|
مقدمه: كيف أستلم
الدكتاتور الصغير الحكم..
أستفاق الشعب السوري من
قيلولته في يوم تموزي حار
على أعلان وفاة الرئيس
السوري حافظ الأسد الذي
حكم البلاد قرابة ثلاثين
عاماً بالحذاء العسكري
وقانون الطوارئ البلاد
وبدلاً من ان يقيم له
أهله مراسم الدفن
والتعازي لمدة ثلاثة أيام
كأي مواطن، بني له مزار
في مسقط رأسه " القرداحة"
وأجبر الشعب السوري من
وزراء وحتى عمال وطلاب
الذهاب الى القرداحة
لقراءة الفاتحة على روحه.
وذلك لإجبار الشعب على
الخنوع له حتى بعد مماته،
وفرضت وضع المناديل
السوداء على الشرفات
لقرابة العام. وفجأة هبط
الدكتاتور الصغير
وبالسرعة القصوى الى
البرلمان السوري، حيث
فوجئنا جميعاً كيف جمع
أعضاء البرلمان بالإكراه
للتصويت على تعديل
الدستور السوري ليتسنى
للحاكم الجديد ذو العمر
الصغير ان يتولى الحكم
ومن ثم أجريت الإنتخابات
المزورة برعاية أجهزة
الأمن والضغط على
الموظفين والعمال
بتهديدهم بطردهم من
عملهم، ولم يهرع باقي
الناس الى الإنتخابات الا
بعد ان روجت أجهزة
المخابرات ان الذي لايوضع
ختم الإنتخابات على
بطاقته الإنتخابية فسوف
يحرم من كل حقوقه المدنية
ولن يستطيع إجراء أية
معاملة رسمية ولا يحصل
على أية ورقة حكومية بدون
الإنتخاب، وهذه الإنتخاب
هي بداية الديموقراطية
والشفافية والحرية على حد
قول المخابرات.
وقتها لم تكن المعارضة
السورية على نتسيق فيما
بينها ولم تكن قد جهزت
القواعد الشعبية تحسباً
لموت حافظ الأسد وإستلام
أبنه السلطة، فقد أنهكها
ذاك النظام طيلة ثلاثين
عاما من الإعتقالات
الجماعية والإبادات في
السجون وتعطيل الحياة
السياسية وحتى الإجتماعية
بحكم قوانين الطوارئ
والأحكام العرفية
والمحاكم الإستثنائية،
وإنهاك الشعب بالأزمات
المعيشية الخانقة. وبعد
ان أرتفع أصوات المعارضة
في سوريا، سارع الدكتاتور
الصغير على إخمادها، وبدأ
بخطبه ووعوده الخلبية،
على ان المرحلة القادمة
هي مرحلة جديدة وبشائر
الخير سوف تعم على الشعب
كافة، وأنه سيصدر قانون
للأحزاب، والكل سيشارك في
الحياة السياسية، وان
هناك تغيرات نوعية وكمية
في الإدارات والمؤسسات
الدولة، وعملية محاربة
الفساد على قدم
وساق.....الخ.....الخ.
في شهر آب من عام 2007
اجتاحت البلاد موجة حر
شديدة، النظام الموقر
وحاشيته قطعوا الكهرباء
والماء على الشعب، ونظام
القطع هذه أهلكت العباد
في تلك الفترة، حيث
الكهرباء إنقطعت ثلاث
ساعات نهارا ومثلها ليلا
والمياه كل عشرة أيام عن
مناطق بكاملها ,آلاف
البشر عاشوا أسوء ظروف في
حياتهم ، وكأن النظام
الموجود في منطقة
المهاجرين بدمشق مسؤول عن
مناطق في شرق الصين.
ففي صيف 2006 كان يشاع ان
الكهرباء ينقطع بسبب
منحها الى لبنان، لإنه في
حالة حرب، وفي صيف عام
2007 كان ممنوع السؤال عن
الكهرباء، ولا جواب لدى
أحد.
السؤال المحير لدى الشعب
السوري هو: ماذا قدم هذا
النظام للشعب خلال السبع
سنوات من حكم بشار مقارنة
بوعوده؟
1. إنتخابات البرلمان
السوري.. هنا توضع
أسماء المرشحين من قبل
أجهزة الأمن بعد موافقة
النظام عليها، وهي تمثل
مرشحين من حزب البعث
الحاكم و"أحزاب الجبهة
الوطنية التقدمية"
الموالية للنظام، وبعض
المرشحين المستقلين من
صناعيين وتجار، كتغطية
على مفهوم الديموقراطية،
المستقلين هنا معظمهم من
شركاء النظام وأبواقه.
ثم تجري الإنتخابات وتذهب
الصناديق الى أجهزة الأمن
والقوائم جاهزة لإعلانها،
فالآف من الناس لايعرفون
أسم مرشح مجلس الشعب عن
دوائرهم، وفيما لو عرف
البعض ولديهم مشكلة في
البلدة أو الحي، فأنهم لا
يستطعون ان يروا هذا
المرشح لانه يعيش في
مشروع دمر ويكتب له ماذا
عليه ان يقول في كل جلسة
وان يصوت للقوانين
والتشريعات، وان قال شيئ
أحد الأعضاء غير مرغوب
به، فيفصل من المجلس
ويلاحق كما حدث للنائب
المستقل " رياض سيف" الذي
كتب كتيب عن صفقة الخلوي
عام 2001 والتي أستولى
عليها رامي مخلوف، مدير
أموال الرئيس وعائلته.
ففصل من البرلمان وأصبح
مطارد وأعتقل أكثر من
مرة.
2. هيئة مكافحة
البطالة.. بإنشاء
هيئة لمكافحة البطالة في
عام 2002، زادت نسبة
البطالة أكثر علماً ان
الدول المانحة عربية
وأوربية هي أكثر من عشرين
دولة وقدموا مليارات
الليرات لمنح قروض
للعاطلين عن العمل بدون
فؤائد، وقتها كان هناك
مشروع دخول سورية في
الشراكة الأوربية
وبالتالي يجب خفض نسبة
البطالة الذي فشل فشلاً
ذريعاً بسبب فساد النظام
وإدارته، وعدم تماشيه مع
تطور الحضارة، فعلى سبيل
المثال: يريد مساعد طبيب
بيطري لم يجد وظيفة في
محافظة حماه وهو صديق لي
وقريب، منذ خمس سنوات
حاول إنشاء مشروع لتربية
الأبقار الحلوب وتسمين
العجول في منطقته، ذهب
الى دمشق أكثر من مرة
للحصول على ترخيص وقرض
للمنشأة، لكن دون جدوى،
مرة يقولون له، أذهب
وأجلب شهادات خبرة، ومرة
يقولون له يجب ان تشتري
أرض وتبني الحظائر، لنقوم
بتمويلك لشراء أربعة
بقرات، أي 2000 دولار،
علما ان شراء الأرض
بمساحة أربع دونمات وبناء
حظيرة يقدر ب 20000
دولار، فكيف لهذا الشاب
ان يقوم بهذا المشروع وهو
لايملك 100 دولار. إضافة
ان المبلغ المقدم يجب ان
يعاد للهيئة خلال 5 سنوات
مع فائدة تتجاوز 12%
سنوياً.
وهكذا ذهبت أموال هيئة
مكافحة البطالة الى جيوب
المسؤولين وحفلاتهم
وإعطاء أقاربهم القروض
لشراء الفلل في يعفور
والصبورة وتأجيرها لأهل
الخليج والعراق.
3. مكتب العمل..
سابقاً كان الوزير المختص
أو مدير العام يعين طالب
الوظيفة على أساس توفر
الشاغر والأعتماد أو بشكل
مؤقت ويتم تثبيته بعد
سنتين من خدمة الوظيفة.
عام 2001 أحدث النظام
مكتبا للعمل تابع لوزارة
الشؤون الأجتماعية، يسجل
المواطن شهادته وخبرته
ويذهب الى بلده وينتظر
عندما تطلب الوزارة أو
الشركة موظفا يرسل اليها
من المكتب حسب المطلوب من
المؤهل والخبرة دون
أختيار الوزارة للشخص.
لكن هذا لم يدم طويلاً
فسيطرت أجهزة الأمن
وعصابات البلد على مكاتب
العمل، فان كل وزارة
عندما تطلب موظفاً أو
عاملاً يرسل اليها
المطلوب عن طريق هؤلاء
العصابات، وأحيانا يمكن
عن طريق المكاتب ودفع
3000 دولار ، أي راتب
ثلاثة أعوام ويتم أرسالك
للعمل في أحدى الجهات
العامة براتب لايتجاوز
100 دولار بعد إنتظار
طويل طبعاً. أعرف أشخاص
ذوي شهادات متنوعة، سجلوا
أسمائهم منذ نشوء مكتب
العمل ولم يسأل أحد عنهم،
وكلما راجعوا المكتب
يقولون لهم بعد عدة أشهر،
أنها مكاتب القضاء على
العمل وعلى العدالة
والمساواة بين المواطنين.
4. محاربة الفساد..
من شرطي السير وموظف
البلدية ومراقب الصحة
والتموين والمدراء
والوزراء لايمكن للمواطن
السوري ان يحصل على ورقة
رسمية دون ان يدفع رشاوى
واذا كانت معاملتك تحتاج
دقائق فقد تصبح شهور
بأستثناء الأوراق الأمنية
والإستدعاءات للتحقيق
والإعتقالات السياسية
فأنت لا تدفع شيء إنما في
الزنانين قد تضطر لشراء
سيجارة أو رغيف خبز من
الرقيب أو المساعد بمبلغ
20 دولار.
لقد حول هذا النظام البلد
الى مستنقع من الفاسدين
وهذه سياسة واضحة كي
ترتبط مصائر هؤلاء الناس
ببقاء النظام والدفاع
عنه. حتى دكتور الجامعة
يأخذ من الطالب المتوقف
تخرجه على مادته لحد 600
دولار وأحيانا 1000
دولار.
ولنزاهة القضاء حديث
طويل. ان كاتب القاضي
يساومك ويفاصلك ويهددك
وخاصة إذا كنت على صواب
وكي لاتدان وتخسر سمعتك
وكرامتك، تدفع له مايطلب
وحتى محاميك لايجرؤ ان
يتكلم. في عام 2005 أصدر
الرئيس مرسوم بفصل 90
قاضيا كانوا لايدفعون
الأموال لإجهزة الأمن
وقالوا عنهم أنهم فاسدين.
أما موسم الإحتفالات
الأخيرة لإنتخاب
الدكتاتور الصغير لولاية
ثانية، فهذه تحتاج لكتب
وليس لمقال واحد. فقد
أجبرتني إدارة عملي على
ان أدفع مبلغ 100 دولار
وذلك مساهمة من كل مستثمر
منشأة لإقامة الأحتفالات
لكني لم أدفع، فقبض علي
وأعتبروني خائن للوطن،
لكنني قلت لهم الدولة
أغنى من الفرد، أنا
وأطفالي أولى بهذه
النقود، وإنها ملكي
الشخصي، لماذا لم تنفقوا
من خزينة الدولة المليئة
بأموال الشعب المسلوبة.
نصبوا الخيام، لإقامة
الدبكة، قال أحد المشرفين
على إنجاز أحد الخيم أنها
كلفت 2000 دولار. وكتبوا
في فواتير الدائرة للصرف
مبلغ 8000 دولار. وهنا لا
تجرؤ الهيئة المركزية
للرقابة والتفتيش ان تنظر
الى الفواتير كونها
مصاريف فرح إنتخاب "
الرئيس الديموقراطي".
ياللعجب رئيس واحد ولا
منافس له، يجرون
إنتخابات، فلو حصل على
صوته فقط حكما سينجح. وفي
غمرة هذه الإحتفالات
المزيفة والتي أجبر
الموظفون والطلبة على
الذهاب اليها. كان ضباط
الجيش العربي السوري
الذين خرجوا من لبنان ولم
يعودو يشتغلون بتهريب
الدخان والويسكي، يبيعون
بنزين سياراتهم بنصف
القيمة الرسمية على مرأى
من الناس، ولا أحد يقول
لهم ماهذا، والمؤسف ان
سياراتهم مزدانة بصور
الرئيس وأعلام سوريا.
هذا غيض من فيض، وهذه هي
محاربة الفساد.
5. الحياة
الديموقراطية..
كثيراً ماسمعنا عن تفعيل
الحياة السياسية وأشراك
الشعب السوري بها، وإصدار
قانون الأحزاب وإطلاق
الحريات واعطاء الشعب
الكردي هويته والإعتراف
به رسمياً، فماذا حصل؟
حصل مؤتمر الحزب الحاكم
في قصر المؤتمرات بدمشق
وتم تشكيل أفراد عصابات
أشد وطأة من التي تلتها.
غادر عبدالحليم خدام
ليفضح النظام من فرنسا،
وخاصة بعد جريمة مقتل
رئيس الوزراء اللبناني
الأسبق " رفيق الحريري"
عام 2005 ، وأسرع النظام
في التشهير بأبو جمال
وإطلاق الحملات الدعائية
ضده.
أضطر النظام في هذه
الفترة لإعطاء هامش
للحوار الديموقراطي فظهرت
بعض المنتديات للحوار
الديموقراطي، مثل منتدى
رياض سيف، و منتدى جمال
الأتاسي وظهرت بعض
الأصوات لعارف دليلة
وميشيل كيلو وكمال
اللبواني وحبيب عيسى
وآخرون. وقد سخن الحوار
وطالبت المنتديات من
النظام الكف عن ممارساته
وتحسين سلوكه والنظر الى
وعوده السابقة.
أفاق النظام مذعورا وأمر
بإغلاق جميع المنتديات
واعتقل القائمين عليها
وعادت أجهزة الأمن تصول
وتجول وتلاحق أعضاء
المجتمع المدني والكتاب
والصحفيين ومتابعي
الأنترنيت وأقفلت أغلب
المواقع الكردية مثل
عامودا وعفرين، وتم
إستدعاء مئات الشباب
لكتاباتهم عن أحوال
سوريا، بالرغم من انهم
كتبوا بأسماء مستعارة في
الأنترنيت.
أنه نظام البعث
الأشتراكي، انه يخشى حتى
من الكلمة. في عام 2004
أنطلق من القامشلي أصوات
الأكراد الأحرار ثم إنتقل
الى ريف دمشق مطالبة
النظام بحقوقها والإعتراف
بهويتها مستخدمة أنواع من
أشكال التعبير السلمي
الرافض لسياسة هذا
النظام. وقتها أمر النظام
أجهزته بأستخدام السلاح
فقتل من قتل وجرح من جرح
وسجن من سجن على مرأى
عدسات التصوير وعلى مرأى
العالم كله ولم يحصل شيء.
وأنطلقت في محافظة حماه،
منطقة مصياف في صيف 2005
شهر تموز مظاهرة حاشدة ضد
ممارسات النظام وسلوكه
الوحشي ونهب البلاد، أمام
فرع الحزب ومفارز الأمن،
وأنطلقت مثلها في منطقة
القدموس. وقتها أوعز
النظام أجهزته بالهجوم
على المنطقة وأحراقها،
فأحرقت الكثير من البيوت
وأودع المئات في السجون
وعذبوا تعذيبا شديدا
وبعضهم خرج بعاهات دائمة.
حوصرت البلدتين بجيوش
النظام كما حصل لمحافظة
حماه عام 1982 وقتل فيها
أربعون ألفاً، علماً ان
المظاهرات كانت سلمية
وكان الأطفال يمشون في
مقدمة الحشود وقد تعامل
النظام السوري معهم كأنهم
أمام عدو خارجي، وليس
أمام شعب على أرضه، يعبر
عن رفضه بالأشكال
السلمية.
وعدا عن ذلك فأن النظام
أستخدم أساليب حقيرة
لإهانة المعتقل السياسي،
فوضعهم مع المجرمين
ومرتكبي الجنايات في
السجون.
والسؤال العام هو: كيف
لهذا الشعب الأعزل ان
يقاوم هذا النظام
الأرهابي الدكتاتوري؟
لماذا لايطلب الحماية من
المجتمع الدولي للتدخل
وإنقاذ الشعب السوري من
هؤلاء الطغاة. أي حوار
سلمي ينفع مع هذا النظام،
هل سنبقى أيضا ثلاثين
وربما خمسين عاما أخرى
تحت حكم البعث وعائلة بيت
الأسد؟
|