|
أخي الكبير لم يعد يضرب الصغار فلم يعد
احد يستطيع التشويش عليه وعلى مذياعه
القديم.
حسابٌ
سريع لخطاً صغير، قد يكون الخطأ بسيطاً و
لا يستوجب العقاب ، ولكنه القانون القروي
والطريقة المتبعة ، فقدر الشقي الصغير
كثيراً ما يكون الضرب من والده وأخوته
الكبار حتى وصولا بأولاد الجيران ،
فالجيرة القروية ، قـُربى حقيقية.
الحديث عن أخطائنا الصغيرة وحساباتها
السريعة المؤلمة ، عديدة ، و أكثر تلك
الهدايا الساخنة لي ، كانت من أخي الكبير
و السبب ببساطة، كان من وراء ذاك المذياع
الصغير، فعندما كانت تخرج كلمة الكرد
والأكراد من ذاك الجهاز الأسود ذو اللسان
الطويل، كان يجب أن يسود الصمت بيتنا
الترابي العريض ، حيث نادراً ما كانت تخرج
كلمة الكرد من ذاك البخيل ، و عندما كانت
تحوم تلك الكلمة في السماء، وعلى مقربةٍ
من آذاننا، لتبشر أخي بشيء قديمٍ أو جديد
، أبادر ولسوء حظي في تلك اللحظات لأبدأ
بمشروعٍ صغير عن الضوضاء فأُضيّع على أخي
سماع الخبر الجميل ، الذي كان يصل مشوشاً
بالأصل من مذياعنا العتيق ، الذي طالما
يحتاج إلى تغيير المزاج والحركة في
اتجاهات الشروق والمغيب ، لنتمكن من
التقاط ذبذباتها التائهة لسماع كلمتنا
الساحرة بوضوح ، لم يكن ذلك في العصور
السحيقة أو ما بين الحربين العالميتين بل
في الثمانينات ، ففي كل أمسياتنا
المتشابهة يحاول أخي سماع شيْ من ذاك
المذياع ، دون جدوى فنادراً ما كانت إذاعة
لندن أو مونتيكارلو تأتي بخبر عن الكرد و
كان ينتاب أخي ويتطور الأنتياب إلينا فيما
بعد ، ينتابنا شعور بالفرح و الأحتفال لدى
سماع كلمة عن الكرد ، بالنسبة لي أية
كلمة كانت تسعدني حتى لو كانت مصيبة حلت
علينا فلم أكن أفهم الجمل التي تسبق أوتلي
تلك الكلمة .
في ذاك العقد حدثت تطورات هائلة بخصوص
الأخبار المتزايدة عن الكرد وكأن مذياعنا
أضاع العنوان وتاه في الحديث. الأخبار لا
تخلو عن الكرد حيث كوارث حلبجة و الأنفال
وتطور الأمر في التسعينات حيث انتفاضة
الكرد في الشمال حيث كبرنا قليلا ، وحينها
كان أخي قد فقد كثيراً من اهتمامه بذاك
المذياع ولم يعد يضرب أخوتي الصغار
لتشويشهم على الأخبار.
مئات الآهات كانت تنطلق من صدورنا
وتعبر أفواهنا لتملأ الفضاء الرحب قائلين
: لو كان لنا نحن الكرد ايضاً زاوية في
هذا العالم ...لو تكن لنا شمعةً تضيء لنا
هذا البلد الذي طال عليه الظلام . لو ..
الألوف من التمنيات كانت تجتاحنا عن
كردستاننا المفقود .
كررنا مرارا فلتكن كردستان موجودة ولتكن
بحجم قريتنا ... فلتكن موجودة ولايهم ان
كانت عشائرية ، ملكية ، اشتراكية ،
ديمقراطية المهم أن تكون لنا نحن ايضاً،
زاوية مضيئة مثل مصباح صغير، قد يتضاعف
النور يوماً ما فيوقد الأمل ليضيء قلوب
الجميع ،ليضيء كافة بيوت الكرد من جديد ،
احد رفاق الطفولة كان يردد دوماً: كم
أتمنى أن أرى كردياً يرفع شخصاً " فلقة "
أو يدخله السجن ليعرف هؤلاء معنى السجون
، كان ينتابنا الضحك ونمضي بالحديث فيما
نفعله في دولة الأحلام.
بناة الإقليم الفدرالي قد لا يبنوا لنا
البيوت ، قد لن يهدونا أجهزة سوداء تتقن
النطق و السلام ، تتقن الكلام عن الحروب
، لن يصرفوا الرواتب لأخي أو حتى لأولئك
الصغار وقد لا يعرفون عن وقوفنا أيام
كثيرة ننتظر ذاك المذياع ليحصد لنا خبرٍ
صغير عن موتهم أو رقصهم ، قد لايهتموا
بنا، فهم مشغولون منهكون ، لم ينتهوا من
بناء أنفسهم، ولكنهم
حققوا لنا أكثر بكثير من أحلامي وأحلام
أخي بسماع كلمة الكرد في المذياع ،
والفضائيات وأصبحت تملىء الأجواء و
بأخبار سعيدة وإنجازات مضيئة اكبر بكثير
من تلك الشموع ، فلماذا يحاول البعض من
الكرد رميهم بالتراب والماء ،وخلط الفساد
بالبناء.
نعم أخي لم يعد يضرب الصغار فلم يعد
الأطفال والأحزان والآخرين يستطيعون
التشويش عليه وعلى مذياعه القديم ، فلم
يعد يستطيع أحد التشويش على الاقليم
الفدرالي الوليد.
أمين عمر
Amin.74@hotmail.com
|