|
I
تعد الترجمة إلى الكردية
وسيلة فعالة في تطوير
اللغة الكردية وتمكينها
للقيام بدور الوسيط في
نقل العلوم المعاصرة
والآداب العالمية مما يبث
الحيوية في روحها ،
ويكسبها القدرة والنشاط
على التفاعل مع الثقافات
الأخرى، ويزيد من نمو
مفرداتها ومصطلحاتها
لتمثل ما هو جديد في
الحضارة الحديثة، كما يبث
الروح في مفرداتها
القديمة فتكتسب معاني
جديدة. واللغة الكردية في
هذه المرحلة بحاجة ماسة
إلى هذا النوع من النشاط
شريطة أن يكون المترجم
ملماً باللغتين منها
وإليها، وخاصة اللغة التي
يترجم إليها لأنها "الأله
التي سيعزف عليها مقطوعته
الموسيقية" بحيث لا يشعر
المتلقي أنه أمام نص
مترجم يشوبه الغموض في
بعض من أجزائه نتيجة تبني
المترجم عملية إخراج
العمل كصورة طبق الأصل
calque
أو أنه لا يتخذ عملية
الترجمة كمفهوم ثقافي
لعلاقات "التماثل
والاختلاف" بين اللغات.
من المعلوم أن ملحمة
جلجامش انتقلت من
السومرية إلى الأكادية
والهيتية وبعدها بقرون
عديدة تُرجِمتْ إلى
الانكليزية التي ترجمت هي
الأخرى إلى العربية وعن
هذه الأخيرة ترجمت إلى
الكردية. وانتقال الملحمة
عبر هذه اللغات المختلفة
تُفقِد الكثير من خصائصها
الفنية والأدبية. ومع هذا
، أرى من الضروري ترجمتها
إلى اللغات العالمية
وبالتالي إلى لغتنا
الكردية. من الموضوعي
القول هو أن أي مترجم
كان، يتّبع الأسلوب
القواعدي في نقل النص لا
بد أن يُفقِد الكثير من
الجانب الأدبي في صياغة
الملحمة، والقواعدية هذه
يضعنا أمام نص يحكمه
قانون الفعل والفاعل
والمفعول، أو المبتدأ
والخبر. أما الطريقة
المثلى في ترجمة النصوص
الأدبية وخاصة الملحمية
منها تتطلب مترجماً يمتلك
طاقة إبداعية وخيال خصب
وحرية معقولة في سبيل
صياغة التعبير الأدبي،
ولا يجعل من نفسه أسيراً
للقوالب اللغوية المحددة
مما يُفقد النص المترجم
الكثير من الحرارة
التعبيرية والدلالات
الإيحائية نتيجة التزام
المترجم بالقيود اللغوية.
علماً أن الإخلاص للنص
الأصلي أمر ضروري، ولكن
ضمن الحدود التي لا
تتعارض مع متطلبات اللغة
التي يترجم إليها، وإلا
سنكون أمام ترجمة تتأرجح
بين هذا وذاك.
إلى جانب الأحداث
التاريخية والمواقف
البطولية للشخصية
المحورية، ثمة عناصر فنية
أخرى تدخل في نسيج البنية
الشعرية للملحمة مما تضفي
عليها طابعاً غنائياً
وجرساً موسيقياً تأخذ بنا
إلى أجواء قديمة في أعماق
التاريخ البشري. وإذا
قرأنا ملحمة جلجامش
باللغة الانكليزية أو حتى
بالعربية نلاحظ أبياتاً
شعرية تتكرر في بعض
المقاطع، وهذه تعد خاصية
شعرية تتواجد في بنية
الملاحم الكردية التي
تلبي وظيفة صوتية بجرس
موسيقي معين يؤديها
المغني وتؤدي وظيفة
دلالية معينة في النص
الملحمي.
الجانب الأخر في عملية
الترجمة يقع على كيفية
اختيار المفردات،
وتوظفيها صوتياً ودلالياً
في بنية النص الملحمي. كل
هذه العناصر الداخلة في
نسيج الملحمة لا يُمكن
تحقيقها على يد المترجم
العادي (مترجم الوثائق)،
بل أنها تحتاج إلى
إمكانيات ثقافية وطاقات
إبداعية ربما يتطلب الأمر
إلى توظيف أكثر من شخص
واحد، كأن يجتمع شاعر
موهوب مع مثقف مترجم مع
دارس انتربولوجي قادر على
قراءة النصوص القديمة
لينقل بعض من الإيقاع
الصوتي للنص الأساسي
للملحمة.
ولكن، رغم كل الاعتراضات
الموجهة ضد الطريقة
القواعدية في ترجمة
الملحمة، إلا أنها، الى
جانب الطريقة الأدبية،
تُستخدَم باستمرار في
معظم اللغات في حدود
الإلتزام بمعاني نص
المصدر، لأننا بهذا
الشكل، كما يعتقده بعض
النقاد، نقترب بشكل أكثر
من معرفة حقيقة أحداث
الملحمة، ونتعرف على
ماهية العبارات اللغوية
والأدبية المستخدمة في
لغة الأصل.
وفي هذا السياق ثمة جوانب
أخرى جديرة بالاهتمام،
وهي أن الإختلاف الثقافي
بين الشعوب إلى جانب
التاريخ والجغراقية
والدين والمعتقدات
الشعبية وسايكولوجية
الانسان والمجتمع، يطرح
إشكاليات تصعب حلها، وهذا
ما يلقي بظلاله على عملية
الترجمة التي تنقل
التجربة الانسانية من شعب
إلى أخر، من تاريخ إلى
أخر، عن طريق تراكيب
لغوية ذات قيمة صوتية
ودلالية يدركها ويتأثر
بها ناطيقها فقط على سبيل
المثال، عبارات من قبيل
lêlê
و
lolo
أو
hey li min
المتداولة في أغاني
الملاحم الكردية. والحل
في مثل هذه الحالة هو أن
يلجأ المترجم إلى ايجاد
المعادل الموضوعي في
صياغة ترجمته، وهذا بحد
ذاته يتطلب ثقافة لغوية
واجتماعية وأدبية تخص لغة
الهدف (المترجم إليها).
أما التأثيرات الصوتية
كصوت القافية التي تأخذ
نبراً معيناً ليس بوسع
النظام الكتابي في جميع
اللغات أن يرسم لها مقابل
أو علامة كرافيمية، وخاصة
النبرة والتموجات الصوتية
واللحنية كالتنغيم
intonation
والنبر
stress
في عملية النطق. الجانب
الأخر هو المؤثرات
الدلالية الناتجة عن
طبيعة الصور البلاغية
الخاصة بتقاليد وعادات كل
مجتمع تربى ونشأ في بيئة
معينة، ربما تستقبل بشيء
من الإستغراب أو تدخل في
باب الأدب المفضوح لدى
مجتمع أخر ولاسيما ما
الصور المتداولة في الادب
الشعبي، إلى جانب ما
يحدثه التراكيب اللغوية
الخاصة بكل لغة من مؤثرات
دلالية وايحائية لا تتوفر
في اللغات الأخرى. من
هنا، ينبغي أن لا نظلم
المترجم ونحمله أعباء
أكبر مما هو مطلوب منه.
وأعتقد أننا جميعاً قد
قرأنا ترجمات عربية لا
تضاهي الأصل الاجنبي
فحسب، بل تفوقه بناءً
وبلاغة وفصاحةً، ولاسيما
ترجمات الشيخ توفيق
الحسيني من الكردية إلى
العربية. وأعتقد أن ترجمة
جلجامش إلى الكردية وفق
الصياغة الأدبية تحتاج
إلى شاعر كردي موهوب
ومتمرس في القالب
الكلاسيكي وخاصة في طراز
الشاعر الكردي بدرخان
سندي أو هزار موكرياني
أوجكرخوين، طبعاً، بعد أن
يمر بمرحلة تمهيدية تؤهله
في المباشرة بالعمل، إذ
يقرأ معظم الترجمات
الانكليزية إن أمكن، إلى
جانب الترجمة العربية.
ومتما فهم النص الملحمي
من جميع جوانبه في الشكل
والمحتوى، ويطلع على
الأسلوبين الأدبي
والقواعدي ولأكثر من
مترجم ، بعد كل هذا الجهد
والاجتهاد يستطيع أن يبدأ
بترجمتها بصيغة فنية
عالية تتوافق والإيقاعات
الصوتية للغة الكردية
كالتي تعكسها ملحمة
مموزين للخاني أو التي
نتلمسها في الملاحم
الشعبية مثل ملحمة سيامند
و خجى.
II
أما فيما يتعلق بالترجمة
الكردية لملحمة جلجامش
التي ترجمها الاستاذ دحام
عبد الفتاح ثمة أسئلة عدة
تُطْرَح على القارئ
الناقد، وهي:
1. هل لغة الترجمة
الكردية واضحة وبعيدة عن
الالتباس والغموض،
وبالتالي مفهومة بالنسبة
للقارئ الكردي بحيث لا
يحتاج إلى الرجوع إلى
النص الأصلي ليفهم ما
يقوله مترجمه؟
2. هل صيغت بأسلوب أدبي
أم قواعدي؟
3. هل الذخيرة اللفظية
لدى المترجم تتمتع بشحنات
دلالية كافية لتصوير
الموقف الملحمي؟
4. هل المترجم قادر على
تكريد الملحمة السومرية
بصيغة تقترب إلى حد ما من
الملاحم الكردية من حيث
البعد الشاعري والخيال
الملحمي؟
عندما نقرأ النص الكردي
للملحمة يبدو جلياً أن
المترجم الكردي التزم
الأسلوب القواعدي في
الترجمة، مما سهّل أمره
في انجاز مهمته بالطريقة
التي لا يُمكن محاسبته
نقدياً فيما يخص العناصر
الفنية المرتبطة بالمستوى
الأدبي، وهذه الطريقة بحد
ذاتها تعد من أكثر
العوامل ضعفاً في ترجمة
النصوص الملحمية، نظراً
لما تفتقده من العناصر
الجمالية كالموسيقى
والصور البلاغية. وفي
المجال التطبيقي، يمكن أن
نوضح هذه الفكرة من خلال
عملية المقارنة بين نص من
الشعر الكردي الحديث
ذو الطابع الكلاسيكي الذي
يربط الشعر بمرجع خارجي
ومقطع من النص الكردي
لترجمة جلجامش، ولنقرأ
معاً مقطع من قصيدة
جكرخوين تعتمد في عرضها
على عنصر تقترب في حدود
ما من السرد القصصي كأحد
مكونات الملحمة في عرض
الأحداث، وبعدها نقرأ
مقطع من النص الكردي
لملحمة جلجامش، بهدف
ملاحظة المسافة الشاسعة
بين النصين في المستوى
الجمالي.
1. أبيات من قصيدة
جكرخوين
Hilkişîme çûme jorê,
herdu rex min bend û rez,
Min dî pîrek tê ji Torê
ker di ber de tê bi lez.
Hate nêzîk rojbixêrek da
û wek min dil bi xem,
Pîrebî bû porsipî bû
taqî reş bû rû gewez.
Min ji pîrê xweş dipirsî
ey metê tu ji kû ve tê;
Go ji Sêrtê diçme Bêrtê,
xûniya Romê me ez.
Xan û eywan kirne wêran,
mêr û jin ser jê kirin,
Min go pîrê qey tu kurdî?
çûye tilyên xwe bi gez.
2.
أبيات من النص الكردي
لملحمة جلجامش
Ew e, yê ku her tişt dît
heta tixûbên cîhanê,
Ew e, yê ku her tişt nas
kir û ji her tiştî sûd
girt.
Seydayê pendewariyê ye.
Di her tiştî de zanyar
bû
Razine nehînî dîtin û
tiştine vaşartî diyar
kirin.
Û nûçeyin, ji berî dema
Tofanê ji me re anîn.
Bi rêwîtiyeke dirêj çû;
westiye û tengav bû.
Hemû bûyer û serhatiyên
rêwîtiyên xwe, li ser
ferşekî kevirî neqşandin.
Beden ji Oroka asê re
bilind kirin.
Û perestgeha Iyana ya
pak, gencîneya pîroziyê
ava kir
من الواضح أن جمالية
الموسيقا في صياغة البنية
الصوتية للنص الجكرخويني
حيث نجد التسلسل الصوتي
يجري بايقاع منظم يتجلى
ذلك في الوزنً والقافية
وفق أنغام فاعلاتن
فاعلاتن فاعلاتن فاعلن
كما في التقطيع التالي:
[Hil-ki–şî-me] [çû-me-jo-rê]
[her-du-rex-min] [ben-dû-rez]
/ - / /
/ - / /
/ - /
/ / -
/ Fa `I la tun Fa
`I la tun Fa `I
la tun Fa `I
lun
Min dî pîrek tê
ji Torê ker
di ber de tê bilez
/ - / /
/ - / /
/ - / /
/ - /
كما هو معلوم في التحليل
الأدبي أن البناء الشعري
يتميز بترتيب خاص للبنى
اللغوية داخل القصيدة، قد
لا يتناسب في بعض الأوجه
مع القواعد النحوية
المحددة للغة، وهذا يعد
إحدى الوسائل الأسلوبية
التي يلجأ إليها الشاعر
بهدف خلق إثارة معينة لدى
القارئ. وفي هذا المنحى
دعنا ننتقل إلى طريقة
أخرى ربما تساعدنا على
كشف ماهية السلبيات التي
تحصل عادةً اثناء الترجمة
القواعدية، مثلاً لو
تخيلنا أن قصيدة جكرخوين
المذكورة أعلاه مترجمة
الى اللغة الانكليزية،
وننقلها إلى الكردية
بالطريقة القواعدية
الواردة أدناه، سنحصل على
بناء لغوي، كما هو واضح،
يختلف كثيراً عن الترتيب
الذي أتبعه الشاعر
الأصلي، وبالتالي يفتقر
إلى تلك المؤثرات
الجمالية، ويتحول إلى
كلام عادي ليس إلا. لاحظ
الشكل القواعدي في قراءة
الابيات التالية:
Ez bi banî ve çûm, herdû
bend û rez rex min in
Min pîrek dît ji torê tê,
û ker di ber de bi lez
tê
xwe nêzîkî min kir û
silavek da min,
wek min xemgîn bû
بهذا الشكل نجد أن البنية
الصوتية للنص الكردي في
جلجامش، دون الحاجة الى
تقطيعه، تفتقر الى
الترتيب والانسجام
الهارموني، اذ أن المقاطع
الصوتية قريبة من النمط
المستخدم في لغة الوثائق
التاريخية، التي لا تعير
أي اهتمام لمسألة
الموسيقا ممل يجعل من
جمالية النص ضحية بيد
المترجم. وهذا بدوره يفقد
النص الطاقة الدلالية
السابقة.
بالمقارنة مع الترجمة
القواعدية لنص جكرخوين
نجد أنه يقترب من النص
الكردي في ترجمة جلجامش
كما في البيت التالي:
Ew e, yê ku her tişt dît
heta tixûbên cîhanê,
Ew e, yê ku her tişt nas
kir û ji her tiştî sûd
girt.
نجد أن البيت يتكون من
مفردات رتبت نحوياً
ودلالياً دون الإهتمام
بالجانب البلاغي ولا
الجانب الموسيقي اذ نجد
مجموعة من المقاطع
الصوتية تنتهي بالصامت
الساكن شبيه بالسكتات
التي تحدت بشكل اعتباطي
حيث تفتقر إلى التناغم
الهارموني، وخاصة في
استعماله للنمط المغلق من
المقاطع الصوتية من نوع
cvc
أو
cvcc
وهي:
|
her tişt dît
her tişt nas
kir
ji her tiştî
sûd girt |
بالرغم من أن عملية
التكرار وطبيعة الأصوات
في المقاطع المفتوحة التي
تؤلف بداية الشطرين تحدث
نوعاً من الانسجام الصوتي
في السلسلة الكلامية، إلا
أنها تصطدم بتتابع
المقاطع المغلقة مما يخل
بالنظام الموسيقي للبيت.
بعض
سمات الأسلوب النحوي
سأعرض هنا بيتاً واحداً
من ملحمة جلجامش بثلاث
لغات: الانكليزية
والعربية والكردية،
لنلاحظ مثالاً في الفرق
النحوي بين هذه الترجمات:
1. ترجمة مورين جلري
Maureen Gallery Kovacs
He saw the
Secret,
|