|

جان كورد
18.04.2005
لايخفى على أحد أن من العوائق الكبيرة التي تعترض نظام الأسد في
سوريا إذا ما حاول مرغما أو مكرها السير على طريق الإصلاح السياسي، هو
أنه حتى من قبل قيام الرئيس السابق حافظ الأسد بما أطلق عليه إسم "الحركة
التصحيحية" عام 1970 كان قد عمق من النزعة الطائفية في سوريا، إذ أبعد
خيرة الضباط السوريين من غير أبناء العلويين من المراكز الحساسة في
الجيش والشرطة وغيرها من أجهزة الأمن الأخرى، كما أبعد معظم الخبرات
الوطنية التي لا تدين بالولاء له ولنظامه أو جعلها تتصدر الواجهة
الاستعراضية كالألعاب والدمى أو الطيور المحنطة دون أن يكون لها أي
تأثير فعلي يذكر في مجرى الأحداث وفي تخطيط السياسات وتدبير أمور
الدولة، وخير مثال على ذلك هو استخدام المقدم مصطفى طلاس السني ليصبح
وزير دفاع منشغل بتأليف الكتب عن الأطعمة والمطابخ...في حين أن
العلويين كانوا ولا يزالون حتى الآن يشكلون العصب الأكثر حساسية في
مفاصل النظام الرئيسة، وهذا ما أفسح المجال أمامهم لأن يقتنوا ثروات
فاحشة ويمارس كثيرون منهم نهبا منظما على كافة المستويات لخيرات البلاد
لتمتعهم بصلاحيات وعلاقات واسعة ولتواطؤ رؤوس النظام معهم وعدم
استعداده لمحاسبة أولاد العم الذين جعلوا من امتصاص دم الشعب السوري
صنعة أو مهنة لهم، يتباهون في ما بينهم بما سرقوه أو سلبوه عنوة وبغير
حق من أموال الشعب، حتى صار العسكري يخدم في بيت سيده "ضابطه" بدل
الخدمة في الثكنة، ويبني له البيت بإسمنت الدولة وحديد الدولة وينقل
الحجارة والخشب بعربات الجيش ، بدل أن يبني المتاريس ويتعلم فنون
القتال
ولقد تشكلت منظمات وجمعيات هدفها سلب المواطن قوت يومه دون رقيب أو
حسيب، ومنها ما اتخذ من أسماء دينية كجمعية المرتضى، إضافة إلى تشكيل
وحدات عسكرية طائفية خالصة لتعزيز مواقع العلويين في النظام وحمايتها
تحت شعار "حماية الثورة"، والذي يتجول في سوريا من الجزيرة حيث يعيش
الكورد في أغنى بقاع البلاد في فقر مدقع وحرمان من الخيرات إلى الساحل
السوري يرى الفارق الكبير بوضوح وجلاء في مستوى المعيشة ضمن الوطن
الواحد
طبعا، هذه المناطق العلوية التي استفادت فائدة قصوى من طبيعة النظام
الدكتاتوري الطائفي لن تكون مع تغييرات وإصلاحات تمس مصالحها وتسترد ما
اغتنمتها دون وجه حق، سواء عن طريق مباشر أو غير مباشر، وهي تقاوم أي
مشروع إصلاحي ستهدف مصالحها ودوام تواجدها كقوة حاكمة في البلاد
ولكن! ماذا سيفعل نظام ديموقراطي بكل هؤلاء البشر الذين نسميهم
بالعلويين؟ هل يعيدهم إلى فقرهم الذي كانوا عليه قبل وصول زعمائهم إلى
السلطة عن طريق الجيش؟ هل يمنعهم من ممارسة حق الانتخاب والتملك
والمشاركة في العملية السياسية؟ هل يمنع عليهم الانتساب إلى الكليات
الحربية والمعاهد العلمية العليا لمجرد أنهم علويين؟
طبعا، إن أي نظام كان لا يمكن أن يكون ديموقراطيا إلا إذا شعرت فيه كل
الأقليات القومية والدينية بأنها غير مغبونة الحقوق وغير ممنوعة من
ابداء الرأي أو المشاركة في العملية السياسية بشكل عادل وديموقراطي وحر،
ولا يمكن في مثل هذه الحال وضع استثناءات أو حصر الديموقراطية في
متناول الأكثرية المسلمة السنية دون الأقليات
ثم إن العلويين جزء أساسي وقديم ومتأصل في النسيج الوطني السوري، ولا
ننكر أن جزءا من سكان الجبال المسماة بجبال العلويين ينحدرون من أصول
كردية هاجروا في أزمنة سحيقة نتيجة الاضطهاد العثماني الشنيع إلى سوريا
، واستعربوا مع الأيام، فصاروا يتفاخرون بسوريتهم وعروبتهم ، وتحولوا
مع الزمن إلى عنصر هام وأساسي من عناصر البناء السوري ذي الطابع العربي،
ولا يمكن التفريق بينهم وبين غيرهم من المواطنين لمجرد أن ديانتهم
تختلف عن ديانة الأكثرية السنية، أو أنهم يشعرون بأنفسهم كوحدة
اجتماعية – دينية ذات خصائص متميزة عن المحيط المسلم، بل إن سوريا
بأسرها بلد متعدد القوميات والأديان يعيش فيه إلى جانب القوميتين
الأساسيتين العربية والكردية العديد من الأقليات القومية والدينية، لذا
يجب أن تصان حقوق الجميع في ظل دستور يقر المساواة والعدالة والتآخي
ويبعث في نفوس الجميع الأمل في أنهم يتمتعون بكرامتهم الإنسانية
وبالحرية
العلويون – رغم ما ألحقه بعض زعمائهم بالشعب السوري من أذى كبير يجدر
محاكمتهم عليها وبسببها لدى محاكم مستقلة ذات شفافية ومصداقية وتحت
رعاية مؤسسات دولية قانونية معترف بها – قد شاركوا مختلف الفئات الأخرى
من الشعب السوري في مناهضة ومقارعة الطغيان العثماني المتستر بإسم
الدين الإسلامي الحنيف والذي صب جم اضطهاده الدموي على رؤوس الأقليات
الدينية والقومية، كما حدث للأرمن والعلويين والأكراد وبخاصة اليزيديين
منهم، الذين شردهم الاضطهاد وقضى على معظمهم في مذابح شهيرة يندى لها
تاريخ الإنسانية، مما دفع مئات الألوف منهم إلى الهروب صوب آذربايجان
وأرمينيا وإيران والعراق وسوريا، فمات منهم كثيرون نتجية البرد القارس
والجوع والعطش والأمراض الفتاكة... وهذا ما دفع الدول الأوربية وأمريكا
حديثا للتطرق مجددا إلى ما ارتكبته تركيا في هذا المجال من جرائم بحق
الإنسانية
لقد شارك العلويون من سكان سوريا الأصليين ومن المهاجرين إليها إخوتهم
في الوطن والإنسانية في مقاومة
الاستعمار الفرنسي وأوت جبالهم المنيعة الوطنيين الذين رفعوا رؤوسهم في
وجه الطغيان والاستبداد حتى تحررت سوريا في 17/4/1946 من الفرنسيين..
كما أنهم شاركوا إخوتهم السوريين في بناء نظام ديموقراطي متخلف نسبيا
ولكنه عرف التعددية الحزبية وحرية الصحافة واستقلال القضاء.. كما
شاركوا في مختلف الحروب مع اسرائيل ، ولا يعني هذا التعاون الأخوي في
النضال التحرري أنه لم تحدث تجاوزات مؤسفة على خطوط التماس بين
الأكثرية العربية السنية والأقلية العلوية ، كان العلويون ضحايا لها
وتم الاعتداء على أموالهم واهانتهم والاستهتار بعقائدهم وما إلى هنالك
مممارسات لايقبلها عقل الإنسان المتحضر ولايستسيغها العرف الإنساني
برأيي إن العصر الحديث لم يعد يقبل عقلية الانتقام المذهبي أو الطائفي
من أي جهة كانت ومهما كانت الذرائع والدوافع والغرائز قوية، ولذا من
الأفضل تربية وتوعية الجماهيلر تربية ووعيا بعيدين عن الاحتقان
والاحتقار والتعالي المذهبي أو باتجاه تعميق الأزمة الطائفية في البلاد،
ويؤسفني حقا أن أرى صفحات انترنتية وغرف بالتوك لاشغل لها سوى تأجيج
نار الحقد والكراهية على العلويين ويضعهم كلهم دون استثناء في قفص
الاتهام على مستوى المجرمين وناهبي خيرات البلاد، ويحرض على الانتقام
منهم وتصفيتهم وممارسة كل أنواع الممارسات المخزية معهم، ويحدث ذلك كله
تحت شعارات مصبوغة بالدين الإسلامي الحنيف الذي يدعو إلى أن لا نزر
وازرة وزر أخرى ، وعلينا بدل ذلك تهيئة الجماهير السورية من أجل
المرحلة الجديدة ، مرحلة الحياة في الحرية والديموقراطية لا العودة إلى
الهمجية والطائفية ، ونبين لهذه الجماهير بأن لكل الفئات منها حق
التعبير عن الذات والحصول على ما يليها من حقوق وما يقع على كاهلها من
واجبات، وطي صفحة الماضي الكريه الذي اتسم بقيام بعضهم بتسعير وتأجيج
النزاعات الطائفية وتغذية أفاعي الطائفية والعرقية والمذهبية من باب "فرق
تسد" وبسبب ما جنوه من مغانم ومكاسب ولضمان استمرارهم في الحكم
بالاعتماد على فئة من الشعب دون غيرها مقابل حرمان فئات أخرى نهائيا من
أي مشاركة للسلطة حتى على المستويات الدنيا كما حدث لأكثر من 17% من
الشعب السوري، ونعني بهؤلاء الكورد الذين استبعدوا عن قيادات الجيش
والادارة السياسية والمهام الديبلوماسية لما يزيد عن النصف قرن ، وذلك
بسبب النزعة القومية المتطرفة لحزب البعث العربي الحاكم الذي جمع السنة
والشيعة والعلويين والمسيحيين وغيرهم في إطار عروبي معاد لأي طموح قومي
كوردي ، وتم اقصاء الكورد واستثناؤهم واستبعادهم إلا الذين
تنكروا لقوميتهم ولكرامتهم الإنسانية وقبلوا بما أملى عليهم النظام
قبولا تاما، بحيث لا يمكن اعتبارهم أكرادا أبدا
فلنكف عن اتهام العلويين اتهاما عاما وشاملا كما يفعل بعض المتطرفين
السنة الذين نسمعهم كل أسبوع في غرف
البالتوك ، ولنملأ قلوب العلويين أيضا أملا وثقة في أن سوريا هي ملك
لكل السوريين بغض النظر عن أديانهم أو مذاهبهم وطوائفهم أو أجناسهم
وأعراقهم أو لغاتهم ولهجاتهم.. وأن للجميع ذات الحقوق والواجبات في ظل
نظام ديموقراطي حديث وهم متساوون أمام القانون، حتى نتمكن من اعادة
ترميم البيت السوري المنهار
|