|
|
|
|
|
|
|
 |
|
جلادت عالي بدرخان |
|
عتاب خنجري
إلى أستاذي العزيز و الغالي توفيق وهبي
جلادت عالي بدرخان
ترجمة زين أمين
منذ زمن بعيد لم أنظر إليه, كا ن متكئاعلى
طرفه, فوق سطح مكتبتي و في زاوية مظلمة و
مغبرة , من يعرف منذ متى لم ألمسه , عناكب
غرفتي غزلت فوقه خيوطها , تنظر إليه من
الأعلى.و أحيانا تهبط لتسير على مقبضه ,
تترك آثارها ثم تتسلق بيوتها .
قبل عدة أيام لم يعد قلمي يكتب, أردت أن
أبريه, بحثت عن سكيني فلم أجده , نظرت
حولي بحثا عن شئ يستطيع أن يجعل قلمي حادا
, وقع نظري على الخنجر , اقتربت منه و حين
مددت يدي إليه , شعرت العناكب حولها بغريب
فمدت اطرافها السرطانية إلى راسها و فرت
كل واحدة منها باتجاه .
خرج خنجري الصدئ من غمده بصعوبة , بصوت
متحشرج , كان صدئا وضعته بين ورقة و دلكته
فطار منه غبار ذهبي قديم .
وضعت قلمي على حده , فلم يبريه و لم يبتره
, بقي بين يدي متصلبا , لم يرغب ان يخدمني
بهذه الطريقة , وضعت خنجري بجانبي و نظرت
إليه .كان قد بقي من صدئه النصف , و بلون
قريب من الاحمر بدأ يلمع و شئيا فشئيا غير
من لونه فأصبح بالكامل أحمرا , احمر كلون
الدم , كنت أعلم إن خنجري غاضب مني , يريد
معاتبتي , أخذته مرة أخرى بين يدي و قلت
له :
أيها الخنجر العزيز , ما بالك !! قد تكون
غاضبا مني , فما الذي فعلته بك لتغضب مني
هكذا ؟
نطق خنجري و أجابني بصوته الفولاذي
المستبد و الشجي فقال :
نعم , و كيف لا أغضب منك و قد رميتني بين
الكتب و الأوراق , جعلت مني رفيق بقايا
قشور الشجر و القش و صاحبا لأقمشة و خرق
المزابل , لا تسأل عني و لا تنظر إلي ,
إلى الآن بقيت صامتا , فقد كنت أحسب نفسي
ضائعا و منسيا في هذه الدنيا و لكن لم أعد
استطيع أن أتمالك نفسي , نعم لم أعد
استطيع , لأنك تريد أن تضعني موضع مبراة و
أن تبري بي قلمك , أن تفتح أوراق كتابك ,
تريد أن تحمل الأسود أحمال الحمير . أنا
الفولاذ الأصيل , الحديد الصقيل, أسلافك
غرسوني في صدور الرجال و الأبطال
والصناديد و ربوني و أطعموني اللحم و
القلوب و الأكباد , أما أنت فتريد إطعامي
القشور و الخشب و أن تجعل عشائي و فطوري
تبنا كالحمار , اتركني جائعا و لا تضع في
فمي القشور و الأوراق اليابسة , أنا لست
آكل العشب ذا الأرجل الأربعة بل أنا الأسد
آكل اللحم.
نعم أنا الخنجر ذو الحدين, الفولاذ الاصيل
, الحديد الصقيل ترميني بين الأوراق
السوداء و المبقعة التي لا تفهمني و لا
أنا أفهمها .
أعلم أنك اليوم مهووس بالكتابة و اللغة
الكردية ,تشغل نفسك من الصباح حتى المساء
و أحيانا حتى منتصف الليل و أحيانا أخرى
حتى الفجر بكلمة أو نصف كلمة ,أهي مؤنثة
أم مذكرة , إسم أم ضمير . منفصلة أم متصلة
. أو فيما إذا كانت في الأصل كردية أم
دخيلة تم تكريدها و هكذا يشيب شعرك و
شواربك . في سنة تعيش عشر سنوات و طوال
عمرك , تجعل من ربيعه شتاءا ثلجيا , و
لكنك سعيد و تقول في سرك إنني بهذه
القراءة و الكتابة سوف أحيي شعبي , و إن
شعبي سوف يصبح مالكا للعلم و الكتب و سوف
يصبح مستقلا و يحقق أمنيته و يسعد .
و لن يستطيع الناس القول بأن الاكراد ليس
لهم لغة , و إن لغتهم هي فقط لغة الكلام و
الحديث , و لكنهم سوف يقولون أن الأكراد
أيضا ككل الناس لهم لغة و كتب و اللغة
الكردية لغة ذات قيمة , غنية و متماسكة ,
و إن الأكراد شعب قديم و أحفاد للميديين .
نعم , فأنت تسير على درب خاني , و تريد أن
تنجز ما لم يستطع هو إنجازه . إذ كان يقول
:
حتى لا يقول الناس , إن الأكراد يفتقرون
إلى المعرفة و الأصل النجيب .
و أنت تريد أن يقال :
إن كل الناس يقولون , إن الاكراد يملكون
المعرفة و الأصل النجيب .
لذلك و من أجل هذا أهملتتي و رميتني خلف
ظهرك , أبعدتني عن العين و القلب , جعلتني
مأوى للعناكب , تلك الحشرات التي لا جلد
لها و لا لحم و التي تسير علي كل يوم و هي
تريد ان تخنقني تحت خيوطها و آثارها و
تدفنني .
و لكن لا , لا اللغة و لا الكتابة و
القراءة تستطيع أن تحقق شئيا بدوني . فقط
فكر كيف أنك و شعبك دمتم حتى الآن , كيف
أنكم لم تنسوا لغتكم و حتى اليوم تتكلمون
بها , و يعود الفضل إلي في أنك و قومك لم
تخسروا لغتكم .
مرات عديدة , أرادوا ان ينسفوا لغتكم ,
لغتكم قبل آلاف السنين كانت لغة البلاط و
الدولة , و منذ ذلك الحين أرادوا تحطيمها
, حاربوها آلاف المرات و أنا الذي كنت
دائما بالمرصاد , حافظت عليها و ليس قلمك
.
و إن كنت لا تصدقني , أنظر حولك و سوف ترى
كيف أن الذين هجروني مهاجرين إلى المدن
نسوا لغتهم و لا يقدرون اليوم ان يقولوا
(لو لو ) و لا (لى لى) , لأن الرجل الأعزل
غير المسلح كالإنسان الذي لا أظافر له ,
حتى البرغوث يتغلب عليه .
لذلك قدرني يا سيدي , لا تبتعد عني , و لا
تبعدني عنك و لا تقطع بي قلمك بل أوصال
العدو .
أتم خنجري كلامه , وددت أن أرد عليه , و
لكنه لم يشأ الإصغاء إلي , بل انسل إلى
غمده صامتاً دون الإهتمام بي .
هذه القصة مأخوذة من كتاب انطولوجيا القصة
الكردية الذي صدر باللغة الكردية عام 2003
عن دار نودم بإشراف الكاتب فرات جوري, و
كانت قد نشرت في جريدة هاوار العدد 12 عام
1932. و كانت قد نشرت في موقع تيريز
سابقاً
|