|
الأكراد بين الزراد شتية و
الإسلام
بهمند عمر
تختلف وجهات ا لنظر حول الطريقة
التي انتشر فيها الإسلام في بلاد
الكرد ومدى تأصله في المجتمع
الكردي القديم و حقيقة أثر
الإسلام في تخليص الكرد من الجهل
و العبودية ومدى صحة إن الإسلام
هو الذي جمع شملهم في وقت كانوا
فيه في شتات ، فهناك من يدعي بأن
الكرد قبل الإسلام كانوا في شتات
و جهل و جاء الإسلام كمنقذ لهم
،وبين من يرى العكس تماما بأنهم
كانوا في حالة حضارة و ازدهار ولم
يعرفوا التفرقة إلا بعد ظهور
الإسلام .وبين من يرى أو يدعي أن
الكرد اعتنقوا الإسلام طواعية دون
إكراه ، وبين من يدعي أيضاً إن
الكرد اعتنقوا الإسلام بقوة السيف
وإلى ما غير ذلك من وجهات النظر
المختلفة . ولكن إذا أراد الباحث
أو الكاتب أن يعرف ا لحقيقة فلابد
لهُ من مراجعة الكتب ا
لتاريخيةالتي تتحدث عن الأديان
التي سبقت الدين الإسلامي سواء
أكانت الزرادشتية أو المسيحية
أواليهودية و لكن ما يهمنا نحن
الكرد في بحثنا هذا هو الديانة
الزرادشتية باعتبارها كانت ديانة
الكرد في تلك الحقبة من الزمن
والتي امتدت منذ العهد الميدي إلى
حوالي ألف عام وهذه الديانة كانت
الحبل الذي يربط جميع الأكراد
بعضهم ببعض يحمي وحدتهم و يدافع
عن مصالحهم . و الحقيقة أن
الأكراد قبل الإسلام لم يكونوا في
شتات و جهل كما ترى طبقة من
الشوفينيين العرب بل كان لهم ما
يسمى في الوقت الحاضر كل مقومات
الدولة من الأرض و الشعب الواحد
وا للغة الكردية التي تنتمي إلى
مجموعة اللغات الهندوأوروبية
بالإضافة إلى ديانتهم الزرادشتية
التي تؤمن بالخير و الشر و يوم
الحساب . وهذا يدل على أن الكرد
كانوا في حالة حضارة و ازدهار
والوحدة ولم يعرفوا ا لتشتت إلا
بعد دخول الإسلام بلادهم .فمنهم
من بقي على ديانته الزرادشتية رغم
كل الظلم و الويلات ومنهم من هرب
إلى بلاد الهند نتيجة ا لظلم
الواقع عليهم ومنهم من اضطر إلى
دخول الإسلام وهناك فئة محدودة
منهم اعتنقت الإسلام طواعية . عند
ظهور الإسلام في المكة في شبه
الجزيرة العربية على يد ا لنبي
محمد (ص) وثبوت دعائمها هناك أ
ُرسلت دعوات إلى الشعوب الأخرى
لاعتناق الدين الجديد ومن بين
هؤلاء الشعوب الشعب الكردي إلا
إنهم رفضوا ذلك وبقوا مؤمنين
بديانتهم الزرادشتية . وفي عهد
الخليفة عمر بن الخطاب تبدلت
سياسة الإسلام رأسا على عقب فقد
أمر الخليفة عمر بن الخطاب بغزو
البلاد و فتحها بالقوة بغية نشر
الدين الإسلامي فيها ومن أجل ذلك
ُكلف عياض بن غنم بغزو بلاد الكرد
و فارس وذلك في بدايات القرن
السابع للميلادي وكان يرافقه كل
من أبي موسى الأشعري و عتبة بن
فرقد و حبيب بن مسلمة وقد تمكن من
فتحها بعد معارك عديدة خاضها مع
الكرد و الفرس علما إن قائد الجيش
عياض بن غنم قد ُقتِل في إحدى
المعارك مع الأكراد . وحسب رأي
الكثير من المفكرين و الباحثين
المهتمين بالشؤون الإسلامية لم
يكن الهدف الرئيسي من غزوات
المسلمين نشر الإسلام بل لتحقيق
مكاسب أخرى عديدة في مقدمتها
توسيع رقعة الدولة الإسلامية
باتجاه الشمال و الشرق بهدف تشكيل
إمبراطورية إسلامية على غرار
الإمبراطورية الرومانية ، وكذلك
تقوية بنيتها ماديا بواسطة فرض
الضرائب والأتاوات على سكان
البلاد المفتوحة التي لا يعتنق
أهلها الدين الإسلامي وهذه ا
لضرائب و الأتاوات كانت تتميز
بضخامة مقدارها لدرجة يعجز فيها
الكثيرون عن دفعها مما يضطرون
للهجرة من ديارهم وإلا تعرضوا
للعقاب ثم الطرد وفي بعض الأحيان
يصل إلى ا لقتل و نتيجة لذلك هاجر
عدد كبير منهم إلى بلاد الهند و
أطلق عليهم اسم المجوس و التجأ
بعض الأخر إلىالجبال العالية و
الاختباء في كهوفها وهم متمسكون
بديانتهم إما الأغلبية فقد بقوا
على أرضهم و رضوا بالأمر الوقع
وقبِلوا الإسلام دينًا لهم للتخلص
من الظلم الوقع عليهم ، و نتيجة
الأحتكاك بينهم وبين المسلمين
بدؤوا يدركون حقيقة هذا الدين و
يتقبلونه شيئا فشيئا. فهم لم
يتأقلموا مع الدين الجديد مباشرةً
بل احتاجوا إلى فترة طويلة نسبيا
لأنه مفروض عليهم بالقوة و بلسان
غير لسانهم والأسوء من ذلك أن
ديمقراطية الإسلام لم تكن مطبقة
على الكرد و إنما العكس فقد كانوا
يتعرضون لشتى أنواع الظلم فقد
كانوا محرومين من ممارسة عاداتهم
و تقاليدهم المستمدة من ديانتهم
الزرادشتية . والظلم الذي تعرض له
الكرد لم يكن مقتصرا على عهد
خليفة دون أخر بل كان قائما في
عهد الكثير من الخلفاء . وقد دون
التاريخ حادثة مروعة ُقتِل فيها
الشاعر الكردي أبو مسلم الخرساني
على يد الخليفة أبي جعفر المنصور
عندما طالبه أبو مسلم بمنح الكرد
حقوقهم أسوة بإخوانهم العرب و رفع
ا لظلم الواقع عليهم إلا إنه اتهم
بالخيانة و الغدر و التمرد على
الخليفة و على الدولة الإسلامية و
ُقتِل على أثرهِ ويصف الشاعر أبو
دلامة تلك الحادثة المروعة بقوله
:
أبا مسلم خوفتني ا لقتلُ فانتحى
عليك بما خوفتني الأسد الورد
أبا مسلم ما غير الله نعمة على
عبدهِ حتى ُيغيرها العبد
أفي دولة المنصور حاولت غدره إلا
إن أهل الغدرِ آباؤكَ الكردُ .ِ
فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على
مدى الظلم الذي تعرض له الكرد و
تحريمهم من حقوقهم بغية طمس هويته
وانصهاره داخل المجتمع العربي
الإسلامي فقد كان ينظر إلى الكردي
بأنه عبيد و العبيد يحرم من كل
شيء . ومع مرور السنوات و بالقضاء
على الدين الزرادشتي و إباحة دم
كل شخص يؤمن بالزرادشتية بدأ
الكرد يتقبلون الدين الإسلامي و
يتأقلمون معه حتى باتوا يؤمنون به
كل الإيمان بعد أن تعرفوا على
مبادئه ومناهجه . ولم يبقى الأمر
على هذا الحال بل تغيرت تماما فقد
بات الكرد هم حماة هذا الدين وبات
حاموها الأولون في خبر كان ، فلا
أحد يستطيع أن ينكر الخدمات التي
قدمها صلاح الدين الأيوبي للإسلام
و العرب الذي أعاد توحيد العرب
بعد أن قاموا بتفتيت الدولة
الإسلامية و تحويلها إلى إمارات و
مماليك عديدة ناسيًا ما فعله
العرب بحق الكرد كل ذلك من أجل
الإسلام .و بالرغم من ذلك لم يغير
العرب نظرتهم للكرد .
وفي الوقت الحاضر فإن أي شخص ينظر
إلى العلاقة بين الأكراد و العرب
سوف يرى بشكل واضح إنها علاقة غير
مستقرة ويظهر ذلك جليا في اتهام
العرب للكرد دائما بأنهم
انفصاليون ويخدمون أعداء الإسلام
في وقت هم يمارسون أشد أنواع
الظلم على الكرد ناسين كل ما قدمه
الكرد للإسلام وهذا ما دفع أحد
صحفي الأجانب إلى القول :
((عجبي لما يجري في كردستان ،
فصلاح الدين كان قد أنقذ أحفاد
خالد بن الوليد من
ريتشارد قلب الأسد ، أما ا ليوم
فإن أحفاد
ريتشارد يهبون من كل صوب لإنقاذ
أحفاد صلاح الدين من أحفاد خالد
بن الوليد )) وقد بدأت الديانة
الزرادشتية بالانتعاش ثانية ً في
منتصف القرن التاسع عشر بعد أن
قام بعض العلماء الإفرنج بدراسة
هذه الديانة ونشر بحوثهم في الكتب
و المجلات كان لها تأثير كبير في
حركة الإصلاح الديني الذي نادى
بوجوب الرجوع في كل المسائل
الدينية إلى الديانة الزرادشتية
وتعاليم زرادشت .
وفي ا لختام أقول بأننا نحن الكرد
وإن دخلنا الإسلام بقوة السيف
وعلى الرغم من كل الظلم الذي
لقيناه من العرب في تلك الحقبة من
الزمن وحتى الآن إلا إننا نؤمن
بالدين الإسلامي إيمانا صادقا و
نؤمن بالنبي محمد (ص) خاتم
الأنبياء و المرسلين ، كما نفتخر
في الوقت نفسه بنبي اسمه زرادشت و
بدين ٍ اسمهُ الزرادشتية ونحترم
كل كردي بقي متمسكا و مخلصا
للديانة الزرادشتية .
|