|
rojava.net-2007.09.15
منذ طفولته عاش حياة
كادحة صعبة وفي هذا السن
المبكرمشى في مناكب الأرض
بحثاً عن عمل يساعد أباه
الكادح المرهق وتوفير
لقمة العيش في ظروف الفقر
والعوز، وكان وهو طفل في
عمر الزهور عندما تركوا
الحياة في قريتهم وسكنوا
مدينة كركوك، وهناك ومنـذ
بلـوغـه سـن
السادسة والسابعة
أخـذ
يبيع الورد، وفي العطلة
المدرسية
يعمـل فـي مقـهى
من مقاهي المدينة
ليسـاعـد بذلـك والـده
وتـوفير لقمـة العيـش
للعـائلة بـعد أن
هـاجـروا
من
الـريف الى مـدينـة
كركـوك.
وه ك خوى عبارة كوردية،
وتعني في العربية : كما
كان، أو مثلما حدث، ويمكن
ان نسّمي هذه العبارة بـ
(الحقيقة) أو كما هي،
والحقيقة هي القضية
الصادقة، او هي شهادة
الشاهد أياً كان الذي
يتكلم عمّا رآه أو ما
سمعه، والحقيقة تعني
الواقع، وللحقيقة قيم.
إن الصدق حقيقة ملازمة
للمناضل فخرالدين نجم
الدين طالباني (مام صالح)
منذ طفولته البائسة،
والصدق عادة يقتلع الكثير
من الأخلاق السيئة،
وبالمقابل يساعد على غرس
الكثير من الأخلاق الطيبة
في نفوس الشباب الذين
يريدون خدمة منظماتهم
وأفكارهم والإرتقاء
بمجتمعاتهم والوصول إلى
الأهداف التي كرسّوا
حياتهم لها، فالصدق بداية
سلسلة الأخلاق الحسنة،
وهو منبع كثير من الفضائل
الخلقية، ويتشّعب منه
الأمانة والوفاء
والشجاعة، ومام صالح
قولاً وفعلاً هو الأمين
والوفي والشجاع.
التقيت الرفيق فخر الدين
نجم الدين طالباني، أو
كما يرد ذكره الرفيق نادر
في الحزب، أو مام صالح
(العم صالح) في قوات
الأنصار لأول مرّة في
معتقل (موقف) مديرية شرطة
كركوك نهاية عام 1965
وبداية عام 1966 ورأيته
شاباً وسيماً وشيوعياً
متحمساً وإنساناً رائعاً
ومناضلاً عنيداً ومضحياً
في سبيل شعبه ووطنه،
ونقياً صافياً، وصادقاً
مع نفسه وأميناً مع
مبادئه.
والتقيت به مرة أخرى في
بدايات تأسيس وبناء مقر
حزبنا الشيوعي العراقي في
(به له بزان) بعد الهجمة
الهمجية للدكتاتورية
المتوحشة على الحزب عام
1979 ورأيته كما كان، وه
ك خوى، لم يتغير أبداً،
يدافع بكل ما يملك في
سبيل أهدافه وأفكاره،
وتكررت اللقاءات، وفي كل
لقاء يزداد المرء قوةً
وإندفاعاً حين يرى وجهاً
بشوشاً ومناضلاً في الصف
الأمامي ومرشداً من أجل
العدالة وحب الناس.
في بداية كتابه (وه ك
خوى) يشكر مام صالح الأخ
ريبوار الشيخ حسين سه
رقولى الذي أخذ على عاتقه
كتابة النصوص وإعداد
الكتاب للطبع، ويذكر
أيضاً اسماء ولديه هونه ر
ودلير وإبنته بوار الذين
قدموا لكثير من العمل،
ويشكرهم على سهرهم وحرصهم
ومتاعبهم، كما يقدم الشكر
لكل من ساهم في تقديم
وإخراج الكتاب الذي يروي
ذكرياته وحياته الحزبية
والسياسية. وخلال هذه
الأسطر يرد اسم فخرالدين،
نادر، ومام صالح، وهذه
الأسماء كلها إشارة إلى
الرفيق فخر الدين نجم
الدين طالباني.
يشير
مام صالح بانّ كتابة
الذكريات والسيرة الذاتية
أصبحت ديدن العديد من
الناس، وخاصةً عند الكبار
والشيوخ من السياسيين حيث
يكتب بعضهم الكثيرمن
الكلمات الفضفاضة لكي
يتبوأ الصدارة، وتبعاً
لحالة الإسهال الكتابي
وتصفيط الكلمات وبعده من
الأحداث التي لم يتجرع
مآسيها وكوارثها يقع في
جملة من الأخطاء، وهذه
الأخطاء تؤثر بشكل أو
بآخر على حجب الحقائق
وتفقد الإستفادة من كتابة
تلك الذكريات.
يقول مام صالح ترك والدي
القرية وتوجّه إلى كركوك
وعشنا مع عوائل تركمانية،
وحصل والدي بمساعدة أحد
أقاربنا على عمل في بلدية
كركوك بصفة بستاني، وعشنا
حياة البؤس والفقر، وكانت
عائلتنا تتكون من(13)
إخوة (8) بنات و (5)
اولاد، وكنت أكبرهم،
ونظراً لحالة الفقر
والعوز توفي (3) من
إخواني و (5) من أخواتي
وهم أطفال في عمر الزهور،
وجميعهم يرقدون في مقبرة
المصّلى في وسط مدينة
كركوك.
كانت المعيشة صعبة
للغاية، نحن عائلة كبيرة،
وراتب الوالد لا يكفينا،
ورغم هذه الحالة وطبقاً
للعادات والتقاليد
العشائرية كان والدي يدعو
الذين يتوجهون من القرية
إلى المدينة لقضاء
حاجاتهم وإكمال معاملاتهم
إلى البيت وهم كثرة وعلى
مر الأيام، يأكلون عندنا،
وينامون أيضاً دون التوجه
إلى الفنادق، وهذه الحالة
دفع الوالد أن يجد لي
عملاً وعمري (5) سنوات،
وكان يأتي بالورود من
بستان البلدية، وينظم هذه
الورود في سلة، ويأخذني
إلى دكان أحد أصدقائه،
طالباً منه مراقبتي
ومساعدتي عند الحاجة،
وكنت أفترش الأرض وأبيع
الزهور وأحصل على عدد من
العانات (كانت العانة
تسوي ـ 4 ـ فلوس) ومن ثمّ
أسلم العانات إلى
الوالدين.
بعد فترة قمت ببيع
الشخاط، ولكن مثل هذه
الأعمال لم تكن مجدية،
عشنا بفقر وكان أكلنا
وملبسنا رديئاً جداً،
وأتذكر جيداً بأنني كنت
أمشي حافي القدمين وألبس
دشداشة قديمة فيها الكثير
من الرقع.
تحت تأثير الفقر ترك
والدي عمله بصفة بستاني
في بلدية كركوك، وأختار
عملاً آخر، إذ إنخرط في
أعمال البناء لكي يحصل
على راتب أعلى، وكان يعود
يومياً منهوك القوى
ومتعباً، وقد ظهرت على
تقاسيم وجهه آثار التعب
والإرهاق، وأراد والدي أن
أدرس وأدخل المدرسة، ولكن
حالة الفقر كانت عائقاً،
وبدلاً من المدرسة أدخلني
والدي جامع الملا عزيز شل
القريب من بيتنا.
قال والدي للملا عزيز شل
وهو درويش من دراوشة
الشيخ جميل طالباني : هذا
هو إبني أريد أن يتعلم
عندكم ( لحمه لكم وعظامه
لي)، ومن هذا القول أراد
والدي أن أكون عبداً
مطيعاً للملا عزيز شل،
كان عددنا من البنات
والأولاد يقترب من (50)
وأعمارنا بين التاسعة أو
أقل.
كان الملا عزيز شه ل
مرعبا ومخيفاً في هيكله،
كلامه غليظ، ووجهه يشتعل
غضباً وله لحية بيضاء
كثيفة، وكان الأطفال
يخافون منه.
بعد (3) أيام أخبرني
الملا عزيز شل بأن أبقى
في الجامع، وخرج الجميع
وبقيت، وأعطاني لقمة أكل،
وهنا أمرني أن أحمل
مكنسة، وأن أنظف الجامع،
وخلال ساعتين أو أكثر
استطعت تنظيف الجامع،
وأصبح هذا عملي اليومي،
وأكثر من هذا أمرني الملا
أن أنظف البركة المخصصة
للتبول (حفرة دائرية)
بدلاً من المرحاض، وكنت
أتشوق اللعب مع الأولاد
والأصدقاء، ولكن الملا
كان مانعاً، فهو يأمر
وأنا العبد أنفذ، وكنت
أشعر بالإهانة.
لم يكتف الملا عزيز شل
بتنظيف الجامع وبركة
التبول والبقاء تحت
أمرته، وفي أحد الأيام
أخبرني بانّ علي الذهاب
يومياً إلى بيته وأنقل له
قوته اليومي، ففي احد
الأيام ذهبت إلى بيت
الملا وأعطوني سفرطاس
(وعاء خاص يشبه السطل)
وفي خارج بيت الملا عزيز
شل فتحت الوعاء وشاهدت
(3) كفتات (الكفتة تعني
الكبة) مع شوربة سلق،
وقررت أكل الكفتات
الثلاث، وقد نفذت قراري
حيث جلست في خرابة (كلاوه
ى ملا عبدالله) وعند أكل
الكفتة الثالثة رآني
جارنا التركماني عبدو
كبابجي وفي الحال قال لي
: عملك هذا منكر، وأدري
ان الأكل خاص بالملا،
وعليك أن لا تكرر مثل هذا
العمل مستقبلاً، وخفت من
أعماقي، خفت من والدي
الذي هو صديق جارنا عبدو،
كما خفت من الملا الذي
يعرفه عبدو جيداً، وبعد
الإنتهاء من أكل الكفتات
أخذت الشوربة فقط للملا.
وفي اليوم التالي نادى
الملا علي وأدخلني إلى
غرفة في الجامع، ونادى
أيضاً على أثنين من
أصدقائي أن يجلبوا له
الفلقة، وبدأ الملا يضرب
أسفل قدمي بواسطة جذوع
الأشجار وهو يصرخ ويقول
هذا جزاء كل من يأكل حصتي
من الكفتات، وعندها تذكرت
بأنّ جارنا التركماني
عبدو كبابجي قد أخبر
الملا، ولكن رغم الآلام
في قدمي شعرت بالإحراج
أمام أصدقائي الذن عرفوا
سبب ضربي من قبل الملا.
بعد ضربي من قبل الملا
عزيز شل لم أذهب في اليوم
التالي إلى الجامع وقضيت
نهاري باالعب مع أصدقائي
في الدرابين والمحلات،
وفي اليوم الثالث لم
أذهب، وفي البيت كانوا
يعتقدون بأنّي أداوم في
الجامع، وعندما تكررت
غياباتي أرسل الملا
طلباً، يريد من والدي
الحضور عنده، وعند اللقاء
أخبره الملا بالوضع من
أكل الكفتات والضرب
بواسطة الفلقة وعدم
الدوام، وعند عودة الوالد
من الجامع وتحريض الملا
عزيز شل نلت قسطاً من
الضرب وبركات الوالد،
ونتيجةً لتصرف الملا
تمردت وقلت لوالدي يستحيل
العودة إلى الجامع حيث
الإهانة اليومية، وقد
وقفت والدتي العطوفة
والحنونة إلى جانبي،
وحصلت على قسط من الحرية
وعدم الذهاب إلى جامع
الملا عزيز شل.
وعندما شاهد جارنا
التركماني عبدو أكل
الكفتات من قبل فخر الدين
أباح أمره إلى الملا،
ولكنه يطلب من الملا
مناداة تلميذه الطفل بشرط
أن ينصحه وأن لا يقدم على
عمل مماثل في المستقبل،
ويحصل على وعد منه بأن لا
يضربه، ولكن الملا عزيز
شل لم يكن وفياً لوعوده،
وقام بفعلته الدنيئة بضرب
الطفل أمام أنظار أقرانه
من تلامذته، ولما علم
عبدو كبابجي جارنا
التركماني بفعلة الملا
المشينة يتوجه إلى الجامع
ويلتقي بالملا ويَذكره
بوعوده، كما يوجه له
كلمات الإستخفاف وجمل غير
لائقة ويقول له : من
اليوم فصاعداً لا أتوجه
إلى هذا الجامع، وأخبر
جميع أصدقائي بعدم الحضور
هنا والصلاة من ورائكم.
وفيما بعد علمت بأنّ
الملا يأمر تلامذته
بتنظيف الجامع وبركة
التبول، وأكثر من هذا
يخصص عدداً منهم لبيع
الجكليت (الشوكلاته)،
ويقال بانه كان يجني
أرباحاً مثيرة ويتصرف
بالأموال حسب رغبته.
ان سرد الحقائق يحمل في
طيّاتها اللذيذ والمر،
وقد يصاب المرء بالدهشة
عندما لا يملك شيئاً
للصرف على عائلته فيلجأ
إلى السرقة حتى من
معارفه، وهذا ما حدث
للوالد المسكين والفقير
عندما سرق بغلاً من محلة
تسعين في كركوك، وذهب إلى
مدينة خانقين كي يبيعه،
ويصرف المال المستحصل
لأولاده، ولكن الفرحة لم
تدم سوى ساعات، وانكشفت
السرقة وأدخل الوالد
السجن وأكبر أولاده عمره
(6) سنوات.
ودخل الطفل فخرالدين نجم
الدين طالباني مدرسة ـ
يايجي ـ بواسطة الأصدقاء
والمعارف من الناس
الطيبيين، وفي أحد الأيام
يأتي شاب جميل الملبس إلى
المدرسة، ويتحدث إلى
مديرها، وبعد فترة يطلبون
من هذا الطفل مرافقة
الشاب الذي هو من أقاربه
ويأخذه مع والدته وإخوته
إلى قرية ـ باداوه ـ إلى
بيت أخواله الذين كانوا
عوائل متمكنة وحالتهم
المعاشية جيدة في القرية
التي كانت بحدود (600)
بيت، وان احد أخواله كان
يملك أراضي شاسعة هناك،
وفي هذه القرية دخل
فخرالدين المدرسة،
وبواسطة الأقارب أطلق
سراح والده وتوجه إلى
القرية، ليتلقى سيلاً من
الكلمات الجارحة على
فعلته الشنيعة، وكان
الجميع ينظرون إليه
بإستخفاف من الزوجة
وأخوانها مع الأقارب،
وبعد الأحاديث المطولة
يوافق الأخوال على عودة
أختهم مع الزوج والأولاد
مرة أخرى إلى كركوك،
ويعود الوالد من جديد إلى
عمله السابق بصفة بستاني
في بلدية كركوك، وفي
نهاية العام الدراسي أصبح
فخرالدين الناجح الأول في
مدرسة قلعة كركوك.
في العطلة المدرسية
(الصيفية) وبعد إستراحة
(3) أيام أخذ الوالد
الطفل فخرالدين وعمره (7)
سنوات تقريباً إلى مقهى
السيد كريم جايجي للعمل
بأجرة يومية قدرها (80)
فلساً، وعند إفتتاح
المدارس باشر هذا الطفل
المسكين في الصف الثاني
وبعد المدرسة كان يذهب
رأساً إلى المقهى ويعمل
لحد الساعة (11) ليلاً،
واستمر على هذه الحالة
إلى أن تحوّل إلى صانع
عند كبابجي من المعارف
بأجرة يومية قدرها (100)
فلس، وكأي طفل يميل إلى
القيام بتجربة أعمال
كثيرة ومنها الأعمال
السيئة، ولجأ إلى لعب
القمار ولعب الدعبول وطرة
و كتبة وغيرها.
في أحد الأيام يزور
فخرالدين والده في حديقة
البلدية المسماة ـ حديقة
المجيدية الواقعة في مركز
مدينة كركوك، وعن طريق
الصدفة يأتي رحيم وهو من
أصدقاء والده وصاحب نادي
الموظفين، وبعد التعرف
على فخرالدين يطلب منه
العمل معه لقاء أجر شهري
قدره (5) دنانير، ويتم
الإتفاق بين الطرفين،
وبعد مدة من الزمن يتعلم
القمار بانواعه المختلفة.
ويتعرف على شخص رزن
ومحترم إسمه خليل، ويطلب
منه خليل الإقتلاع عن
الاعمال السيئة، وفي يوم
ما يعرض عليه صورة ويقول
هذا سجين سياسي وهو
شيوعي، وأعطيك الصورة
بشرط أن لا تكشف الأمر
عند الآخرين، وتستطيع أن
تقدم لنا مساعدة حسب
إمكانياتك، وعلى الفور
يستلم الصورة منه ويعطي
خليل المساعدة، وعند
العودة إلى البيت يعلق
الصورة على جدارغرفة
سكنهم.
عن طريق خليل سمع لأول
مرة كلمة الشيوعي والحزب
الشيوعي العراقي، وكان
وقع الكلمة عليه قوياً،
وفي كل يوم كان يتشوق
رؤية خليل، والإستماع إلى
كلماته ونصائحة، ولكن لم
يترك لعب القمار نهائياً،
وفي بعض الأوقات كان يميل
اللعب مع الآخرين، وأخذ
يساعد الجيران، وبالأخص
جاره عادل خريج الدراسة
المتوسطة الذي كان يحاول
أن يصبح نائب ضابط في
الجيش، وكان يسافر إلى
بغداد مرات عديدة لإكمال
معاملاته ويحتاج إلى
المال.
ووصل خبر إشتغال فخرالدين
في نادي الموظفين إلى
الأسرة الطالبانية
الدينية، وكلهم شيوخ
ويطلبون منه ترك هذا
العمل والتوجه إلى أحد
أقربائهم ليجد له عملاً
في دائرة حكومية، وبعد
الذهاب وجدوا له عملاً
بصفة عامل وأجرة شهرية |