعتبرون كردستان العراق «جيباً عميلاً»
و«إسرائيل جديدة»! وعليهم أن يتجهوا نحو الخيار الثاني وان يدعموا
قيام دولة كـردية، الى جانب الدولة العراقية، لتكون نواة لقيام
دولة الشعب الكردي في كل أرض كردستان التاريخية.
إن ما سمعناه من جلال الطالباني بعد
ان أصبح رئيساً للعراق، بالإضافة الى خلفيته السياسية التاريخية،
وبالإضافة الى مسيرة الأكراد العراقيين كلهم يجعلنا نجزم وبدون
تردد بأن هذا الرئيس العراقي ـ الكردي المخلص والديموقراطي أفضل
بألف مرة للعرب وللعروبة، بالمفهوم الحديث وليس بالمفاهيم الفاشية
البائدة، من ديكتاتور أحمق رفع شعار: «أمة عربية واحدة» ومارس كل
الموبقات البشعة ضد هذه الأمة وأساء إليها والى رسالتها الخالدة
إساءات لا تغتفر.
ثم ولأن هذه المنطقة جزء من هذا
العالم ولأن المفترض ان نستفيد من تجارب الآخرين فإنه علينا ان
نتذكر ما فعله مرض السُّعار القومي النازي بألمانيا وما فعله مرض
السُّعار الفاشي بإيطاليا وبهذا، وإذا كانت العروبة تعني الانتحار
وتعني ذبح الآخرين ومنعهم من أن يكونوا شركاء في أوطانهم وعلى قدم
المساواة مع الأكثرية العددية، فإنه لا بارك بهذه العروبة التي
سيكون مصيرها الى الزوال والتي رغم ان المفترض ان حضارتها هي
الإسلام فإنها لا تلتـزم بقيمه الإنسانية الرائعة ولا برسالته
الحضارية الخالدة.
علينا نحن العرب ان لا نُحرِّم على
الآخرين ما نحلله لأنفسنا فنحن عندما يفوز عربي من أصول لبنانية او
سورية أو فلسطينية برئاسة إحدى دول أميركا اللاتينية يصبح فـرحنا
بطول الأرض وعرضها وهذا يفرض علينا الا نستكثر ان يصبح كردي ـ
عراقي رئيساً للجمهورية العراقية، ولذلك ولأنه عندما يفوز كارلوس
منعم السوري الأصل برئاسة الأرجنتين بدون أي اعتراض على سوريته
وعروبته، فإنه يصبح من حق جلال الطالباني ان يُنتخب رئيساً لدولة
هو أحد مواطنيها، وبتواصل يصل الى بداية الخليقة.
إن جلال الطالباني لم يأتِ الى
العراق وافداً، لا من وراء الصحارى ولا من خلف البحور، والدولة
التي اصبح رئيساً لها، بإرادة الشعب العراقي وليس بانقلاب عسكري،
هي دولته وعندما يستكثر العربي ان يكون هذا السياسي المخضرم رئيساً
للجمهورية العراقية، فإنه يضع الأمة العربية في الإطار التي وضع
هتلر فيه الأمة الألمانية ووضع فيه موسيليني الأمة الإيطالية.
على العرب ان يحترموا إرادة الشعب
العراقي، فالوصاية من خلف الحدود مرفوضة، والمطلوب من الطالباني
ليس اكثر من العمل على بناء الدولة العراقية على أسس ديموقراطية
تعطي حقوقاً متساوية لكل أبنائها، وغير مطلوب منه أكثر من السعي
لتكون علاقات هذه الدولة مع الدول العربية، المجاورة والبعيدة،
مبنية على حسن الجوار والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وعدم
التدخل في الشؤون الداخلية.
لم تعد الوحدة العربية الفورية
بالمفاهيم السابقة مطروحة، وهذا الشعار غدا من الشعارات التي تقف
خارج العصر، ولذلك فإنه غير مطلوب من أي رئيس لجمهورية العراق، حتى
وإن كان عربياً قحطانياً، ومن العرب العاربة وليس من العرب
المستعربة أكثر مما هو مطلوب من جلال الطالباني، الذي أبدى خلال
كفاحه الطويل تحيزاً للشعب الكردي المضطهد والمشرد والمحروم من
حقوقه الوطنية والقومية، لكنه وفي الوقت ذاته لم يبدِ تحيزاً ضد
العرب لا في العراق ولا في خارجه، كما أنه لم يتخذ ولا في أي يوم
من الأيام، موقفاً عنصرياً وشوفينياً ضد الأمة العربية كقومية،
وكأمة وكحضارة وكلغة وكتراث.