|
بروين ابراهيم حاجو آغا..! لملمي مناديل البكاء بأطياف
الموت الجميل!
بيوار
إبراهيم
بروين !
لو سألنا السماء من أين أتى بعلوه ؟ و سألنا الغيوم من
أين تأتي بأمطارها ؟ و سألنا الجبال من تأتي بصخورها ؟
و سألنا الوديان من أين أتى بعمقه ؟ لكان جوابهم صوت و
صدى واحد و كلمة واحدة هي ( الله ) ؛ في هذا الزمن
الرديء الذي لا يقاوم الواقع القذر و لا يدافع عن
الجمال الإنساني , يرتفع الصراخ المر و يطفو فوق سطح
الماء يسبح لاهثاً كي يصل إلى شاطئ الأمان و كلما
اقترب الصراخ من الشاطىء كلما ابتعد الشاطىء عن الصراخ
, تلك هي دموعك النابعة على رحيل أبن عمك ( بهرم )
تحاولين سقي حقول العمر من الصمود و التحدي الصعب ,
وصلت إلى سفوح النهايات التي منها تنحدر البدايات
الشاقة , ستجلسين في تلك الشرفة القبلية تحتسين فناجين
كثيرة من القهوة ملتحفة بقمصان الخوف و الانهيار ,
ستحرقين السجائر علبة وراء علبة و لن تخبري نفسك أنك
وحيدة و أن( بهرم) مازال معك و لم يمتطي صهوة فرس
الرحيل الأخير و لم يتركك تشعلين عذابات اللاوك و
الحيراونك لوحدك في أعالي الليالي الطويلة و المعتمة
.
بروين !
قباحة الظلام لا تكمن في عتمة الأمكنة بقدر ما تكمن في
عتمة النفوس , لا أستطيع اجتياز حدود القدر و أقول أن
الموت قبيح , لكن ! لي الحق أن أقول : أنه مؤلم و رغم
أحقيته هو ظالم مع نور النفوس ألم يناجي أبو القاسم
الشابي الموت قائلاً :
يا موتُ
! قدْ مزَّقتَ صدْري و قصمْت بالإزراء
ظهْري
و
رَميْتَني من حالقٍ , و سخِرتَ
مني أيَّ سُخْرِ
.........
ففقدتُ
روحاً , طاهراً , شهماً ، يجيشُ بكلِّ خير
و فقدتُ
كفًّا ، في الحياةِ يصدُّ عنِّي كلَّ شَّر
و فقدتُ
رُكْني في الحياة , و رايتي , و عماد قصري ...
بروين !
هو الموت إذاً , يغلق حانة الأنفاس و يسكب الخمر دمعاً
في جفون الرجولة , ليالي الوجع و آهات الأحزان تحكي عن
الأشجار التي تنكسر أمام هبوب الريح , تحكي عن
الأمسيات التي تأتي و تذهب في حضرة الغياب و الرحيل ,
تحكي عن قصص الأوطان التي تأن تحت وطأة الظلم و
الحرمان , هذه الليالي و الآهات ستحكي لكِ عن( بهرم )؛
بهرم: ابن العم و الصديق و الحبيب و الزوج و الأب في
الغياب و الحضور في الذكرى و النسيان في الأمس و الغد
, ستحكي عن تلك الكنوز –الكتب- التي كان يخبأها في
إحدى زوايا البيت , تلك الكتب التي أخرجتها بنفسي و
استعرت الكثير منها , عندما سألته :
- لماذا
تخبأ هذه الكتب الثمينة و كأنها من الممنوعات ؟
جاوبني
بزفرة جافة تقطرت من أعماقه :
- لا
أرغب أن يشعر – الآخر – إنني أتبرج بالمكتبات و أنني
أسلك درب الآغاتية.
تألمت
لقوله و سألته :
- و هل
بات وجود المكتبات في البيوت صفة من صفات الآغاتية ؟
لم
يجاوبني , رمقني بنظرة حزينة مليئة بالكبرياء , و شرع
في إخراج الكتب من مخبأها ، أردت أن أخبره عن بيت
القصيد في قول الشاعر ( ويلٌ لكل بيتٍ مطبخه أكبر من
مكتبته , إذا كان المطبخ لتغذية البطون فإن المكتبة
لتغذية العقول ) , لكن ! السد الذي منعني من التفوه
بهذا القول كانت قيمة مكتبته المخبأة في منزله و
المسجلة في عقله .
بروين !
يقول الحلاج :
غِبْتَ
و ما غِبْتَ عنْ ضميري
فمازَجَتْ تَرْحَتي سُروري
و
اتَّصَلَ الوصْلُ بافْتراقٍ
فصارَ
في غيْبَتي حضوري
فأنْتَ
في سرِّ غَيْبِ همّي
أخفى من
الوهْم في ضميري
تؤنسني
بالنهار حقاً
و أنْتَ
عنْد الدُّجى سميري .
مثل هذه
الروحانية ينطق بين مواويل الصمت و يفك ضفائر السواد ,
الجسد يغيب لكن ! الروح تبقى , ليس في الذكرى وحدها بل
في المشي على الدرب الطويل , شدي صفير الريح بخيوط
الأمل و أنثري زبد الحسرات بين نور الشمس .
بروين!
من منا لا يتعرض لقسوة سياط القدر ؟ من منا لا يتجرع
كؤوس غياب الأحبة ؟ من منا لا يعارك الموت في لحظته ؟
أتدرين أن الموت له ألوان و أطياف كثيرة ؟ هناك موت
يرتوي بدموع الفقراء بين بائعي الخضرة المتجولين و
ماسحي الأحذية و بائعي السجائر و الحلويات في الشوارع
و الحارات و الأزقة تحت وهج الشمس و لسعات الصقيع ...
كل هؤلاء هم / نحن / و أنت تدركين ماهية و عمق كينونة
هذه المفردة /نحن/ , لكن! أكبر موت و أفظعه في نظري هو
انعدام الحياة بذاتها في صدر الحياة ؛ دعيني أسرد لك
حادثة صغيرة بسردها و كبيرة بمضمونها , بعد العشر
الأوائل من أيام رأس السنة , ذهبت إلى إحدى المكتبات
بغية تصوير بعض المقالات , بين دخول الزبائن و خروجهم
لمحت شاباً في مقتبل العمر كان البؤس و الشقاء يهربان
من ملامحه , لفت نظري بطاقة حمراء كان يحملها بيده ,
لم أتمالك نفسي سألته :
- هذه
البطاقة هي الهويات الشخصية للمواطنين الأجانب ؟
قبل أن
يجاوبني الشاب , أخذت منه البطاقة و شرعت النظر فيها ,
كانت تلك أول مرة ألمس فيها هويات المواطنين /الأجانب
, اندهش الحاضرون – خاصة الشاب – من تصرفي و قرأت
السؤال يهرب من نظراتهم :
- لماذا
....؟!!
قبل أن
يسألوني بألسنتهم , توجهت إلى الشاب و قلت له :
- أردت
أن ألمس بيدي هويات المواطنين / الأجانب في بلدي و لا
شيء آخر !!
تصوري
أن يولد الإنسان دون أن يملك اسماً أو عنواناً , لا
يملك هوية أو جواز سفر , فما بالك بامتلاكه لوطن يسكنه
؟؟ لعمري أن هذا أقبح موت يعيشه الإنسان في هذه الحياة
, لكن ! الموت الأكبر من هذا عندما ترتفع أصوات تنادي
بأحقية هؤلاء /نحن/ لامتلاكهم اللغة , سرعان ما نرى
أصحاب هذه الأصوات العالية يتعرضون لحملات تشويه شرسة
و منظمة تسعى جاهدة لخنق هذه الأصوات في حلاقمها و هنا
أخص صوت الكاتب و الشاعر( كوني ره ش) وصوت الناقد و
الكاتب( رزو أوسي) اللذان يجاهدان في سبيل ترميم قلاع
الأدب و اللغة بشتى الوسائل , متصدين لمثل هذه الحملات
الشرسة بإيمان و قوة .
قد
تسألين ما علاقة الموت بالفساد و الخيانة ؟
سأجاوبك
:
الموت
الذي نعرفه أبهى و أجمل بكثير من موت الضمائر و العقول
و النفوس .
بروين !
الموت الذي أصاب حياتك طبيعة من صدر القدر , ابحثي عن(
بهرم) في أعماقك , سترينه كل لحظة حاضراً معكِ , هو
بدونكِ لم يكن هو , و أنتِ بدونه لن تكوني أنتِ ,
أنتما معاً كونتما حديقة صغيرة تحاول إعادة الروح إلى
الماضي الجميل الجسد يزول لكن ! الروح حي لا يموت على
رأي جبران :
يا نفس
إن قالَ الجَهول الروح كالجِسْمِ تزول
و ما
يزول لا يعودْ
قولي له
إنّ الزّهورْ تمضي و لكنّ البذورْ
تبقى و
ذا كنه الخلودْ
بروين !
الأحاسيس الجديدة في المراحل القادمة تحمل لون المطر ,
و الليالي التي تهز جدران المشاعر الساكنة بالحزن
ستمضي نحو بحار النسيان , فقط الموقف الإنساني يبقى
شاهداً على صاحبه في الحياة و الممات , تأكدي أن
الأحلام لا تنكسر في وجه الغيوم الداكنة حيث الريح
ينفث في شلحاتها , الوقت المصنف في دفاترنا يروي لنا
بقايا صور الحياة و الأزمنة الغابرة بالعذاب تمر فوق
جسور من جليد .
بروين !
لا الليل يستبيح النهار و لا النهار يستبيح الليل
لأنهما في فلك يسبحون , بهرم رحل بأبهى صورة , الموت
الجميل خطفه من بين الأحبة و الأصدقاء , لكنه ترك
مكانه معطراً بشذا إنسانيته , تشهد له شوارع تربة سبية
و قامشلو و حسكة و /دوكر/ التي لا تشبع من احتضان
الراحلين , و كأن لسان حالها يقول :
-
ارجعوا إلى صدري يا أبنائي , كي أدثركم بذرى ترابي حتى
أبعدكم عن أوجاع الحياة و آلامها إلى الأبد .
بروين
!هي / دوكر / التي أرادت لنفسها السور و النور ... ,
لكنها لم تنال هذا أو ذاك عبرت آمالها أنفاق الظلام ,
تحول هديل الحمائم إلى فحيح الثعابين و معها تحولت /
دوكر / إلى
( الدرك
) و أي درك هو إذا كان دركاً أسفلاً ؟؟ و أنا في طريقي
إليكِ قرأت الفاتحة عليها في الغياب , لأنها كانت
نائمة بين أجنحة العتمة و الظلام , سألت الكاتب( كوني
ره ش) و الشاعر (دلدار ميدي) :
- هل
قرأتما الفاتحة على مقبرة النبلاء ؟
نظرا
إلي بدهشة و كأن لسان حالهم يقول :
- و من
يستطيع لمح الماس بين أمواج الدجى ؟
بالتحول
الأسمي / دوكر / لم تنهزم , و بعدم انهزامها لن ينهزم
الصوت و الصدى , نداء الفجر يصلي أمام عتبات الكنائس و
المعابد و المساجد , كي تصغي الجدران إلى الصرير و
يصغي الحجر إلى الألم , الموت الجميل في هذا الزمن
الرديء بات شيئاً نادراً كأنه فجرٌ يغتسل بدم النرجس و
ألآس .
بروين !
يوم أمس (21/01/2005) رحل شيخ المناضلين الكورد(محمد
ملا فخري)دون الاحتفاء بجنازته بالشكل اللازم,دون أن
يدفن في مقبرة النبلاء بدوكر,وهو الذي كان يحرص دائما
على الاهتمام بالنبلاء,وهو الذي أمضى ما يقارب التسع
سنوات من عمره في السجون في سبيل البقاء كورديا. .نعم
بروين هذه هي حال الدنيا...
بروين !
سحبتُ إليكِ سرد الحكي و الكلام , كي نسد معاً أقفاص
المواجع و الألم بالصبر و الصمود , لكل إنسان موته
الخاص لكننا نحمل في أعماقنا القرآن و الإنجيل و
الآفستا تاركين الريح وراءنا يقشع الضباب عن مناديل
البكاء قد نقف أحياناً في استراحات الذكرى ننشد مواويل
الذكريات , لكن كؤوس أسفارنا ستمتلأ بنبيذ البوح و
ثمالة الصمت , سيتمدد الدرب أمام العابرين في أفق
الزمان و أنفاق الأيام ؛ ستبقى قافلة الموت ماضية في
رحلتها معنا تجمع بين تراتيل الليالي و غيوم الأسئلة
التي تبحث عن سماء لماورائيات إشارات استفهامها , كي
تترك أشجار الوجد تهاجر بين التثاؤب و الوسن , بين
الحضور و الغياب , بين الحياة و الموت .... فوق صهوة
الحنين و الذكريات .
|