Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

ِإشكالية الموت في الفكر الإنساني
عدنان عجيل

الموت حقيقة وجودية وجدت بوجود الحياة وان كان هناك اختلافات بين البشر حول حقيقته فالجميع يتفقون حول حتمية وقوعه .
لا يمكن فهم حقيقة الموت إلا من خلال الحياة، فالحياة هي تلك الظاهرة التي تبرز فعلها من خلال مقاومة الموت، ولا يمكن إنكار تلك العلاقة الجدلية بينهما.
الموت يمنح قيمة و معنى للحياة، فعندما يدرك الإنسان بأن وجوده محدود بزمن متناه فأنه يندفع إلى الحياة بكل عنفوان لتحقيق طموحه. فلو كانت الحياة لا متناهية لما كان لديه الدافع إلى الاستعجال في تحقيق ما يريد. فالموت ليس مجرد عملية فيزيولوجية تتوقف خلالها الأعضاء عن الاستمرار، بل هو نهاية الطموح، و الرغبات والأماني والأحلام. و الإنسان عندما يرفض الموت فإنه يريد أن يستمر في الحياة لتحقيق ما يتمناه، ولهذا نرغب في أن تكون حياتنا طويلة لنتمكن من تحقيق كل ما نريد تحقيقه. فنحن نخشى الموت عندما نشعر بأن أيامنا قد ضاعت عبثاً ودون جدوى. الموت هو الذي يحيل الكل إلى اللاشيء، هو العدم والفناء والغياب الأبدي. ولهذا فإن ظاهرة الموت كانت من أهم الظواهر التي أقلقت مضجع الإنسان و حيرت باله، فحاول أن يقدم لها تفسيراً . و اختلفت التفسيرات حول هذه الظاهرة عبر التاريخ الإنساني، ففي الأساطير والديانات القديمة يظهر موقف الإنسان من الموت، فنجد عند الفراعنة ظاهرة التحنيط، وهذه الظاهرة تدل على أن الفراعنة كانوا يؤمنون بالانبعاث بعد الموت. وفي ملحمة هوميروس (الأوديسا) يقول: "أناشدك يا أوديسيسوس أن لا تتحدث عن الموت برفق، فلأن تعيش على الأرض عبداً لآخر خير من أن تحكم كملك لا ينازعه السلطان في مملكة الأشباح اللاجسدية".
والأساطير الإغريقية تشير إلى إله الموت، كما في أسطورة (أدونيس) وربة الموت تسمى (بيرسيفوني)، كما أشارت هذه الأساطير إلى العالم السفلي، عالم الفساد والانحلال والاندثار مقابل العالم السماوي، حيث تعيش الروح حياة أبدية، بعد أن تتحرر من فساد المادة. وهذه الفكرة أشار إليها أفلاطون فيما بعد، كما نجدها في الأديان السماوية لاحقاً، حيث العالم الأرضي عالم الفناء والفساد والعالم السماوي عالم الأبدية. فالأديان السماوية تقدم للموت فكرة مستساغة عندما تنقلنا إلى عالم الأبدية. وفي هذا تخفيفا لرهبة الموت، لأن الموت هو الانتقال إلى الدار الآخرة، والعودة إلى الحياة من جديد. وفي أسطورة (جلجامش) يلجأ جلجامش إلى البحث عن الخلود، وأخيراً يعثر على نبتة الخلود، ولكن الأفعى تبتلع هذه النبتة، وهذا اعتراف بأن البشر لا يمكن لهم أن يصلوا إلى الخلود والحياة الدائمة. ومن هنا نلاحظ أن فكرة الخلود هي رفض الإنسان الاعتراف بفنائه الأبدي لأن الإنسان لا يريد أن ينتهي ويتلاشى إلى الأبد وكأنه لم يكن. إن الخوف من الموت هو الذي أدى إلى إبراز فكرة الخلود.
إن اللجوء إلى المعتقدات الدينية والغيبية وطقوس الموتى وتقديس القبور والإيمان بالانبعاث هي عملية دفاعية ودليل على آلية النكران المتمثل في رفض الموت تماما كما تفعل الأم التي تحاول الحفاظ على ملابس وألعاب طفلها الميت، وكأنها ترفض موته وتنكره. ولعل عدم اعترافنا بالموت وتجاهلنا له وإبعاده عن دائرة التفكير المستمر تعود إلى غريزة الحياة التي أشار إليها فرويد.

* - الموت في الفكر الفلسفي: لعل مشكلة الموت من أهم المشاكل التي تناولها الفكر الفلسفي لأن خوف الإنسان من الموت ورغبته في الاستمرار دفعه إلى إنشاء نظريات وأفكار كثيرة حول هذه الواقعة الرهيبة يقول باسكال: "كل ما أعرفه هو أنني لا بد أن أموت يوماً ما، ولكنني أجهل كل الجهل الموت الذي لا أستطيع تجنبه". وهذه حقيقة منطقية لأن فعل الموت لا بد أن يقع على الحي، وهذه الحقيقة تؤكدها لاحقاً الديانة الإسلامية "أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة".
فالولادة تنذر بالموت. ويقول شوبنهار "الحياة سيئة اليوم، وسوف تكون أسوأ غدا، وهكذا حتى نصل إلى الأسوأ ألا وهو الموت". من هنا نلاحظ أن الإنسان نزوة عابرة، وهذه النظرة التشاؤمية تجاه الحياة لدى شوبنهار تؤكد لنا بأن فعل الموت يحيل الوجود إلى العدم. قد تكون الحياة سيئة وقاسية، ولكن الأصعب والأسوأ هو فعل الموت الذي يحيل الحضور إلى غياب أبدي.
فكل منا سوف تنتهي به الحياة إلى الاحتفال بعرسه مع الموت. ويقول هيغل: "الإنسان حيوان مريض"، لأنه يفكر ويعرف بأنه سيموت. فالتفكير بالموت يجعل من الإنسان حيوانا مريضا. فالموت شعور دفين لدى الإنسان، ولا أظن أن هناك كائن مفكر لم تنتابه هذه الحالة الشعورية بأنه سيغيب يوما ما وإلى الأبد، وأن وجوده سيحكم عليه بالفناء وكأنه لم يوجد.
هذه الحالة الشعورية تبدو واضحة لدى الفلاسفة الوجوديين. الشعور بالقلق شعور طبيعي، ولكن قلق الموت قلق وجودي. فالوجود يسبق اللاوجود، وكأن الحياة تؤدي إلى ا لموت. هذا القلق الوجودي بمصيرنا يخلق لدينا حالة من التوتر. إنها حالة من القلق المصيري الكامنة في اللاشعور، والتي تظهر بين حين وآخر لتذكرنا بأننا سنغيب يوما ما، وأننا سنتحول إلى عدم، ولن نستطيع أن نرى ثانية من نحب وما نحب، وأن هذا الغياب الأبدي سيوزع الحزن والقلق والضيق على كل من يحبنا ويرغب في استمرار وجودنا. إن موتنا هو موت الآخرين، لأن موتنا يعني غياب الآخرين وفقدان التواصل معهم.
إذن الموت عند الوجوديين حدث واقعي ماثل في صميم الحياة منذ البداية. إنه الشعور بالفناء، الشعور بالخوف من أن ندفن أحياء. يقول سارتر: "الوجود والعدم وجهان لكون واحد". ويقول جان فال: "إن ما يحيا هو وحده الذي يقبل الموت"، فالوردة الصناعية لا تموت لأنها لا تملك الحياة.

* - الموقف من الموت:
نحن أمام ثلاثة مواقف من واقعة الموت:
أولاً: موقف يرحب بالموت كمصير ينقل الإنسان من عالم الفساد والشقاء إلى الراحة الأبدية. وهذا الموقف نجده عند أفلاطون الذي يرى أن الحرية هو تحرر الروح من الجسد الفاسد الفاني. وهذا الموقف نفسه نجده في الأديان السماوية التي ترى أن هذه الحياة فانية، وأن دار الآخرة هي دار الأبدية والخلود. وظاهرة الشهادة تدخل ضمن هذا الموقف. الموت من أجل الخلود، الموت من أجل تجديد الحياة.
ثانياً: موقف يسعى إلى الموت عبر الانتحار، ويرى في الموت راحة أبدية ونهاية للشقاء والعذاب والخيانة. وهذا ما عبر عنه بدر شاكر السياب مرارا في أشعاره:
"أريد أن أموت يا إله
أحس أنني أذوب، أتعب
أموت كالشجر "
....
" هات الردى، أريد أن أنام
بين قبور أهلي المبعثرة
رصاصة الرحمة يا إله . "
" نحن جميعنا أموات
أنا ومحمد والله "
الموت عند السياب هو مطلب إنساني لإنهاء حالة العدم المستمرة لإنهاء حالة العذاب الدائم الحضور التي تفرزها الحياة نفسها. وموقف السياب لا يختلف عن موقف المعري الذي يطلب الموت ويستغرب من ذلك الإنسان الذي يتمسك بالحياة لأنه يتفق مع شوبنهار بأن الحياة سيئة، وستكون أسوأ، ولهذا يعبر المعري عن هذا الموقف بقوله:
"تعب كلها الحياة فما أعجب إلا براغب في ازدياد".
يقول أيضاً:
"ما أجمل الموت وما ألذه وما أكلفه للراحة وأنفاه للتعب".

ونفس الموقف نجده عند سقراط إذ يقول: "إذا كان الموت كرقدة النائم لا تزعجه حتى أشباح الرؤوس. ففي الموت نفع لا نزاع منه... أما إذا كان الموت ارتحالاً إلى مكان آخر حيث يستقر الموتى جميعا فأي خير يمكن أن يكون أعظم من هذا أيها الأصدقاء والقضاة!...".
ونفس الموقف نجده عند خليل حاوي الذي انتحر كرد فعل على فواجعه وفواجع الأمة العربية وانهزامها. والشاعر الروسي مايكوفسكي انتحر، وهذا الانتحار هو شهادة على عصر ستالين لما كان فيه من كبت للحريات وهدم للمبادئ الماركسية الداعية إلى إنسانية الإنسان.
ثالثاً: موقف يطلب الموت من أجل تجديد الحياة، وهذا الموت نجده عند محمود درويش وعند جميع الناس الذين لديهم قضية كقضية الوطن والإنسان. وهذا ما عبر عنه محمود درويش عندما قال:
"لم نعثر على شفق سوى دمنا الذي يتسلق الجدران".
الموت من أجل الوطن، ومن أجل مبادئ إنسانية هو تقديم الذات كقربان من أجل النحن...و هذا يذكرنا بطائر الفينيق الذي ينبعث من رماده. إنه الموت من أجل استمرارية الحياة، من أجل أن تكون الحياة أكثر إشراقة وأكثر ابتسامة وأكثر شفافية بالنسبة للجميع. و هو الذي يحمل معنى الخلود.
وأخيراً، أقول أن أي محاولة لنسيان الموت هي خيانة شخصية. وعلينا أن لا نتمرد على الموت فالتمرد على الموت هو تمرد على الحياة، وما دمنا أحياء، فإن فعل الموت واقع علينا، لأن فعل الموت لا يقع على الميت ويجب أن نعلم بأن الموت لا يشل أو يوقف ديمومة الزمن، فالحياة في تجدد مستمر، وفي صراع دائم من أجل البقاء .
 

 




 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE